سياسة سحب الذرائع
سياسة سحب الذرائعيروي في التراث العربي القديم أن حملا كان يشرب من مجري ماء ينبع من مكان مرتفع يشرب منه ذئب حقود ماكر. عندما رأي الذئب الحمل سال لعابه واشتهي لحم الحمل الجميل، فأراد أكله ولكن الذئب كان بحاجة إلي ذريعة أو مبرر يتذرع به ليأكل الحمل، فتفتق ذهنه عن حيلة غريبة ماكرة، قال الذئب للحمل لقد عكرت عليّ صفو مشربي لذلك سأكلك عقابا علي فعلتك، فقال الحمل الوديع: كيف يمكن لي أن أعكر صفو مشربك وأنا أسفل النبع وأنت أعلاه والماء يتدفق علي من بعدك. هذا غير معقول؟ لكن الذئب رأي أن هذا مبرر كاف له لكي يأكل الحمل فأكله.لماذا ذكرنا القصة السابقة؟لقد ذكرنا القصة السابقة لنؤكد علي حقيقة مهمة جدا من حقائق السياسة والحياة معا وهي أنه إذا كان لدي دولة عظمي نية وخطة لعمل شيء ضد الضعاف فستجد بكل تأكيد المبررات مهما كانت غير مقنعة للانقضاض علي الآخرين، وحينئذ لا ينفع الضعيف رغبته في سحب الذرائع من يد خصومه.لماذا نقول هذا؟لقد ساد في المشهد السياسي العربي والإسلامي، للأسف الشديد في زمن التخاذل والضعف مقولات غريبة علي الفكر العربي والإسلامي مفادها أنه يتوجب علينا كعرب ومسلمين وفلسطينيين أن نسحب الذرائع من يد أمريكا وإسرائيل كي لا تهاجمنا وتحتل أرضنا وتقتل أبناءنا وتنهب ثرواتنا وتسقط أنظمة حكمنا، فكل ما من شأنه أن يثير حفيظة العدو يجب علي الفور تركه والإقلاع عنه حتي لا تترك أية ذريعة في يد أمريكا وإسرائيل.ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هل أمريكا وحليفتها إسرائيل، كالذئب تماما، بحاجة إلي ذرائع؟ وهل يمكن سحب كل الذرائع الممكنة؟الجواب قطعا لا. لأنه إن تم سحب ذرائع ما فإن أمريكا وإسرائيل ستبتدع ذرائع جديدة لتحقيق ما تريد. هذه حقيقة لا مراء فيها والأدهي والأمر أن هذه الفلسفة غدت سياسة معلنة يدافع عنها الحكام العرب ويحاولون فيها إقناع شعوبهم بصواب هذه السياسة اللعينة وليتهم إكتفوا بتداولها في جلساتهم المغلقة، بل للأسف الشديد يروجون لها عبر وسائل إعلامهم وكأنهم يريدونها أن تصبح ثقافة تتخلل كيان الإنسان العربي المسلم ليصبح أداة طيعة لا تقاوم وتقبل ما يملي عليها ودونما أن تشعر بذلك، وهذا ما يمكن تسميته باحتلال العقول وملئها دونما مقاومة بما يريده الغرب من فرض الهيمنة علي المنطقة بكاملها، فهذه الفلسفة أو الثقــافة أو السياسة ترادف بكل تأكيد الانهزامية الفكرية وهي شر أنواع الهزائم علي الإطلاق.إن ما يجعلنا نذهب إلي ما ذهبنا إليه هو الآتي:- فإن كان عدوك يسمع ويري ويعلم كيفية فهمك للأمور فهو بالتأكيد سيبني سياسته علي ذلك، ومن غير الحكمةِ تعريفه بطريقة تفكيرك حيث لا أحد يستطيع أن يقول بأن أمريكا لا تعرف أن الحكام العرب سيحاولون دوما سحب الذرائع من يدها حتي لا تهاجمهم وهي متيقنة من ذلك أشد اليقين وتبني سياستها علي ذلك وتستخدمها أحسن استخدام وبذلك تحقق ما تريد وتكسب الحروب دونما إطلاق قذيفة واحدة، ودون أن يقتل لها جندي واحد. ولكي ندلل علي صدق ما ذهبنا إليه نذكر بعض الأمثلة الواضحة للعيان:ـ المثال الليبي: حيث قامت ليبيا طوعا بعد أن تعلمت من الدرس العراقي اللعين بتسليم منشآتها النووية وسلمت جميع الأجهزة التي كلفت خزينة الدولة مليارات الدولارات وقامت بشحنها علي نفقتها الخاصة إلي الولايات المتحدة حتي تسحب الذريعة من يد أمريكا من مهاجمتها وهل توجد ذلة أكبر من هذه؟ ـ المثال العراقي: لقد حاول الرئيس العراقي السابق صدام حسين سحب الذرائع من يد أمريكا التي كان يعلم علم اليقين أنها ستهاجمه لا محالة فقام تحت إشراف الأمم المتحدة بتدمير كل أسلحته التي لا ترضي عنها أمريكا وسمح بتفتيش كل مكان في العراق حتي قصوره الرئاسية التي هي رمز السيادة الوطنيةوفي الساحة الفلسطينية ليس الوضع استثناء حيث يطلب إلي قوي المقاومة أن تعترف بإسرائيل وأن تنبذ الإرهاب أي المقاومة والجهاد وأن تعترف بشرعية الاحتلال دونما مقابل يفرض علي دولة الاحتلال حتي تسحب الذرائع من يد إسرائيل وأمريكا لكي لا تحاصرنا وتجوعنا وتسمح للآخرين بإطعامنا وتركنا نعيش علي بقع ممزقة من الأرض.ولكن منذ متي كان العرب والمسلمون يقبلون الدنية في دينهم وقد علمهم رسولهم الكريم أن من مات دون ماله ونفسه وعرضه شهيد يصعد إلي السماء؟ أم إنهم لا يحبون الكرامة والجنة معا؟د. محمد عطية عبد الرحيمرسالة علي البريد الالكتروني6