رام الله-غزة ـ «القدس العربي»: يبدأ الفيلم الوثائقي الاستقصائي الذي أنتجته قناة «تي أر تي العالمية» بحديث أحد أبرز قادة الاستيطان اليهودي المتطرفة دانييلا فايس التي تضع سياق سرقة الأرض الفلسطينية من منظور ديني فتقول: «قال الرب لإبراهيم واسحاق ويعقوب: اصعدوا إلى التلة، يا شباب التلال، وانظروا من حولكم، هذه هي الأرض التي منحتها لكم، ثم سيروا في الأرض». وتكمل في تبريرها ممارسات شبيبة التلال في الضفة الغربية: «ولذلك صعدنا إلى التلة، ونظرنا حولنا، وتعرفنا على المنطقة، ثم استوطنا تلك الأراضي».
وفي ذات البداية تكمل: «نكرس وقتا طويلا في سبيل غرس أيديولوجية استرداد الأراضي الإسرائيلية في عقول جيل الشباب».
هذه المقدمة المأخوذة من فيلم استقصائي يحمل اسم «الخلاص المقدس.. سرقة أراضي الفلسطينيين» يمكنه أن يجعلنا نفهم عملية التهويد المتسارعة في عموم الضفة الغربية، وكذلك من تفسير الوحشية الإسرائيلية في قطاع غزة وتحديدا مناطق الشمال، فمن دون فهم العقلية الصهيونية المتطرفة التي تؤمن بالخلاص المقدس بالسيطرة على الأرض الفلسطينية كلها لا يمكن فهم هذا الجنون في ممارسة القتل والإبادة والتجويع التي تصاعدت منذ نحو عشرين يوميا بشكل محموم.
وحسب نشطاء في قضايا الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية فإن عرض فيلم الوثائقي الاستقصائي «الخلاص المقدس» والذي يسلط الضوء على الأعمال الإرهابية والعنف الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية هو واجب ضروري لفهم طبيعة العقلية الصهيونية وكيف تنظر للأرض الفلسطينية.
ورغم أن الفيلم (53 دقيقة) لا يتحدث عن الاستيطان في غزة إلا أنه في الدقائق الأخيرة ينقلنا من مشاهد الفعل الاستيطاني في الضفة إلى شاطئ غزة بحيث يضعنا على الكيفية التي تعمل بها مجموعات الاستيطان لتكريس الوعي والاهتمام بالاستيطان في غزة لدى أطفال المستوطنين وشبابهم.
يقول فريق الفيلم: «أثناء عمل فريق التحقيق على الفيلم تلقينا دعوة لحضور فعالية نظمتها مجموعات المستوطنين بالقرب من غزة» (كان ذلك قبل أشهر) هناك عقدت منظمات الاستيطان مؤتمرا لتقاسم الأراضي في القطاع ولتحديد العائلات التي تريد أن تسكن هناك، وهو ما نراه بالصوت والصورة.
يظهر في الفيلم المستوطنون فرحون بأصوات القنابل التي تفتك بأهل القطاع، كان بعضهم يقول: «نحن نقضي على الشر في العالم» أما المتطرفة دانييلا فايس ذاتها فكانت تؤكد ان استقرار المستوطنين في غزة هو تحقيق لإرادة الرب.
لقد ظهرت غاضبة وتضرب الطاولة بيديها عندما قالت: «جميعا عليكم الذهاب، لماذا ندعهم ينامون بسلام في غزة؟ لن أدعهم ينامون بسلام في غزة؟ وبعد مشاهد تقسيم الأراضي في القطاع بحيث تمنح كل عائلة دونما من الأراضي صعدوا في سفينة برفقة عشرات الأطفال وساروا مقابل غزة على الساحل وهناك بدأ بناء أول علاقة مع المكان من بعيد، وكذلك لمعاينة المستوطنات التي يحلم بها.
كيف نستوطن غزة؟
قبل أيام عقد مؤتمر جديد ولنفس الموضوع ولنفس الهدف، فعلى مقربة من كيبوتس بئيري في منطقة غلاف غزة، احتشد نشطاء من اليمين المتطرف، للمطالبة بإعادة الاستيطان في القطاع الفلسطيني، وظهرت القيادية فايس مرة أخرى في إحدى الفيديوهات، وهناك قالت بثقة: «لن يبقوا في غزة بأي حال من الأحوال، كما انتقل الأفغان خلال الحرب وكما انتقل اللاجئون في سوريا وأوكرانيا سيحدث الشيء ذاته هنا. في غضون أقل من عام سترون كيف يذهب اليهود إلى غزة ويختفي منها العرب. لقد فقدوا حقهم في البقاء في هذا المكان المقدس، لقد جئنا هنا لهدف واحد واضح استيطان قطاع غزة بالكامل».
في كلمتها الحماسية سألت: «كيف نعتزم المضي قدما في استيطان غزة؟ وأجابت قائلة: «لدينا دعم سياسي، لدينا دعم جماهيري، لدينا خبرة اكتسبناها خلال 55 عاما من الاستيطان في الضفة الغربية والجولان، احتللنا كل هذه المناطق، أكثر من 330 مستوطنة، لم يكن الأمر سهلا، لقد اكتسبنا الكثير من الخبرة على صعيد التعامل مع السياسيين ومع الرأي العام، وعلى صعيد اقناع المستوطنين لكي ينتقلوا إلى أرضهم والتأقلم في مكان يصعب العيش فيه. لذلك نخطط للاستفادة مما اكتسبناه من سنوات الاستيطان في يهودا والسامرة لنطبقه هنا في غزة».
وتبدو الفقرة السابقة مثالية وتضع المهتم بطبيعة الخطط وكيفية العمل في النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية وكيف يمكن تنفيذ ذات السياسات في القطاع.
فيلم «الخلاص المقدس» يضعنا على صورة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة من منظور غير مسبوق، وتعقيدات الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهو من إخراج وإنتاج خوسيه كارلوس سواريس وتانغو شاهين وأسليهان إيكر جاكماك.
لقد تمكن فريق العمل من تنفيذ عملية تسلل صعبة في وسط مجموعات المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين في الضفة الغربية المحتلة لإكمال الفيلم، حيث دخل البؤر الاستيطانية، التي يجري تدريب المجموعات المتطرفة المسماة «شباب التلال» وعبر ذلك يكشف عن استراتيجيات إسرائيل في تهجير الفلسطينيين والسرقة المنهجية للأراضي.
700 عائلة
وأعلنت حركة «نحالا» الاستيطانية الإسرائيلية في ذات المؤتمر الأخير عن إنجازها الجديد والذي يتمثل في تسجيل نحو 700 عائلة للانتقال للسكن في 6 مستوطنات محتملة في قطاع غزة، معربة عن أملها في البدء ببناء هذه المستوطنات خلال عام. وشارك في المؤتمر عشرات من أعضاء الكنيست، بينهم أعضاء في حزب الليكود الحاكم، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي قال إنه في نهاية المطاف سيكون هناك استيطان يهودي في قطاع غزة.
وزعم سموتريتش في تصريحاته أن غزة «جزء من أرض إسرائيل، لن يكون هناك أمن دون استيطان في القطاع. والعبرة الأساسية في السنة الأخيرة».
وأضاف: «أينما يوجد استيطان يوجد أمن، وأينما يوجد مدنيون ثمَّ أيضا وجود عسكري، ولا جدل في أن الجيش سيسيطر على قطاع غزة لفترة طويلة لإزالة الخطر الكامن فيها وتوفير الأمن لمواطني إسرائيل».
وتابع زاعما أن «من لديه عينان يدرك أنه من دون وجود مدني استيطاني لا يمكن إبقاء الجيش لفترة طويلة، لذلك يجب أن يكون في غزة وجود يهودي وإحياء الاستيطان الطلائعي القوي من جديد».
وأكد سموتريتش أنه سيتم هذا العام «تصحيح الخطأ الكبير الذي تمثل في طردنا من مستوطنات غوش قطيف في غزة» وفق تعبيره.
في ذات السياق، أعلنت وزيرة «المساواة الاجتماعية» بحكومة الاحتلال، ماي جولان، عن دعمها للاستيطان في قطاع غزة، داعية إلى «طرد الفلسطينيين من منازلهم كعقاب لهم على أحداث 7 أكتوبر».
كما عقد في مدينة القدس المحتلة في 28 كانون الثاني/يناير الماضي مؤتمر حمل اسم «مؤتمر النصر» شارك فيه مجموعة من الوزراء وأعضاء الكنيست المنتمين إلى أحزاب يمينية متطرفة بالإضافة إلى مجموعة من النشطاء وقادة حركة الاستيطان حيث ناقش المؤتمر بشكل خاص عودة الاستيطان إلى قطاع غزة بعد تفكيكه عام 2005 بما عرف بخطة «فك الارتباط».
وبعد مؤتمر القدس نظمت، وفي أيار/مايو الماضي، مجموعات استيطانية مسيرة في غلاف غزة شارك فيها ما يقرب من 50 ألف شخص من ضمنهم أعضاء في الكنيست ووزراء في حكومة الاحتلال، المسيرة التي انتهت في بلدة سديروت طالب المشاركون فيها بعودة الاستيطان إلى قطاع غزة.
والجمعة اعتقلت السلطات الإسرائيلية 6 نشطاء من اليمين المتطرف، وذلك بعد أن اخترقوا الحدود مع قطاع غزة الفلسطيني، بغية الاستيطان هناك.
وتسلل المتطرفون من نقطة على مقربة من معبر بيت حانون (إيريز) شمالي القطاع، حيث مكثوا في الأراضي الفلسطينية لمدة نصف ساعة.
استراتيجية إعادة الاستيطان
وحسب الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع فإن استراتيجية إعادة الاستيطان في قطاع غزة تستند إلى مفهوم «السيطرة الاستراتيجية» الذي تدعمه الأطراف اليمينية المتطرفة في الحكومة الإسرائيلية، فحركة «نحلا» تقترح أن وجود مستوطنات إسرائيلية في المناطق الحدودية سيعزز السيطرة الأمنية والسياسية على القطاع، من خلال: التحركات السياسية وتعبئة الدعم الداخلي والخارجي، فإضافة إلى الدوافع الأمنية، تعتمد الاستراتيجية الاستيطانية على بناء لوبي سياسي قوي في الكنيست والحكومة الإسرائيلية. فدانييلا فايس تستثمر في توضيح خطورة غياب المستوطنات في غزة من خلال زيارات متكررة للكنيست ولقاءات مع المسؤولين. كذلك، تسعى الحركة إلى تعزيز الدعم الدولي لمشروعها عبر التفاعل مع وسائل الإعلام الأجنبية، خاصة الأمريكية، لبناء صورة إيجابية لمشروعها باستخدام الأمن كذريعة رئيسة.
وقال مناع في رصد نشر على موقع «مدار» المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، أن هناك حالة من تعبئة المجتمع الاستيطاني والتحضير لإعادة الاستيطان، فمشروع إعادة الاستيطان يتجاوز الحدود السياسية إلى المستوى الاجتماعي والتعبوي، حيث يُعتبر المجتمع الاستيطاني نواة المشروع، كما يُعدّ المستوطنون والعائلات بشكل دائم لأي فرصة قد تتيح إعادة الاستيطان. تجارب سابقة مثل استيطان موقع «أفيتار» تُظهِر استعداد المستوطنين للتحرك بسرعة عند ظهور أي فرصة، سواء أكانت نتيجة أحداث أمنية أم سياسية.
وحسب مناع، فأن خطة إعادة الاستيطان في غزة تستند إلى استراتيجيات ميدانية تدريجية، تبدأ بإنشاء نقاط صغيرة ومؤقتة مثل المزارع أو نقاط الصلاة بالقرب من السياج الفاصل. يمكن أن تتطور هذه النقاط مع مرور الوقت إلى مستوطنات دائمة، بما يتماشى مع الظروف السياسية والأمنية. يعكس هذا النهج فهماً عميقاً لأهمية خلق حقائق جديدة على الأرض قبل الوصول إلى اتفاقات سياسية مستقبلية.
وحسب مناع فإنه على الرغم من النجاحات السابقة لحركات الاستيطان، فإن محاولة إعادة الاستيطان في قطاع غزة تواجه اليوم تحديات كبيرة. من أبرز هذه التحديات المقاومة الفلسطينية، التي تتخذ شكل حرب عصابات معقدة ومتنوعة في قطاع غزة. وتواجه النوايا الاستيطانية في غزة تهديداً دائماً من هذه المقاومة، ما يزيد من خطر عدم الاستقرار والأزمات الأمنية. إضافة إلى ذلك، فإن أي خطوة نحو إعادة الاستيطان في غزة ستؤدي إلى تصاعد الانتقادات من المجتمع الدولي، الذي يعتبر الاستيطان في الأراضي الفلسطينية غير قانوني. يعزز هذا الموقف من الانتقادات والتحديات السياسية تجاه المشاريع الاستيطانية الجديدة، ما قد يضع إسرائيل تحت ضغوط دولية متزايدة.
أربعة خطابات
وحسب الباحث في مركز مدار وليد حباس فإن هناك أربعة خطابات داخل المجتمع الإسرائيلي حول موضوع الاستيطان في غزة. وجاء في مقال حمل عنوان: «من يريد إعادة الاستيطان اليهودي إلى قطاع غزة ولماذا؟» أن الخطاب الأول هو أن الاستيطان في الأرض المحتلة ضروري بهدف الوصول إلى أكثرية ديموغرافية. هذا خطاب متداول على نحو دقيق جدا، ولا يرد عادة في البرامج الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية باعتباره السبب الحقيقي للاستيطان.
أما الخطاب الثاني فهو خطاب اليمين الليبرالي في إسرائيل، وهو يتأسس على رؤية مختلفة عن الخطاب السابق، حيث يعود اليمين الليبرالي في إسرائيل إلى جابوتنسكي الذي اعتقد بأن هناك «شرعية دولية» للاستيطان في كامل أرض فلسطين بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو (1920) الذي منح اعترافاً دولياً بالحقوق القانونية وسيادة الشعب اليهودي على أرض فلسطين الكاملة وفقا للقانون الدولي في تلك الفترة (أي، قبل تشكيل الأمم المتحدة). والمقصود بالقانون الدولي هو أن هذا الاعتراف بحق اليهود في كل أرض فلسطين تمت المصادقة عليه في عصبة الأمم المتحدة (1922) وجرى ذكره في اتفاق ترسيم الحدود البريطاني- الفرنسي (1920) واتفاق ترسيم الحدود البريطاني- الأمريكي (1924).
وحسب هذا الخطاب الذي لا يزال حاضرا لدى تيارات واسعة داخل الليكود وأحزاب يمينية أخرى علمانية، فإن الشرعية الدولية للاستيطان تعني «حقاً سياسياً» وليس «حقاً توراتياً» وحسب، على الرغم من أن الشرعية الدولية اليوم تنظر إلى حدود إسرائيل بشكل مختلف.
أما الخطاب الثالث حسب حباس، يعبر عن تيار يميني آخر وواضح المعالم داخل إسرائيل وهو التيار المتدين. ويرى المتدينون أن الاستيطان في الأرض المحتلة هو واجب ديني وحق «سماوي» انطلاقا من قناعة بأن آباء شعب إسرائيل عاشوا في مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) قبل ألفي عام، بغض النظر عن موقف المجتمع الدولي «الدنيوي».
أما الخطاب الأخير (الرابع) فينظر إلى الاستيطان في الأرض المحتلة باعتباره «ضرورة أمنية». حيث يقدم هذا الخطاب نفسه على أساس أن «أمن إسرائيل داخل 1948 يتحقق من خلال الاستيطان في أراضي 1967».
ويرى حباس أن الخطاب الأخير، الذي يرى أن «لا سيطرة أمنية من دون استيطان مدني» قد تحوّل إلى نقطة التقاء تجمع أطياف عديدة داخل المجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، بمن فيهم الصهيونية الدينية التي عادة ما تفسر استيطانها من منطلق الواجب الديني.
وجدير بالذكر أن إسرائيل احتلت قطاع غزة في حرب 5 حزيران/يونيو عام 1967 ومع اندلاع الانتفاضة الثانية تصاعدت هجمات المقاومة الفلسطينية عليها ما زاد من تكلفة حمايتها ووصل في نهاية الأمر إلى انسحاب الاحتلال منها عام 2005 وتفكيك مستوطناتها، التي كان يقطنها نحو 8 آلاف مستوطن إسرائيلي سكنوا بـ17 مستوطنة.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الاستيطان في الأراضي المحتلة غير قانوني، وتدعو إسرائيل دون جدوى منذ عقود إلى إنهائه، وتحذر من أنه يقوض فرص معالجة الصراع وفقا لمبدأ حل الدولتين.