أصدر مجلس النواب الإسرائيلي (الكنيست) قانونا اعتبر فيه المسيحيين العرب تحت الاحتلال أقلية منفصلة عن المسلمين العرب! ما يجعل من هذا القانون يصب في سياسة التفتيت الممنهجة التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه الشعب الفلسطيني ومكوناته. وهذا يذكر بقانون آخر صدر في خمسينات القرن الماضي، اعتبر الدروز العرب في الأراضي المحتلة أقلية منفصلة عن بقية المكونات العربية الأخرى، وكذلك حصل هذا الأمر مع بدو فلسطين، تمهيدا لإلحاقهم بالجيش وقوى الأمن. هذا الإلحاح في تفتيت المكونات العربية في فلسطين، ما هو إلا محاولة لإيجاد كيانات صغيرة المفترض بها التماهي والتماثل مع صورة الدولة الصهيونية، التي تسعى إلى تكريس اليهود كي يكونوا أغلبية سكانها، وأن يكون المكون الديني هو الأبرز في هوية الدولة. أما القانون الأخير المتعلق بالمسيحيين، فإن أول أهدافه السعي إلى إلحاق المسيحيين العرب بالجيش الإسرائيلي، الذي احتل أرضهم وشرد أغلبية شعبهم، تمهيدا لإقامة ‘منتدى مسيحي لتجنيد المسيحيين في الجيش الإسرائيلي’. كما إن هذا الأمر، ومع إنه يتناقض تماما مع الدعوة الملحاحة ليهودية الدولة، إلا أن حقد الأوساط الرسمية الإسرائيلية وتطرفها في السعي إلى تفتيت المكون العربي الفلسطيني، يدفعها دائما إلى محاولة اختراع هويات مختلفة لهذا المكون أو ذاك، كأن تدعي بأن الدروز ليسوا عربا، وأن بدو فلسطين ليسوا كذلك أيضا! ثم ها هم يصلون إلى المكون المسيحي. فعندما أطلق الكاهن المسيحي جبرائيل نداف من الناصرة دعوته إلى إلحاق المسيحيين الفلسطينيين بالجيش الإسرائيلي، فإن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أيد ذلك فورا، وربما كانت أوساطه هي التي أوحت بإثارة هذا الموضوع، ما دفع نائب وزير الحرب الإسرائيلي داني دانون للقول ‘إن المخطط الأشمل هو سلخ الفلسطينيين المسيحيين عن أبناء مجتمعهم من خلال تأليبهم على المسلمين’. ومن الخطوات الأخرى ـ على سبيل المثال أيضا ـ تفضيل توظيف المسيحيين على المسلمين في الشركات الحكومية، ومنحهم تمثيلا خاصا بهم في السلطات المحلية، وفرصا متساوية مع اليهود في العمل. إلا أن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر، وتم كشف المخطط بأسرع ما يمكن، من خلال ‘صدفة’ لم يكن قد تم وضعها هي وغيرها في الحسبان، وكشفت ‘الصدفة’ عن مخزون عنصري لا ينضب في التعامل مع الآخر العربي الفلسطيني، بغض النظر عن طائفته أو مذهبه، او انتمائه إلى الريف أو الحضر أو البداوة، إذ أنه وفي الوقت الذي كان فيه الكنيست يسن قانون مساواة المسيحي باليهودي تمهيدا لإلحاقه بالجيش، أو بالخدمة في المجال العام؛ فإن إيزيس الياس شحادة المعلمة المسيحية الفلسطينية التي تدرس في مدرسة يهودية في طيرة الكرمل منذ نحو 19 عاما، ذهبت مع تلاميذها في رحلة بالطائرة إلى مدينة إيلات، إلا أن أصلها العربي المسيحي، كما جاء في صحيفة ‘هآرتس’ (28/2/2014) أثار على الفور الاشتباه لدى مفتشي الأمن، ما جعل الرحلة بالنسبة لها درب آلام، لتمضي الصحيفة بالقول: ‘عند وصولها المطار في إيلات مع تلاميذها، فصلت عنهم واجبرت على التعري والبقاء بلباسها الداخلي، كي تجتاز ‘فحصا أمنيا’، بل إن الفاحصين تحسسوا شعرها وجسدها’. تعلق الصحيفة: ‘ما شهدته إيزيس الياس شحادة تجربة هي من نصيب الكثيرين من ‘عرب إسرائيل وعرب شرقي القدس، وكذا سياح من خارج البلاد في طريقهم إلى إسرائيل’. يبدو إن قانون مساواة المسيحي باليهودي، لم يكن قد وصل إلى الجهات الأمنية في مطار إيلات. وكان على إيزيس وعلى غيرها من العرب الفلسطينيين ألا يسافروا، إلا بعد التأكد من أن التعميم والقانون الجديد قد وصلا إلى جميع المطارات والموانئ والحدود، شرط أن يلتزم الأمنيون بتطبيق مضامين التعاميم والقوانين، وألا يلجأوا إلى عنصريتهم المعتادة. وقد أثار صدور القانون من أعلى سلطة تشريعية ردود أفعال غاضبة في الأوساط الفلسطينية، وكذلك في بعض الأوساط الإعلامية الإسرائيلية، من ذلك كما جاء في أعداد متفرقة من صحيفة ‘الحياة’ في شهر آذار/مارس: أعلن بطريرك اللاتين السابق ميشيل صباح ‘أن هناك توافقا مسيحيا على رفض الانضمام إلى جيش إحدى مهماته ممارسة العدوان والاحتلال على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية’. أعربت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الأرثوذوكسي عن رفضها القاطع لقانون ‘التمثيل الطائفي’ وأكدت في بيان: ‘إن الطائفة المسيحية العربية هي جزء لا يتجزأ من الشعب العربي، ولن يقبل شعبنا أي تمييز بين الطائفة المسيحية والطائفة الإسلامية’. أصدر ‘اتحاد الشباب الوطني الديمقراطي’ بيانا أعلن فيه عن ‘إطلاق حملة لمناهضة التجنيد في الجيش الإسرائيلي والخدمة المدنية الإسرائيلية، تحت عنوان ‘لن أخدم جيشكم’ ووصف حملة التجنيد بأنها تحمل أبعادا كارثية على نسيج مجتمعنا، وبمثابة خدمة للحركة الصهيونية’. ندد الأعضاء العرب في الكنيست (11 عضوا) ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني داخل إسرائيل بالقانون الطائفي والعنصري، وأكدوا رفضهم المطلق لهذا التوجه. وجه النائب العربي في الكنيست باسل غطاس، رسالة إلى قداسة البابا فرنسيس الأول ناشده فيها التدخل لإفشال مخطط الحكومة الإسرائيلية بتجنيد الشبان المسيحيين في الجيش الإسرائيلي، لأن ذلك يهدف إلى تجزئة الشعب الفلسطيني إلى طوائف، ولزرع الفتن الطائفية. ولفت إلى أن انتهاج سياسات ‘فرق تسد’ من جانب المؤسسة الإسرائيلية هدفها فرض هيمنتها السلطوية على الفلسطينيين’. على هذا كله شهد شاهد من أهلها، حيث ذكرت صحيفة ‘هآرتس’ أن التمييز البائس بين عرب جيدين مسيحيين وعرب سيئين مسلمين لا يعكس جهلا وعنصرية فحسب، إنما يلحق الغبن الكبير بأبناء الديانتين الذين لا يحصلون كأقلية على معاملة ملائمة من الدولة’.