كمال زايت:
ينظر صحافيون وساسة جزائريون إلى ما يسمى هنا ‘القضية الصحراوية’ بكثير من التعاطف ويصنفونها، مثل دبلوماسيتهم، كقضية تصفية استعمار، ويرون أنه من واجبهم ‘كشعب ذاق ويلات الاستعمار أن يساند القضيتين الصحراوية والفلسطينية’. وابدى إعلاميون وسياسيون جزائريون سألتهم ‘القدس العربي’ تفاؤلا بمصير هذا النزاع الذي عمّر 35 سنة ولا تبدو في الأفق مؤشرات على قرب انفراجه، وقالوا ان المستقبل سيحمل أخبارا سارة لسكان الصحراء الغربية ‘لأن كل حركات التحرر عبر التاريخ نجحت في انتزاع الاستقلال’. والصحراء الغربية إقليم غني بالفوسفات ضمها المغرب بعد خروج اسبانيا منها في النصف الأول من السبعينات. ورد بعض سكان الإقليم بإعلان ميلاد جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليزاريو) التي قادت حرب عصابات ضد القوات المغربية انتهت بإعلان وقف إطلاق النار في 1991. وتلقى البوليزاريو دعما صريحا من الجزائر التي تقول ان دعم حركات التحرر جزء من فلسفتها الدبلوماسية، الأمر الذي سبب توترا بين الجزائر والرباط انعكس على المنطقة وتجلى في الشلل الذي اصاب اتحاد دول المغرب العربي.
يعتقد محمد يعقوبي رئيس تحرير صحيفة ‘الشروق’ (خاصة) أن الجيل الجديد في الجزائر له حساسية من مسألة الاستعمار، ولديه تعاطف فطري مع كل الشعوب المستعمرة، مشيرا إلى أن هذه الحساسية تم توريثها من الأجيال التي عاشت فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر. واعتبر أن القضية الصحراوية تستقطب الاهتمام والتعاطف أكثر لأنها تتعلق ببلد جار عربي ومسلم، يدافع عن قضية عادلة، مشيرا إلى أن الجزائر متضررة بشكل أو بآخر من هذه القضية، لأن مخيمات الصحراويين موجودة في الجزائر، ونحن نتمنى أن ينال الصحراويون استقلالهم ويعود هؤلاء المقيمون في المخيمات إلى بلادهم.
وأشار إلى أنه بالنسبة لمستقبل القضية، فإنه يمكن القول إن كل حركات التحرر كان مصيرها النجاح وتحقيق الاستقلال، مشيرا إلى أن الثورة الجزائرية تبقى عبرة للصحراويين، لأن فرنسا احتلت الجزائر 132 عاما، ولكنها أجبرت في نهاية المطاف على الرحيل، وترك الشعب الجزائري يختار مصيره بنفسه، وكان من الطبيعي أن يختار الاستقلال. وشدد على أن ‘مستقبل الصراع بيد الصحراويين وقدرتهم على توريث القضية لأبنائهم وأحفادهم’، موضحا أنه من خلال الاحتكاك بهم يمكن أن ندرك أنهم أورثوا القضية جيدا للأجيال القادمة’. ويؤكد جمال بن علي رئيس تحرير بالتلفزيون الجزائري أن قضية الصحراء الغربية ‘استراتيجية بالنسبة للدولة والشعب الجزائريين لأننا عانينا من ويلات الاستعمار أكثر من 132 سنة، ونؤمن أنه ‘من حق أي شعب أن يقرر مصيره، لذلك نحن في خندق واحد مع أشقائنا الصحراويين’. واعتبر بن علي أنه ‘مهما طال الزمن فسيأتي وقت يكون فيه من حق الصحراويين تقرير مصيرهم بأنفسهم، وستكون أمامهم الفرصة لاختيار العيش في كنف أرضهم وسيادة دولتهم’. حقوق إنسانيرى حسان موالي من صحيفة ‘الوطن’ (خاصة) أن النزاع في الصحراء الغربية ‘وبعيدا عن أي شوفينية، قضية حقوق إنسان، قضية عدالة، والأهم من ذلك قضية حرية’، موضحا أنه ‘من غير الممكن من الناحية القانونية والأخلاقية كبت شعب وحرمانه من ممارسة حقوقه والشعور بالحرية والسعادة على أرضه’. وأكد أنه ‘من المؤسف أن الشعب الصحراوي لم تكن له أبدا سعادة التمتع بحقوقه، وأنه بعد سنوات من الاحتلال الإسباني مُنح كهدية للجارة المغرب’، معتبرا أنه يصعب عليه ‘تقبل فكرة أن بلدا مسلما محكوما من طرف ملك يقول عن نفسه انه أمير المؤمنين يبقي على دولة جارة رهينة لديه، ويعتدي عليها بطريقة جبانة’. وأشار موالي الى أن ‘ما يفعله’ المغرب في الصحراء الغربية ‘يشبه كثيرا ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين منذ 61 عاما’، مشددا على أن القضية بالنسبة له هي ‘تصفية استعمار، علما أنه لا يوجد بلد في العالم يعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.. من وجهة نظر القانون الدولي والأمم المتحدة فإن الصحراء هي منطقة مستقلة، لهذا أشهر شخصيا بأني قريب من هذه القضية العادلة’. واعتبر حسان موالي أنه من الصعب تصور مستقبل هذا الصراع لأنه يشبه في مظهره وطريقة تعاطي الهيئات الدولية معه القضية الفلسطينية، موضحا أن المغرب ‘يستفيد من نفس الدعم الذي تلقاه إسرائيل، أي من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا، التي تتحمل مسؤولية تاريخية في المأزق الحالي، وأن المستشار الرئيسي للملك محمد السادس يهودي الأصل وهو أندري أزولاي’. وأضاف أن الجميع يعلم أن الأمم المتحدة هي أداة في خدمة الأقوياء، موضحا أن الصحراويين ‘لن يتمكنوا من إسماع صوتهم إلا إذا اهتدوا إلى طرق جديدة للمقاومة، لأن طريق الدبلوماسية أثبت حدوده في مواجهة أرمادة من الدعم التي يستفيد منها المغرب، والتي يصرف عليها ملايين الدولارات لضمان دعم القوى الكبرى’. وذكر أن المغرب قطع علاقاته مع دولتين ‘عدوتين’ للولايات المتحدة هما ‘فنزويلا التي يرأسها هوغو تشافيز وإيران التي يقودها أحمدي نجاد، لذا يأتي موقف واشنطن وباريس من خطة الحكم الذاتي في إطار رد الجميل’. ويرى عبد اللطيف بلقايم الصحافي بجريدة ‘الجزائر نيوز’ (خاصة) أن قضية الصحراء الغربية هي ‘مأساة شعب يريد استرداد أرضه (..) أما إذا كان له الحق فيها أم لا، فتلك مسألة تتطلب تحكيما دوليا، ولكن الغرب عموما أثبت للمرة الألف أنه لا يعير معاناة الصحراويين أي اهتمام’. واعتبر أن التطور الأخير للأحداث التي وقعت يستحق التوقف، مشيرا إلى أن الاعتداء على مدنيين عزل في مخيمات النازحين يطرح التساؤل عن خلفية هذا التصرف، فإما أن المغرب يريد ضم الصحراء عن طريق القوة، أو أنه انزلاق خطير، وهو فرصة للشعب الصحراوي لإيصال صوته للمجموعة الدولية.
ويشير بلقايم إلى أنه ‘من الصعب تصور مستقبل هذا الصراع لأن هذه القضية كان يجب أن يفصل فيها عند اندلاعها عام 1975، ولكن إطالة أمد الصراع أنهكت دول المنطقة أكثر مما أنهكت الصحراويين، لأن هذه المعضلة عطلت بناء الاتحاد المغاربي، كما أنها أفشلت أي محاولة لدول المنطقة المغاربية للتكتل في إطار هياكل دولية، مثل الاتحاد من أجل المتوسط، أو الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، فهذه الدول فشلت في الكلام بصوت واحد’. وقال ‘الخطة التي يعتمدها المغرب هي ربح الوقت وإطالة أمد الصراع إلى أقصى وقت ممكن على أمل إنهاك الصحراويين’، مشيرا إلى أنها ‘نفس السياسة المتبعة من طرف إسرائيل في تعاملها مع القضية الفلسطينية’. من جهته أوضح نجيم حكتيتن رئيس القسم الدولي في جريدة ‘وقت الجزائر’ (خاصة) أنه ‘لا يمكن الحديث عن هذه القضية دون وضعها في سياقها الطبيعي، وهو أنها قضية تصفية استعمار، وذلك بالرجوع إلى مواثيق وقرارات الأمم المتحدة التي صنفتها كقضية تصفية استعمار’، هذا أولا، كما قال. وأضاف: ‘ثانيا الأمم المتحدة أقرت أن جبهة البوليزاريو هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، وهذا في حد ذاته اعتراف بعدم مغربية الصحراء، وعزز هذا الطرح أن المغرب تفاوض مع البوليزاريو ووقع معها وقفا لإطلاق النار’. وقال ان ‘أكثر من 80 دولة تعترف بجبهة البوليزاريو، وبالمقابل لا توجد أي دولة تعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية’. وشدد القول على ‘أننا لا يمكن أن نتصور مستقبلا للقضية خارج قرارات الشرعية الدولية، وأنه من الضروري أن يتم التوصل إلى تنظيم استفتاء تقرير مصير، يكون للصحراويين الخيار فيه إما أن يبقوا صحراويين أو يكونوا مغاربة’، مشيرا إلى أن هذا الأمر صعب التحقيق في الوقت الراهن، لأن هناك مصالح لشركات غربية في الأراضي الصحراوية، وهو ما يجعل حكومات هذه الدول ترفض التصدي للمغرب. قافلة مساعداتوعلى جانب آخر ذكر نور الدين بن براهم القائد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية أن ‘مأساة الشعب الجزائري هي أكثر من يشعر بمعاناة الصحراويين’، موضحا أن ‘الأراضي الصحراوية مسرح لخروق مستمرة ومتكررة لحقوق الإنسان، وأنه من الضروري وقف هذه الخروق ووضع حد لما يرتكبه المغرب في حق هؤلاء’. واعتبر أنه لا مستقبل لهذا الصراع سوى نيل الصحراويين لاستقلالهم، لأنها النهاية المنطقية لكل كفاح من أجل الاستقلال، وأن الجزائريين أنفسهم عندما فجروا ثورة التحرير ضد الإمبراطورية الفرنسية، لم يكن أحد يتوقع لهذه الثورة النجاح، ولكن فرنسا بعد أن جربت كل شيء خضعت للمنطق، ودخلت في مفاوضات مع جبهة التحرير الوطني انتهت باستقلال الجزائر.
وشدد بن براهم على أن منظمات مجتمع مدني في الجزائر تستعد لتنظيم قافلة شبيهة بقافلة الحرية، والتي سيكون الهدف منها كسر الحصار المضروب على الصحراويين، وتقديم مساعدات لهم في المحنة التي يعيشون. وأشار الطيب زيتوني رئيس بلدية الجزائر الوسطى وأحد الناشطين في الدفاع عن حقوق الصحراويين أن دعم القضية الصحراوية مسألة ‘مبدئية بالنسبة للجزائر حكومة وشعبا’، وهي على ‘نفس المستوى مع القضية الفلسطينية’، مشيرا إلى أن بلديته هي أول من ‘وقع اتفاقية توأمة مع مدينة العيون وهي ليست اتفاقية اقتصادية أو تجارية، وإنما اتفاقية تضامن ومساندة في هذا الكفاح النبيل’. وذكر أن مستقبل هذا الصراع ‘لن يكون إلا في إطار إعطاء الصحراويين حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم، فإذا أرادوا الانضمام للمغرب فلهم ذلك، وإذا أرادوا الاستقلال فسيكونون على موعد مع تأسيس دولتهم المستقلة’. وليس من السهل العثور على صحافيين أو سياسيين جزائريين يتخذون موقفا مختلفا مع ما هو سائد هنا من تعاطف مع سكان الصحراء الغربية، أو متناقض معه.
مختلف مع السائدبدوره يشير الوزير والسفير السابق عبد العزيز رحابي إلى أن الدبلوماسية الجزائرية تأسست بعد الاستقلال على مبدأ أساسي وهو دعم حركة التحرر، وهو ما جعل الجزائر توصف بأنها قبلة الثوار، معتبرا أنه لا غرابة في أن هناك إجماعا جزائريا على قضية الصحراء، بصرف النظر عن الاختلاف في التوجهات السياسية.
وذكر أن ‘التاريخ أثبت أن كل حركات التحرر نجحت في نيل الاستقلال، مهما طال الزمن’، مؤكدا على أنه ‘لا يمكن لقضية الصحراء الغربية أن يكون لها نهاية إلا في إطار إعطاء الشعب الصحراوي حقه في تقرير مصيره بنفسه بعيدا عن أي وصاية’. ونفى رحابي أن تكون الصحراء الغربية هي السبب في تعطيل بناء اتحاد المغرب العربي، مشيرا إلى أن اندلاع النزاع في الصحراء كان سابقا لبداية تأسيس الاتحاد منتصف ثمانينات القرن الماضي، ورغم ذاك فإن الاتحاد المغاربي تأسس وعرف ديناميكية كبيرة في الثمانينات، كما قال.