سياسيون موريتانيون قلقون: الجيش يواصل الامساك بالسلطة وسيناريوهات متعددة لمستقبل ديمقراطية الجوعي

حجم الخط
0

نواكشوط ـ “القدس العربي” ـ من عبد الله السيد: أجمع مفكرون موريتانيون من اتجاهات مختلفة في مقالات ودراسات نشرت في مواقع ومدونات وفي أعمدة الصحف الموريتانية الصادرة أمس الاحد علي أن مستقبل موريتانيا ما زال ملفوفا بالغموض، وقالوا ان تجربة موريتانيا الديمقراطية لا يمكن أن تستقيم لكونها ديمقراطية الجوعي. وأرجع الكثيرون أسباب ذلك لاستمرار تحكم ضباط المجلس العسكري المنحل في الأمور من وراء الستار رغم تنصيب سيدي ولد الشيخ عبد الله رئيسا للبلاد اثر انتخابات اذار (مارس) الماضي.

وتحدث الكتاب عن اتجاه الأمور نحو تتريك (نسبة لتركيا) أو تجزير (نسبة للجزائر) موريتانيا من خلال بقاء مجلس الجنرالات كقوة حاكمة وضابطة للأمور من وراء الستار الي جانب المؤسسات الدستورية.

وأعطي المحللون الموريتانيون القلقون أمثلة عديدة لأسباب قلقهم منها بقاء أعضاء المجلس العسكري المنحل في مواقعهم، مثل العقيد محمد عبد العزيز الذي ما يزال قائد حرس الرئاسة، كما أن العقيد سيدي محمد ولد ببكر ما زال قائد أركان الجيش الوطني شأنه شأن العقيد الغزواني الذي ما زال يشغل منصب المدير العام للأمن الوطني. ولم يتغير شيء حتي الآن في قيادات المناطق العسكرية في الولايات الداخلية التي يشغلها ضباط المجلس العسكري الذي حكم خلال الفترة الانتقالية من 2005 الي 2007. ولم يتمكن الرئيس الموريتاني المنتخب حتي الآن من تغيير مستشاري ديوان الرئاسة، كما لم تتمكن حكومته من تغيير مديري مؤسسات الدولة الذين عينهم المجلس العسكري وقاموا بنهب منمط لشركات الدولة، حسب تأكيدات الكتاب. واعتبر الكتاب وهم من آفاق مختلفة أن بقاء أعضاء المجلس العسكري في مواقعهم يجعل الرئيس المنتخب مكتوف الأيدي كما يحول دون تولي المؤسسات الدستورية لوظائفها كاملة غير منقوصة. ولا يرضي أقطاب المعارضة عن هذا الواقع ويرون أن الحكومة التي تم تشكيلها في الثاني من شهر أيار (مايو) الجاري، يجب أن تقال لتحل محلها حكومة وحدة وطنية باعتبار أن أحمد ولد داداه زعيم المعارضة قد حصل علي 47 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية ولا يمكن أن يحدث الاتزان الوطني بحكومة لا تأخذ هذه النسبة بعين الاعتبار.

وطالب أحمد ولد داداه في تصريحات صحافية أمس بتخلي الجيش عن اللعبة السياسية. وأضاف ولد داداه حتي الآن ما زالت بعض العناصر من المجلس العسكري تمارس الضغوط وتمارس القرار السياسي وهذا حقيقة ضد الدستور وضد ارادة الشعب الموريتاني الذي اختار أن يقود شؤونه رئيس مدني، وأنا لست ضد ممارسة ضابط عسكري للسياسة، ولكن اذا أراد ضابط ممارسة السياسة فلينزل للساحة السياسية ويمارس السياسة كمواطن ويستقيل من الجيش.

وحول تأسيس مجلس جنرالات كالموجود في تركيا، أكد أحمد ولد داداه أن موريتانيا ليست تركيا وهي من هذه الناحية لن تكون لا تركيا ولا الجزائر، ولن تقبل أن تسقط في هذا الفخ، ونرجو أن يفهم الجميع هذا، اذا كانت فيه صيغة للتشاور والتكامل واستخدام جميع الخبرات لصالح أمن البلاد، فهذا لا بأس به، ولكن المهم أن المسؤول هو رئيس الدولة وأن الحكومة والرئيس هما السلطة التنفيذية المسؤولة أمام الشعب ولن نقبل أي صيغة أخري. وفي سياق هذه المخاوف والحلول المتاحة، يأمل الكاتب الخليل ولد مامون أن يفاجيء الرئيس المنتخب الرأي العام ويعلن امساكه بزمام المبادرة.

غير أن الكاتب يري أن ذلك لن يتحقق الا بتحقق شروط منها احالة جميع أعضاء المجلس العسكري الي التقاعد، دون استثناء. هذا هو الشرط الذي يشكل، حسب الكاتب، المدخل الطبيعي لاستعادة حرية القرار، ويطمئن معه المواطن الموريتاني الي أن أحدا لم يعد يتقاسم السلطة مع الرئيس الذي انتخبوه وفوّضوه وحده بالتصرف باسمهم. وعلاوة علي ذلك فهو الدليل الوحيد الذي يثبت أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلي للقوات المسلحة.

أما الشرط الآخر فهو حل الحكومة الانتقالية الثانية وتشكيل حكومة وحدة وطنية من الأحزاب والشخصيات السياسية الوطنية تكون قادرة علي تصفية الملفات العالقة ووضع أسس حقيقية للعمل السياسي في البلاد.

أي مستقبل لموريتانيا؟

أما المركز الموريتاني لأبحاث التنمية والمستقبل فينشغل بمستقبل موريتانيا في المدي المتوسط والقريب حيث أطلق تشاورا تحت عنوان ما هو مشروع رؤية موريتانيا 2020؟.

ويتعلق هذا المشروع بالسعي لاستكناه مستقبل موريتانيا، عبر تبادل موسع لآراء المفكرين والأكاديميين والباحثين الموريتانيين في الداخل والخارج. ويؤكد المركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل أنه في ظل عولمة الظواهر والأحداث المختلفة في العالم المعاصر التي أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية للدول و ازدياد نسبة القرارات التي تمس حياة الناس في مختلف الأوطان التي غدت تتخذ علي نطاق يتجاوز الحيز الوطني، فان الدولة التي لا تمتلك خريطة واضحة المعالم والتضاريس لهذا العالم سريع التغير شديد التعقيد ولا تمتلك بوصلة دقيقة تعينها علي تحديد مسارها الصحيح علي هذه الخريطة، هي دولة تعرض مستقبلها لأخطار جسيمة. ويري المركز أن مستقبل موريتانيا اليوم بين احتمالين، أولهما أن يأتي هذا المستقبل محصلة لعوامل عشوائية متضاربة، أي أنه يخضع لاعتبارات من صنع المصادفة، لا من صنع العقل والتدبير والمصلحة الوطنية. والثاني أن تتحكم في تشكيل هذا المستقبل قوي خارجية لا يهمها من مستقبل موريتانيا الا ما يخدم مصالحها هي، سواء أكانت هذه المصالح متوافقة مع مصالح الناس في هذه الدولة أم لم تكن. وفي تحليل مركز آخر، يطرح الباحث الموريتاني محمد السالك ولد ابراهيم عدة اسئلة منها: بعد اكتمال المسلسل الانتقالي، عن ماذا بعد؟ وما هي رهانات المرحلة القادمة؟ وكيف سيكون المستقبل السياسي لموريتانيا الجديدة؟ وما هي التطورات المحتملة والآفاق المنظورة لما بعد المسلسل الانتقالي؟ وهل سيتعزز السعي نحو اقامة الجمهورية الثالثة؟ وما هي الشروط والمستلزمات الضرورية لذلك التحول الكبير؟ وهل ستتم اعادة تأهيل وتفعيل الطبيعة الجمهورية لنظام الحكم السياسي في البلد بما يقيم دعائم ثابتة لتأسيس الجمهورية الثالثة ويمكنها من الاضطلاع بجدية وكفاءة بكامل مهامها ومسؤولياتها داخليا وخارجيا علي أساس من الحكمة والانفتاح في عملية تفاعل وتكامل وتطور واع ومسؤول لخدمة مصالح الشعب الموريتاني أولا وقبل كل شيء؟ وهل سيتم بناء جسور حقيقية وجادة للحوار الديمقراطي بين ومع مختلف الفاعلين السياسيين الوطنيين في الساحة وخارجها؟ وهل سيتم ايجاد حل جذري للمعضلة المزمنة المتمثلة في تسييس وتجيير مؤسسات الجيش والأمن الوطني في لعبة استغلال واحتكار العنف العمومي كوسيلة للوصول الي السلطة والتمسك بها تحت أي ذريعة؟ ويؤكد المحلل السياسي انه حسب المؤشرات الراهنة، يمكن تمييز عدة سيناريوهات أخطرها (وهو ما يعتقد أنه بادئ الآن) أن تخرج كل الأطراف التي ستشكل البراديغم السياسي الجديد، من المرحلة الانتقالية، حائرة وخائفة علي المستوي الشخصي والوظيفي، وبالتالي عاجزة عن التركيز لفهم وادراك متغيرات الموقف الجديد ومقتضياته الأساسية وقراراته المطلوبة وبالتالي تبقي مستسلمة للتداعي الحر لمجريات الأحداث والتطورات من دون تدخل فعلي جوهري وحاسم.

جملة تغييراتوفي هذه الحالة، قد تشهد موريتانيا جملة من التغييرات يمكن التماس ملامحها الأساسية كالآتي:

ـ سيطرة أجواء التردد والميوعة والارتجال علي مستوي الأفكار والتصورات والتوجهات والاجراءات العملية واللجوء الي أشباه الحلول والمعالجات المبتورة.

ـ الاكتفاء بادخال بعض التغييرات السطحية والتحسينات الشكلية التي لا تمس جوهر التراكمات والمشاكل التي قادت البلاد الي الوضع الراهن ولا تؤثر ايجابيا علي معالجة أزماته وتداعياته علي مختلف الصعد.

ـ استمرار واستحكام أساليب المراوغة والمناورة التي نجحت في اتباعها ـ منذ الاستقلال حتي الآن ـ لوبيات الفساد المتغلغلة والمتصارعة داخل مختلف أجنحة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية.

ويضع المحلل محمد السالك أسسا يراها تشكل أجندة التغيير اللازمة لموريتانيا أمام تعقيد مخاضات وضعها الجديد فيما بعد المرحلة الانتقالية، وفي ظل الافرازات المختلفة لهذه المرحلة.

ويتعزز هذا المنحي، حسب الكاتب، في ظل تنامي الآمال التي يغذيها الرأي العام الوطني والدولي وكذا الضغوط غير المباشرة للشارع في سبيل تحقيق تغيير جوهري من شأنه أن يخفف من المعاناة اليومية للمواطنين، بما يسهم في نزع فتيل الطابع الصراعي للعلاقات المجتمعية والاقتصادية ويعيد ضبط وتوجيه عنفه نحو مجال التنافس السلمي والمدني الايجابي.

ويري الكاتب أن هذه الاعتبارات ربما تكون قد أسهمت ايجابيا في انضاج الظروف المحيطة بالمرحلة القادمة والدفع بالنخب الوطنية الفاعلة المدنية منها والعسكرية الي التصرف بمنطق رجال الدولة وصولا الي سقف جديد من الوعي الحذر ربما يملي علي الكل ضرورة عقلنة وترشيد الرؤي والقرارات والتصرفات في سبيل الوصول الي أرضية مشتركة تسمح باعادة ترتيب أولويات السياسة الداخلية والخارجية للبلد بشكل عام.

ويتقدم الكاتب باقتراحات منها فتح مشاورات جدية من أجل وضع تصور أولي للشروط المرجعية لمشروع ثقافي وطني اصلاحي ومنها العمل لحلحلة الملفات والقضايا العالقة بحكمة وتبصر وعدل وكذا انشاء مجلس وطني للأمن القومي يتألف من شخصيات وطنية معروفة، علي غرار النماذج الدولية الناجحة (الهند مثلا)، بالاضافة لمراجعة وتفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر واصلاح واعادة تنظيم قطاع الاعلام والتواصل بما يتماشي مع وضع دولة ديمقراطية تعددية ترجع السيادة فيها للشعب والولاء لمؤسسات الجمهورية واصلاح السياسة الخارجية للجمهورية. ويجمع الكتاب والمحللون الموريتانيون علي ان موريتانيا توجد حاليا في مفترق طرق حاسم، فإما ان تختار الأطراف التي ستشكل الاستمرار في مناورات تكتيكية قد تصمد لبعض الوقت، واما أن تقرر الدخول في خيارات استراتيجية اصلاحية شاملة، تعيد بناء جسور الثقة وتضمن للبلاد استقرارها السياسي وتنميتها الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية