سياسة عصابية وعدمية تجر لبنان إلي الهاوية
د. بشير موسي نافعسياسة عصابية وعدمية تجر لبنان إلي الهاوية لم يكن لبنان في أفضل حال عشية اغتيال الوزير بيير الجميل، ولكن حادثة الاغتيال فتحت البلاد علي كل الاحتمالات. هذا اغتيال سياسي بامتياز، اغتيال وزير وابن سلالة زعامية معروفة، واغتيال شخصية تعبر عن مواقف محددة من الأحداث التي تعصف لبنان منذ عامين أو أكثر، شخصية ترتبط بتحالفات وضعتها في موقع معين، وهو اغتيال قصد به دفع الأوضاع اللبنانية المتفجرة أصلاً باتجاه مزيد من الانفجار. لم تعدم بيروت بعد الاغتيال منشورات تذكر بمجزرة العمال التي فجرت الحرب الأهلية قبل أكثر من ثلاثين عاماً؛ كما ان يوم التشييع لم يعدم حوادث انفعال سياسي بين الموالين للأغلبية البرلمانية الحاكمة والأقلية المعارضة. ثمة اتفاق بين أغلب المراقبين للشأن اللبناني علي ان اللبنانيين كشعب وطوائف وشارع سياسي ليسوا في مزاج حرب أهلية. اللبنانيون جميعاً يشعرون بالتهديد، وليس جهة واحدة بينهم؛ واللبنانيون جميعاً يستشعرون خطراً يحيط بهم وبحياتهم ووطنهم وليس بفئة محددة منهم. مشكلة لبنان ليست في خوف المسيحيين من الوجود الفلسطيني، ليست في مطالبة المسلمين بحقوق مساوية في بنية الدولة الطائفية، وليست في تحريض أمريكي أو سوفييتي جمعي للمسيحيين أو المسلمين، أو لقوي اليمين أو اليسار. هذه كانت القوي المؤسسة للحرب الأهلية المنقضية. مشكلة لبنان الحالية هي في الاستقطاب المتزايد في أوساط النخبة السياسية. ولكن هذ لا يعني ان لبنان سينجو بالضرورة؛ ذلك ان انقسام النخبة ليس انقسام مصالح وامتيازات فحسب، بل هو أيضاً انقسام حول تصور لبنان، فهم موقعه التاريخي، وحول سياسات كبري.لبنان بالطبع جزء لا يتجزأ من منطقة تموج بالتوتر والاضطراب والمتغيرات، منطقة لم تستقر بعد علي قواعد ثابتة منذ نهاية الحرب الباردة علي الأقل. في حين يتصاعد الصراع علي فلسطين، قضية القضايا في المنطقة العربية، فإن العراق يمر بمرحلة من الإخفاق الأمريكي وانهيار الطبقة السياسية الجديدة وما يشبه الحرب الأهلية والإقليمية. هذا، في الوقت الذي تفتقد فيه المنطقة العربية إلي مركز الثقل القادر علي الحفاظ علي حد أدني من التضامن العربي، لاسيما بعد انفراط عقد التحالف المصري ـ السوري ـ السعودي، بل وتصاعد التوتر بين دمشق والرياض. في مثل هذه الظروف، كان لابد للبنان، وهو احد أضعف الحلقات العربية، ان يعكس الاضطراب والتوتر والمتغيرات السياسية المتسارعة. إحدي أبرز هذه الانعكاسات كان اتساع المسافة بين خصوم سورية وحلفائها، بل وتضخم دائرة الخصوم خلال الأعوام الثلاثة الماضية. والأخطر بالتأكيد كان خروج هذا الخلاف عن حدود الاختلافات السياسية التقليدية في نظام تعددي إلي حالة من العصاب والتخندق السياسي الإقصائي.الاتهامات السريعة التي وجهت إلي سورية وحلفائها بعد دقائق من ذيوع نبأ اغتيال الوزير الجميل كانت مظهراً لحالة العصاب والصراع الداخلي المحتدم. ربما كانت دمشق هي من يقف فعلاً خلف جريمة الاغتيال، وكل الاغتيالات الأخري منذ اغتيال الرئيس الحريري. ولكن أحداً لا يملك الدليل علي توجيه مثل هذه الاتهامات، وتوجيهها إلي دولة عربية رئيسة وجارة، لاسيما ان لا دمشق ولا أيا من أصدقائها في لبنان يحقق فائدة ما من اغتيال الجميل وفي هذا التوقيت بالذات. قبل حادثة الاغتيال بأيام قليلة كان تحالف أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر يخطط بإمعان لحركة تظاهر شعبية واسعة، بعد استقالة الوزراء الشيعة، للمطالبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية أو إسقاط الحكومة. ولو كان لهذا المخطط المعلن ان ينطلق، فقد كان من المشكوك فيه ان تستطيع حكومة الرئيس السنيورة الاستمرار في رفض مطالب المعارضة. وليس هناك من شك أن اغتيال الجميل قد أصاب مخططات المعارضة بالإرباك، مما شكل خسارة سياسية ملموسة لدمشق وحلفائها في لبنان. فكيف يمكن إذن ان توجه الاتهامات لسورية بهذه السرعة، وبدون أدلة وتأمل وتمحيص؟ كيف يمكن ان تتحول الاتهامات بالقتل والإرهاب إلي أداة للتدافع السياسي سوي ان تكون السياسة في لبنان قد انهارت أو هي في طريقها إلي الانهيار؟بيد ان سورية هي بالتأكيد في قلب ما يعيشه لبنان من أزمة طاحنة، ليس بالمعني الجزئي للمسؤولية عن هذا الأمر أو ذاك، ولكن بالمعني الكلي المتعلق بمستقبل لبنان والمنطقة. كما في كل هذه المنطقة المسكونة بالتاريخ، لكل أزمة سياسية جذور بعيدة. علي اننا إن اخترنا تاريخاً قريباً لاندلاع الأزمة اللبنانية فإن من الواضح انها انطلقت وارتبطت بالمشروع الأمريكي ـ الفرنسي لتقويض الوضع السوري في لبنان وتهميش الدور السوري في المنطقة. كل ما عاشه لبنان بعد تمرير قرار مجلس الأمن الداعي إلي خروج القوات السورية، من اغتيالات وحروب وصراعات داخلية وفرز طائفي وسياسي، ولد من الاتفاق الأمريكي ـ الفرنسي ضد سورية وانحياز طيف ملموس من القوي السياسية اللبنانية إلي جانب هذا الاتفاق وأهدافه. والمسألة هنا ليست توجيه الاتهام إلي سورية بالمسؤولية عن هذه الواقعة أو تلك، بل رؤية الخلل الكبير في هذا المخطط ومن يحاول تنفيذه ضد منطق التاريخ والجغرافيا. أطالت دمشق بالتأكيد من وجودها العسكري في لبنان، بحيث بدا وكأن العقل السوري السياسي أصيب بالجمود وافتقد المبادرة. وتصرف عدد من الضباط والمسؤولين السوريين في لبنان وكأنه مزرعة صغيرة لهم. ولكن الرد علي وطأة الوجود العسكري السوري الثقيل بمحاولة تقويض كل نفوذ سوري في لبنان، وإعادة موضعة لبنان في المعسكر المعادي لسورية، هو ضرب من الجنون وفقدان الذاكرة. ليس فقط لحجم وثقل القوي الحليفة لسورية في الساحة اللبنانية، ولكن أصلاً لطبيعة الأمور في هذه المنطقة من العالم.في المنطقة العربية كما في كل الأنظمة الإقليمية هناك دول صغيرة ودول أكبر؛ وكما تتصرف الدول الكبيرة بوعي لا يمكن كبحه بالحجم والثقل، فإن علي الدول الصغيرة ان تتذكر دائماً حدود حجمها ودورها. ربما يري البعض ان مثل هذه العلاقات هي مجرد ترسبات من عقلية القبيلة العربية أو نزعات الاستبداد الشرقي ، وان العلاقات العربية لابد ان تتخلص من هذه الترسبات وتبني من جديد علي أسس ديمقراطية. المشكلة في هذه الرؤية أنها أقرب إلي الأوهام منها إلي الحقائق. ففي الأنظمة الإقليمية الديمقراطية كما في الأنظمة غير الديمقراطية لازالت موازين القوي هي الحاكم الرئيس للعلاقات الدولية والعلاقات الثنائية بين الدول. وزن لوكسمبورغ أو إيرلندا أو بلجيكا في الاتحاد الأوروبي لا يمكن ان يقارن بوزن ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا. وعندما تحاول جورجيا ان تتصرف وكأنها ند لروسيا فعليها ان تتوقع حقبة طويلة من عدم الاستقرار وفقدان التوازن، حتي وهي تجد سنداً وتشجيعاً من الولايات المتحدة. في الحالة اللبنانية ـ السورية لا يتعلق الأمر بالحجم والثقل فحسب، ولكن أيضاً بالتاريخ البعيد. لقرون طوال كانت دمشق هي مركز هذا الأقليم المعروف في الأدبيات الجغرافية الإسلامية ببلاد الشام. وبالرغم من ان حركة التحديث العثمانية في القرن التاسع عشر والاختراق الأوروبي الاقتصادي الجامح للإسواق العربية ـ الإسلامية عززا من دور مدن الساحل علي حساب مدن الداخل، فقد ظلت دمشق المركز الأبرز للإقليم حتي نهاية الحرب الأولي. وبوقوع الولايات العربية العثمانية السابقة تحت السيطرة الأجنبية، قسم المشرق إلي دول ذات حدود ومؤسسات حكم جديدة. شيئاً فشيئاً، اكتسبت الدول ونخبها الحاكمة وعياً متزايداً بذاتها ككيانات مستقلة، بالرغم من الصعود الحثيث للفكرة القومية العربية. بعض هذا الوعي بالذات ولدته حقبة النضال الوطني من أجل الاستقلال، وبعضه الآخر يرتبط بأنصبة الثروة والسلطة التي توفرها الدولة العربية القطرية لنخبها السياسية والعسكرية والاقتصادية. ولكن تطور هذا الوعي واستقرار فكرة الدولة العربية القطرية لا يجب ان يري بمعزل عن الدور الذي تراه عواصم الجذب التاريخية لمحيطها. وحتي بعد مرور قرن آخر من الزمان علي نظام ما بعد الحرب العالمية الأولي العربي، لا يمكن لدمشق ان تتعامل مع بيروت وعمان والحركة الوطنية الفلسطينية علي قدم المساواة. ولا علاقة لهذا الموقف بالنظام الذي يحكم سورية اليوم؛ إذ ان هذه الرؤية السورية للبنان والأردن وفلسطين لم تتغير إلا قليلاً بين عصر شكري القوتلي، حسني الزعيم، جمال عبد الناصر، أو حافظ الأسد. لسورية مصالح كبري في لبنان، مصالح يمليها التاريخ والجغرافيا، تمليها الاستراتيجيا والثقافة، كما تمليها توترات القوة في المشرق المعاصر. هذه المصالح لابد ان تتابع بعقلانية واعتدال وحساسية تأخذ الخصوصيات اللبنانية في الاعتبار؛ ولكن أحداً في لبنان مهما بلغ من قوة وشعبية، ومهما بلغت علاقاته الدولية والإقليمية من اتساع، لا يستطيع تجاهل هذه المصالح أو الوقوف في مواجهتها. الأكثر حمقاً وبلاهة ان يصل البعض إلي مستوي من الغرور ليحاول تغيير النظام السوري الحاكم من لبنان. تجاهل حقائق القوة والتاريخ، والغرق في أوهام الثقة بالنفس لن تودي بلبنان إلا إلي ما هو أخطر من الهاوية التي يقف علي حافتها الآن. وعندها لن يفيد الاحتماء بالقوي الدولية، سواء فرنسا الوفية أو الولايات المتحدة الأكثر براغماتية. فمنذ فقدت المنطقة تحكمها بقرارها الذاتي، جزئياً أو كلياً، في منتصف القرن التاسع عشر، والتدخلات الخارجية ترتبط بحسابات النجاح والإخفاق والمكاسب والخسائر. ليس ثمة قوة خارجية جاءت إلي هذه المنطقة وقاتلت طويلاً للدفاع عن نفوذها ومصالح حلفائها. ما ان يفوق حجم الخسائر والتكاليف حجم المكاسب حتي تسارع القوي الخارجية إلي الانسحاب. من يبقي في نهاية كل جولة هو شعوب هذه المنطقة وحقائق علاقاتها الراسخة.هذا لا يعني بالطبع ان الأزمة اللبنانية تتعلق بهذا الجانب فقط من فقدان التوازن السياسي؛ إذ ان الساحة اللبنانية تختزن مشاريع بشعة للمستقبل اللبناني والسوري علي السواء. ثمة من يتصور ان الاحتلال الأمريكي للعراق وطفو مشاريع التقسيم والفيدرالية علي سطح العراق المحتل سيفتح الباب، عاجلاً أو آجلاً، لإعادة رسم خريطة المنطقة ككل. إن كان من الممكن تحويل العراق، الموحد أصلاً، إلي دول طائفية وإثنية، فلماذا لا يقسم لبنان الذي ارتكز دائماً إلي نظام طائفي إلي عدد من الكيانات الجديدة؟ وفي كل مرة وجدت سورية نفسها في صدام مع القوي الدولية المهيمنة خلال نصف القرن الماضي، ظن البعض ان انفراط عقد الكيان السوري بات قريباً. واليوم، هناك في لبنان من يداعب مثل هذه الأوهام من جديد، وينتظر بفارغ الصبر حصته الطائفية الصغيرة. ہ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9