الكويت-“القدس العربي”: مزيج من الماضي والحاضر، يلتقيان في موقع واحد، لا حدود للذكريات، فأنت أمام تاريخ بلد كان يوما موقعا للحكم وسوقا تجارية شكلت عَصّب الحياة، في بلد شق طريقه نحو المستقبل بين مراكب البحر وأعماق الصحراء.
سوق المباركية، أبرز المعالم التراثية في الكويت، تاريخ يعود إلى أكثر من 120 عاما. أطلق عليه هذا الاسم تيمنا بحاكم الكويت الراحل الشيخ مبارك الصباح أو كما يعرف في الكويت مبارك الكبير.
فسيفساء من المحال والدكاكين المزينة بأسقف خشبية، تحمل طرازا تاريخيا موحدا في البناء من حيث الشكل وان اختلف المضمون، ويحتل السوق موقعا متميزا في منطقة يطلق عليها “القبلة” في قلب العاصمة الكويت.
لا يزال السوق القديم محتفظا بطابعه الهندسي التراثي رغم مرور الزمن، وفي التفاصيل لوحة متنوعة من البضائع والمشغولات والمنتجات التراثية التي كان الكويتيون يستخدمونها في بداية تشكل حياتهم المدنية، فضلا عن المطاعم والمقاهي الشعبية.
حركة لا تنقطع من الزوار مواطنين أو مقيمين أو سياح ممن يقصدون السوق الفريد من نوعه في الكويت.
طعم الماضي
وفي إحدى زوايا السوق القديم تقع عدة مقاهي شعبية، يحتسي أبو جاسم الشاي المخدّر بالطريقة الكويتية، وهنا يستعيد ذكريات الطفولة ورفقة والده قبل أكثر من خمسين عاما.
ويقول لـ”القدس العربي”: إن للمكان خصوصية في نفسي وكذلك الحال لدى العديد من الكويتيين، كنت أزور السوق مع والدي الذي كان يتوقف عند هذا المقهى، يلتقي الأصدقاء ويحتسي الشاي الذي لم يتغير طعمه”.
تاريخيا كان السوق عبارة عن أكشاك، وكان الشيخ مبارك الكبير أول من بنى (كشكا) في المكان عام 1897 بعد سنة من توليه الحكم واعتبر الكشك حينها ديوانا لإدارة الشؤون العامة والاستماع إلى آراء ومشكلات وقضايا الشعب ليتحول فيما بعد إلى أول محكمة في تاريخ الكويت، كما كانت تحيط بالكشك مجموعة من الأسواق.
الهند والعراق
وفي الماضي، كانت البضائع في السوق تستورد من العراق والهند وافريقيا أثناء السفر إلى تلك البلدان بحرا. أما اليوم فالمباركية تعتبر سوقا مفتوحة تجمع الماضي والحاضر، فضلا عن محال السمك واللحوم والخضار والملابس.
يقول عدنان الفضلي أحد رواد السوق: “نقصد سوق المباركية لأنه جزء مهم من تاريخ الكويت، في أزقته رائحة الماضي، حيث البساطة والتنوع”.
ويشير إلى ان السوق يحتضن العديد من المحال التي بخلاف تقديمها المواد الغذائية بأنواعها فهي تقدم المشغولات الكويتية القديمة، فضلا عن احتياجات البر والسفر .
ولا يقف التنوع عند ذلك، فالسوق يضم أيضا محلات الصرافة والعطارة والعطور والتحف والتمور والحلويات الكويتية التقليدية وغيرها.
ويتفاعل السوق مع المناسبات الوطنية، ويتزين بالأضواء والإعلام، حيث تستعد الكويت هذه الأيام لذكرى العيد الوطني الموافق 25 شباط/فبراير والذكرى 30 لتحرير الكويت، ولا ينسى الكويتيون ما مر به بلدهم من أحداث وتحديات في مرحلة الغزو العراقي، وسوق المباركية كان شاهدا على ذلك، إذ طال الخراب والحرائق مساحات واسعة منه، إلا ان الدولة حرصت على إعادة بنائه بطرازه القديم في مرحلة مبكرة من عمر التحرير.
متنفس لا يضاهيه مكان
ويشهد السوق عادة إقبالًا كبيرا، فهو محط الأنظار محليًا وقبلة للزوار الخليجيين، وبخلاف تنوعه وأسعاره المناسبة لكل الفئات فضلا عن كونه سوقًا للعائلة بكل فئاتها، فإنه يعد متحفا مفتوحا فريدًا من نوعه.
وعلى الرغم من أن سوق المباركية يعد الأقدم خليجيًا، إلا ان رواده من كافة الفئات والأعمار، فهو متنفس لا يمكن ان يضاهيه أي مكان آخر في البلاد.
ترى أم فهد، وهي مواطنة بأن الإقبال على السوق من مختلف الجنسيات أمر طبيعي، فالمكان مميز ويعبر عن روح الكويت وأصالتها فمن لا يزور المباركية يفقد فرصة زيارة أهم موقع في الكويت حيث حيوية الحاضر وعراقة الماضي.
وتستذكر من حديث الأمهات والجدات بأن المباركية كان سوقًا للمرأة بامتياز فمنه تحصل على عطورها وزينتها حيث سوق الذهب فضلا عن مستحضرات التجميل التقليدية التي تزخر بها دكاكين العطارة.
أما عبد الرزاق البلوشي وهو مواطن خليجي زائر، فيرى أن زيارة السوق تغني عن زيارة المجمعات والمولات الحديثة، التي يرى انها متشابهة في كثير من الدول لكن المباركية ليس هناك ما يشبهه سواء بمحتواه أو طرازه التاريخي على حد وصفه.
ويضيف: مع تطور الحياة بات الحنين أكثر إلى الماضي، وليس هناك أجمل من المباركية في الكويت كما أنه يعد معلما متميزا على مستوى الخليج.
أزمة السوق
ويشهد السوق حركة تجارية كبيرة وهو ربما يكون أحد الأسباب التي أدت إلى نشوب أزمة في عام 2017 عندما قام أصحاب المحلات والدكاكين بإغلاق محلاتهم احتجاجا على رفع أسعار الإيجارات والذي انتهى بتحقيق مطالبهم، بعد أن حول الموضوع إلى القضاء.
ويوضح أبو سالم أحد أصحاب المحلات بأن مذكرة رفعت بهذا الشأن للقضاء، مشددا على أهمية السوق والمهن الموجودة فيه “رفع الإيجارات كان من الممكن أن يفقد السوق خصوصيته وتميزه الذي لازمه طوال هذه السنين ببساطته وأسعاره المناسبة للجميع”.
وكان هذا الموضوع حديث الكويتيين في الدواوين والمنتديات لما يشكله السوق من أهمية بالنسبة لهم، وعكست القضية وتداعياتها جانبا من مساحة الحرية التي يتمتع بها الكويتيون عن سواهم في المنطقة إذ تتعدد أوجه الخلاف فيما بينهم إلا أن الحرية والديمقراطية كفلت للجميع فرصة الاعتراض وإبداء الرأي .
هنا تنتهي زيارتنا للمباركية وفي المكان أشياء كثيرة لا يمكن حصرها، فالموقع يستحق الزيارة أكثر من مرة، وفي طريقنا إلى خارج السوق يعترضنا سوق المناخ وهو الذي يعرف بسوق الأوراق المالية غير الرسمي والشهير بإحداثه وقصصه التي لا تنسى، فضلا عن سوق الحريم أول سوق نسائية في الكويت والمنطقة ناهيك عن معالم كثيرة تستحق الزيارة.