سياسة اغتصاب الحقيقة العلني في دولة الإنكار !
مطاع صفديسياسة اغتصاب الحقيقة العلني في دولة الإنكار !ليس أصعب الأمور في فلسفة الحقيقة هو إنتاجها فحسب، بل هو في الاعتراف بها. لا يكفي الحقيقة أن تقع، وهي واقعة دائماً، ومن تلقاء ذاتها غالباً. لكن من يدري بها، من يقول كلمتها، من يجرؤ علي التأشير إليها. وكيف يُترك لها، أو لأصحابها، حرية التعامل مع منطوقها. ولعل ذلك له وضوحه الأهم في سياق السياسة عامة، والدولية تحديداً. حتي كأنما علم هذه السياسة إنما يقوم في أصله علي أساس قهر الحقيقة، بحرمانها من إنتاج تداعياتها الحاملة لخصائصها، واستثمارها في تفعيل متغيراتها المتوقفة عليها، والمتوقعة من مجرد ظهورها وفرض علانيتها، وصولاً إلي تحريف وقائعها بما يضاد منطوقها الذاتي.وفي عصر التواصل السريع والآني تحل المعلومات محل الحقائق. الأولي ليست الثانية وإن كانت تدَّعيها، الفارق بينهما بنيوي وليس عرضياً. المعلومة تقدم مجرد خبر. والخبر يحتمل كل لونيات الصواب والخطأ، أو الصدق والكذب، كما عرّفه التراث العربي. فهو إذن، وفي أفضل ظروفه، لا يعدو كونه مجرد مادة خام، خاضعة لكل أساليب التلعيب والتصنيع، كما لمختلف أدوات الفحص والتدقيق. لكن عصر المعلومة رفع مستوي الخبر إلي مصاف المسلمة التي لا تنتظر الشك أو الإنكار. إن تدفق المعلومات لا يسمح بمهلة التفكر في دلالتها. التسريع الزمني والكمي معاً يخفّف المعلومة من حمْلِها المعرفي، يشفف كتلتها، يحيلها إلي أشباحها وظلالها التي تتمرأي فيما بينها، دون أن تنقل شيئاً من مرسلها، ودون أن يكتسب المتلقي شيئاً منها، سوي الصوت واللون. كما تمحو تدفقات التلفزة بالصور والأصداء، بعضها بعضاً فوق سفوح شاشاتها الباردة.كتاب حالة إنكار للكاتب الصحافي بوب ودوورد يمسرح تفصيلية العهد الإرهابي البوشي، من خلال نموذجه الدرامي الأكبر المتمثل في تسعير جحيم الموت العراقي. يسرد علينا قصة الأكاذيب التي سوغت العدوان الجنوني، ثم كيف تمادت الأكاذيب مع تطور جحيم الموت، لتنسج كل يوم واقعاً مزوّراً من المعلومات المختلفة موازياً لواقع الجريمة المستفحلة، مع العجز عن ستْر فضائحها المصنفة كلها في خانة الجرائم ضد الإنسانية. وإذا كان ثمة ما تكشف عنه هذه الموجة المتصاعدة من عشرات الكتب النقدية ذات الطابع الفضائحي الموجهة ضد أجهزة الحكم البوشي داخل أمريكا نفسها، فهو أن السلطة الرئاسية وصلت مع العهد الحالي إلي أسوأ أحوالها الفوقية في النأي الصارخ عن أية رقابة إجتماعية، والاستتباع الكلي لمراكز القوي بحيث تخضع أعلي القرارات المصيرية الموجهة لسياسة الخارج والداخل، وما يتعلق منها بقضايا السلام والحروب خاصة، إلي مؤثرات التحالف أو الصراعات الباطنة أو الظاهرة الناشطة وراء كواليس تلك المراكز، وامتداداتها إلي شبكيات الاحتكارات الاقتصادية الكبري المهيمنة بدورها علي الاعلام ومراكز الأبحاث الرئيسة وحتي علي الجامعات والمعاهد العلمية في طول البلاد وعرضها. لكن تحاذر معظم هذه الكتب النقدية إجمالاً الإيغال في التحليلات النظرية، وتلجأ إلي سرد المعلومات والإتيان بالشهادات الحية علي وقائعها. إنها تكتب قصص الحدثيات اليومية لخلفيات السلطة ومناورات رجالها، بما يرقي دائماً إلي مستوي الفضائح السياسية والأخلاقية.مقياس النجاح في صحافة الفضيحة السياسية هذه لا يتوقف فقط علي خطورة موضوعاتها التي تمسّ أسرار الدولة العليا، ومدي تورط شخصيات السلطة في وعثائها، بل كذلك يقوم علي مدي صدقيتها، بما يتعدّي أهمية مصادرها، إلي رصيد كتَّابها من السمعة والخبرة والنزاهة الحرفية والأخلاقية. من المعروف أن بوب ودوورد قد اكتسب شهرته الأولي منذ تفجيره لفضيحة ووترغيت الفريدة من نوعها في تاريخ الدولة الأمريكية، والتي كانت السبب المباشر في إطاحة أحد أقوي رؤساء أمريكا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ريتشارد نيكسون. فما تخشاه أوساط بوش هو تكرار هذه التجربة معه. فقد التهم جمهور القراء مئات آلاف النسخ من كتاب حالة انكار خلال الأيام الأولي من نشره في بداية الأسبوع المنصرم فقط.. هنا تجدر هذه الملاحظة وهي أن الفضيحة في الكتاب لا تقوم علي حادثة واحدة، كما هو الأمر بالنسبة لووترغيت، ما يقدمه الكتاب هو عهد رئاسي كامل قائم علي نكران الحقيقة، والتعمية علي الوقائع الفاعلة في مصير أمريكا، وضحاياها معها، من شعوب العرب والإسلام تحديداً.فالحدثان الكبيران اللذان يستحوذان علي السياسة الأمريكية، ويشكلان مادة الإعلان اليومي للنهج البوشي معه أو ضده، وهما الهجوم (الإرهابي) الأعظم في هذا العصر، علي نيويورك وواشنطن، ومن ثم غزو العراق واحتلاله، بعد الإجهاز علي حكم طالبان في أفغانستان، يظلان في مركز السجال السياسي والاعلامي المستمر. إنه الشك المتنامي في كون جناحٍ ما من السلطة كان علي علم مسبق بمؤامرة الهجوم، ولم تفعل أجهزته القادرة شيئاً لإحباطها، وقد أمسي شكاً يساور قطاعاً كبيراً من الطبقة الحاكمة نفسها، هذا فضلاً عن انتشار شائعاته، مصحوبة دائماً بذكر الوقائع والتواريخ والأسماء، في مختلف الأوساط المهتمة أو المراقبة. فقد اعترفت آخر الاستفتاءات بكون نسبة الثلث من الرأي العام المشارك فيها لا تجد أجوبة شافية علي ألغاز هذه الكارثة. فمن مزايا كتاب (حالة إنكار) أنه يورد دليلاً، قد يكون حاسماً في التحقيقات المحتملة والمنتظرة، يثبت حديثاً أجراه مدير المخابرات المركزية قبل أشهر من وقوع الحادث، مع كوندي، التي كانت مسؤولة آنذاك عن الأمن القومي، يطلعها فيه علي معلومات حصلت عليها أجهزته، وتتحدث صراحة عن كون بن لادن يعد عدواناً كبيراً علي أمريكا. لكن سرعان ما أنكرت كوندي هذه الواقعة مباشرة مع صدور كتاب بوب وودوورد.وأما بالنسبة لكل المسوغات المزورة الشهيرة المتعلقة بشن العدوان علي العراق، حول أسلحة الدمار الشامل، فلقد تهاوت أساطيرها باكراً منذ بداية الاحتلال الذي بالطبع لم تعثر قواته علي أي دليل مادي في أي مكان من العراق المنكوب، ثم تتابع حبال الأكاذيب والمعلومات المفبركة، الموشحة دائماً بتعابير التحرير والديمقراطية والنظام المثالي الجديد الذي سينعم به العراق يوماً ما. بينما يتحول الاحتلال إلي مستنقع من فظائع المذابح والمهالك التي تُدبر لإشعال الفتن المذهبية، تغطية علي عمليات المقاومة الوطنية، التي بلغت هجماتها علي قوي الاحتلال ما بين ثلاثة إلي أربعة آلاف غارة شهرياً في الفترة الأخيرة بحسب إحصاءات أمريكية. إن البيت الأبيض وأبواق السلطة تكذب يومياً علي شعبها والعالم معه، ما تفعله (دولة الإنكار) هو أضخم عملية توهيم إعلامي وأيديولوجي لجأت إليه أية امبراطورية غربية منذ ابتكار (غوبلز) لصناعة الإعلام في العهد النازي، بوصف الاعلام هو فن الكذب المستمر الذي يمكن لتكراره أن ينقلب إلي حقائق تتلقفها جماهير مسلوبة الوعي والإرادة أصلاً.آخر تطبيقات فن الخداع البوشي في عالمنا العربي خاصة، تتمثل في إطلاق موجة دعاوية صاخبة، ومصحوبة بمسرحة تحركات دبلوماسية بين بعض حكام المنطقة، وموجهة بعصا (كوندي) نفسها: وقد اتخذت لها شعار الاعتدال، الذي يراد به فَرْضُ فَرْزٍ وتصنيف جديد يفرّق بين دول (معتدلة) لأنها تابعة للهيمنة الأمريكية، وأخري متشددة لأنها ممانعة في دفاعها عن استقلالها.هذا التوهيم الجماهيري الجديد يهدف إلي الالتفاف سريعاً علي الإنجاز المقاوم في لبنان، قبل أن تتابع تداعياته التحريرية المرتقبة في أرجاء القارة العربية والاسلامية، مبشراً بمولد عصر آخر لجيل مختلف من مفاهيم المقاومة ومناهجها وأهدافها، ومن ثم في أنماط تحشيداتها وتشكيلاتها الميدانية. فالتوهيم في التعريف الفلسفي، لا يستطيع أن يكبح الحقيقة، لكنه يسعي إلي منع الاقرار بها، ولأن هذا الإقرار يعني ترجمته عملانياً إلي لغة متغيراتٍ من جنس تلك الحقيقة، وتهتدي بمنطقها وحده، بينما يحاول التوهيم علي الصعيد الاعلامي، اختلاق قاموسٍ لمفرداتٍ وتعابير ضالة مضلّلة، قد تتيح، علي سبيل المثال، قلب الأخ إلي عدو، والعدو إلي حليف (لاحظ تواجد اسرائيل في صميم محور الاعتدال!)؛ وتتيح عملياً اعتماد منطق التفرقة المذهبية في المجتمع أو الإقليم الواحد، لحماية التصنيف الجديد بين الاعتدال والتشدد، واختلاق وقائع سلبية عنيفة لجعل اسم الوهم له مسمّاه النقيض علي الأرض، كالمهالك الفئوية في الداخل، والحروب الحدودية، الموكولة إلي اسرائيل. وكان أفظعها همجية العدوان الإباديّ علي لبنان. ولن يكون الأخير ضد لبنان نفسه، أو جارته القريبة سورية، وربما جاء توقيته سابقاً علي المواجهة الكبري مع إيران، أو لعلّه سيكون بديلاً عنها.ولكن إلي متي ستدوم دولة الإنكار، إلي متي يستمر استبدادها. هل هي أعلي ذروة لحضارة العنف. وبعدها ينشق الطريق الموعود صاعداً نحو المدنية الإنسية. أم أن شقاء الإنسانية سيظل يكفِّر عن خطايا مجرميها إلي الأبد.9