سياسة المساعدات التركية في زمن كورونا: رسائل وأهداف إنسانية واقتصادية بأبعاد استراتيجية

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «لقدس العربي»: انفتاح تركيا على تلبية طلبات الدول لشراء مستلزمات طبية أساسية وتقديمها كمساعدات لعشرات الدول الأخرى على الرغم من أنها إحدى أكثر الدول المتضررة من انتشار الفيروس، حمل في طياته رسائل إنسانية وسياسية، لكنها تحمل في جوهرها أهدافاً استراتيجية أكبر يصبو إليها الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، الذي يقود هذه الحملة بعناية بالغة.
وأرسلت تركيا مساعدات إلى العديد من الدول الكبرى، أبرزها بريطانيا التي وصلتها، الأحد، طائرة مساعدات ثانية من تركيا، وذلك عقب إرسال طائرة مساعدات إلى إيطاليا وإسبانيا، ومساعدات أخرى إلى دول البلقان الخمسة (شمال مقدونيا، والجبل الأسود، وصربيا، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو).
ونالت تركيا موجة من الإشادات العالمية من مسؤولي الدول التي وصلتها المساعدات، ومن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الناتو، معتبرين أن المبادرة التركية تعتبر «نموذجاً رائعاً للتضامن والتعاون في الأوقات العصيبة»، ورد الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، على رسالة شكر من الناتو بالقول: «تركيا تقف إلى جانب حلفائها في الأوقات العصيبة والأزمات، وتأمل منها القيام بنفس الأمر أيضاً».
وعلى الجانب الاقتصادي، قال الناطق باسم الرئاسة في تصريح سابق إن العالم رأى بشكل واضح كيف أن الاقتصادات الكبرى وقفت عاجزة أمام هذه الأزمة، وذلك عقب تصريح لاردوغان شدد فيه على أن «العالم بعد الوباء لن يكون كسابق عهده، وأن عصر مؤسسي الرفاهية الكاذبة قد انتهى»، وبينما أعرب عن ثقته بقدرة بلاده على تجاوز أزمة فيروس كورونا شدد على أنها ستخرج أكثر قوة من هذه المرحلة.
وتحمل المساعدات التركية الواسعة أهدافاً إنسانية واقتصادية مختلفة، لكنها تحمل في جوهرها أيضاً أبعاداً استراتيجية يحاول الرئيس التركي الوصول إليها في مرحلة ما بعد كورونا التي يؤكد أنها لن تكون كما كانت عليه في السابق، ويهدف بدرجة أساسية إلى تعزيز مكانة بلاده عالمياً وتقوية دورها وتأثيرها وقوتها الإقليمية والدولية بشكل عام.
وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها تركيا، تساهم هذه المساعدات في إعطاء صورة إيجابية أفضل عن الاقتصاد التركي وتعزيز ثقة المستثمرين فيه وتساعد بشكل جوهري في تعزيز سردية اردوغان بأن اقتصاد بلاده أفضل بكثير مما يروج عنه في وسائل إعلام معادية، وبالتالي يمكن أن يفتح ذلك الباب واسعاً أمام مزيد من الاستثمارات في الاقتصاد التركي لاحقاً بعدما تمكنت تركيا من الصمود في وجه كورونا ومواجهته بطريقة أفضل بكثير من الدول الكبرى لا بل وتقديم مساعدات لهذه الدول.
ويضاف إلى ذلك كله أن هذه المساعدات سوف تعزز مكانة تركيا إقليمياً وعالمياً وتزيد من قدرتها على طرح نفسها كقوة كبرى لا تقل أهمية عن الدول الأوروبية الكبرى وبريطانيا وتثبت للعديد من الدول أنها حليف أقوى اقتصادياً وإدارياً يمكن الاعتماد عليه في أوقات الرفاهية بعدما أثبتت قدرتها على ذلك في الأوقات الصعبة كما أنها ترسل رسائل إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي أنها دولة قوية منتجة قادرة على تلبية احتياجاتهم التي عجزوا عن توفيرها في الأزمات، لتقول للجميع بأنها دولة قوية سياسياً واقتصادياً وإنتاجياً وأنها مكسب لأي دولة أو حلف.
وفي سياق آخر، تصاعد الاحتقان السياسي الداخلي في تركيا بشكل مفاجئ وبدرجة حادة بعدما رفعت المعارضة التركية من حدة خطابها ضد الرئيس التركي والنظام الرئاسي، وهو ما دفع حزب العدالة والتنمية الحاكم ومسؤولي الحكومة للتحذير من «مساع انقلابية»، وسط اتهامات للمعارضة بمحاولة استغلال الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد بسبب انتشار فيروس كورونا في تحقيق مكاسب سياسية.
وفي تطور لافت، بدأ عدد من نواب حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية والمتحدثين باسمه، في إطلاق مصطلح «النظام» و«نظام اردوغان الرئاسي» و«نظام القصر» على حكومة اردوغان، في خطوة اعتبرتها الحكومة تجاوزاً للدستور والأخلاق السياسية وعدم احترام لإرادة الناخبين.

المعارضة تضغط على اردوغان وتلوح بانتخابات مبكرة والحزب الحاكم يحذر من «مساع انقلابية»

وقال المتحدث الرسمي باسم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور اوزال، في مؤتمر صحافي، إن «نهاية نظام القصر اقتربت»، في إشارة إلى النظام الرئاسي وحكومة اردوغان، وأطلق تحذيراً لموظفي الدولة والمسؤولين من كافة المستويات ـ العاملين لصالح الحزب الحاكم ـ بأن الحكومة المقبلة سوف تعاقبهم، في تصريحات اعتبرت وغيرها الكثير من كتابات صحافيين معارضين بأنها بمثابة تلويح بتغيير الحكم بواسطة «الانقلاب».
وقال اوزال في تصريحاته: «هل تعتقدون أننا سنبقي فخر الدين ألطون في منصبه؟ هل تعتقدون أننا سنبقي إرباش في منصبه؟»، في إشارة إلى رئيس الشؤون الدينية، علي إرباش، الذي هاجمته المعارضة قبل أيام بسبب خطبة الجمعة التي أكد فيها على «حرمة الزنا والمثلية الجنسية».
إلى ذلك، قالت رئيسة حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول، جنان قفطانجي أوغلو، في تصريحات تلفزيونية، إن الحزب الحاكم لا يقدم أي شيء جيد في إدارة البلاد وإن الشعب التركي بات واعياً لذلك وإن «النظام سوف يتغير قريباً، سواء بالانتخابات المبكرة أو بطريقة أخرى، ولن يكون تغييراً للحزب فقط، وإنما تغيير لنظام الحكم»، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول «الطريقة الأخرى» التي لوحت بها، واتهامات لها بأنه تهدد بـ«الانقلاب العسكري».
ومنذ المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها البلاد في يوليو/تموز عام 2016 ومع كل احتدام في السياسة الداخلية بتركيا، يعود الحديث عن احتمال حدوث محاولة انقلابية جديدة. وبينما يتهم أنصار الحزب الحاكم أطراف بالمعارضة بالتعاون مع تنظيم غولن، تقول المعارضة إن الحزب الحاكم بات يستخدم تهمة الانقلاب وتنظيم غولن لترهيب أي صوت معارض في الانقلاب.
إلى جانب ذلك، ومنذ فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في الانتخابات المحلية العام الماضي، يدور الحديث عن مساع للمعارضة التركية لاقتناص اللحظة المناسبة للضغط باتجاه إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة بسبب ما تقول إنه تراجع في شعبية وشرعية الحزب الحاكم وتراجع قدرة الحكومة على إدارة البلاد و«فشل النظام الرئاسي».
وصنف مسؤولو الحكومة ونواب وقيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم هذه التصريحات على أنها تجاوز خطير للدستور، معتبرين أنها تحمل لغة تهديد غير مسبوقة وتلميحاً بإمكانية اللجوء إلى الانقلاب العسكري ضد الرئيس التركي الذي شدد الحزب على أنه منتخب من قبل الشعب مباشرة بانتخابات ديمقراطية.
وعلى «تويتر»، انتشرت عشرات آلاف التغريدات تحت وسم «انقلاب» حذر فيه أنصار حزب العدالة والتنمية من وجود ما قالوا إنها «مخططات انقلابية» وتوعدوا بمواجهة أي محاولة انقلابية على غرار ما جرى في المحاولة الفاشلة يوليو/تموز عام 2016، ونشروا صور مقاومة الشعب في تلك الليلة متوعدين أي شخص يحاول المشاركة في أي انقلاب بمصير العساكر الذين شاركوا بالمحاولة الانقلابية السابقة، على حد تعبيرهم.
وفي الصحف الصادرة الجمعة، اعتبر عدد من الكتاب المقربين من الحكومة هذه التصريحات بمثابة تهديد بتغيير الحكم من خلال الانقلاب، فيما اعتبر آخرون أن لا مصلحة لأحد بإيصال الاستقطاب السياسي في البلاد إلى هذه الحدة، محذرين من أن الجميع سيكون خاسراً وأن ذلك يمكن أن يفتح الباب أمام اشتباك بين أنصار الموالاة والمعارضة.
وكتب رئيس دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية، فخر الدين ألطون: «الذين لا يستطيعون استيعاب نجاح النظام الرئاسي والذين لا يعرفون حدودهم، المتطاولون على مشروعية الحكومة والرئيس المنتخب من الشعب ويلحون بالعصا، عليهم أن يعلموا جيداً أن رجب طيب اردوغان ورفاقه لا يخضعون لأي تهديدات».
الناطق باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشليك، كتب: «في الجمهورية التركية الأمة هي صاحبة النظام، في هذه الدولة الإرادة الوطنية هي من تحدد من يكون في السلطة»، مطلقاً على حزب الشعب الجمهوري مسمى «تنظيم الاستيلاء على السلطة»، معتبراً أنه لا يمكن إطلاق وصف «نظام» على حكومة ديمقراطية فازت في الانتخابات.
في السياق ذاته، قال ماهر أونال، مساعد رئيس حزب العدالة والتنمية: «سوف نواصل نضالنا حتى نعلمكم (حزب الشعب الجمهوري) احترام إرادة الأمة والانتخابات، سوف نناضل بصبر ودون تجاوز الأطر الديمقراطية ودون أن نقع في فخ المؤامرة، سوف نناضل حتى تفهموا أن هذا البلد ليس ملكاً لآبائكم».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية