سياسي بريطاني يوقف الحرب على سورية وينقذ اوباما من التخبط

حجم الخط
1

مع توقيت سقوط الصاروخ الكيماوي على مئات المواطنين السوريين يوم 21 آب/اغسطس الماضي، قرعت طبول الحرب في حلف الحرب على الدول العربية الانكليزي- فرنسي- أمريكي، وهو الحلف الذي قاد الحرب على العراق وليبيا، والآن يتوجه للحرب بعد رسم خطوطه الحمراء وقيامه بعمليات زرع الأدلّة لتجريم وإدانة الضحية. ليس المهم معرفة الجهة التي أطلقت هذا الصاروخ، تيمناً بالمبدأ الغربي القائل ‘الحقيقة ليست بذات أهمية حين لا تستعمل’، خصوصا حين يرتدي المدّعي المدين بدلة القضاء لإصدار حكم الإدانة. وفي هذه الحالة، فإنّ المدان سلفاً ومن دون تحقيق هو سورية. وعلى الفور تحرّكت بوارج البحرية الأمريكية في المتوسط واتجه السلاح الجوي الإنكليزي نحو قبرص، وفرنسا تشحذ الهمم ثأراً لموت الأطفال السوريين ضحايا الكيماوي، وقطر والسعودية، كما ذكر جون كيري امام الكونغرس، اعلنتا تحملهما نفقات حرب أمريكا (على شقيقتهما سورية). وأيضاً الرجعية العربية سحبت من ارصدتها 800 مليار دولار لدفع فاتورة الحرب الغربية – الإسرائيلية لتدمير قلب الحضارة العربية سورية. إنّ الحقيقة ليست مهمة في عالم جهز التهمة سلفاً، وهو يتربص خلف خطوطه الحمر لاحتلال ثالث الشعوب العربية.
ولأوّل مرّة منذ عام 1782 صوّت مجلس العموم البريطاني ضدّ رئيس وزرائه لدخول حربٍ غير مبرّرة، مما أدّى إلى اضطراب الموقف الأمريكي رئيساً ووزيراً. كان الارتباك في كلّ سمات فريق اعداد الحرب الامريكي. فقد غابت عنه حكمة التاريخ ‘عند إدراك الحافّة يجب إعادة النظر والتقييم العقلي السليم قبل الخطوة الأخيرة’. وتعالت في واشنطن صرخات اليمين الدافعة نحو الحروب، امثال السيناتور ماكين وهالي وليبرمان، زعما بأنّ أي تراجع يسيء لسمعة امريكا وهيبتها. وبالموازاة جرى السعي الدبلوماسي لايفاد السلطان قابوس لطهران لجس نبضها، وطهران بكل هدوء تخيّب الآمال الغربية في عدم المساس بالمبادئ أجابت، ان شن الحرب بغض النظر عن محدوديتها سيستوجب ردّاً لا محدودا، فإن الشروع بالحرب لا يضمن محدودية الرد أبداً. هنا قرر الرئيس اوباما إحالة خياره بإعلان الحرب على سورية للكونغرس الأمريكي، في خطوة جلبت شتّى التفسيرات والكثير منها غير صائب، خصوصا في صحافة الشرق العربي.
الرئيس أوباما محترف للخداع ويمارس شنّ الحروب باستعمال قناع المكر الواقي. فهو دخل الانتخابات الأمريكية كليبرالي (ديمقراطي يساري) ضد سياسة شنّ الحروب، وإنهاك البلد اقتصادياً، وفاز لأنّه كان يخالف سياسات سلفه الرئيس بوش في احتلال العراق وأفغانستان، ثمّ بعد فوزه تحوّل نحو تمديد البقاء لقوات الاحتلال في العراق وأفغانستان لأطول فترة ممكنة، وفي ذات الوقت قاد حرب طيارات ‘درون’ الخفيّة لاغتيال عناصر التنظيمات الإسلامية المناوئة في باكستان واليمن… سياسة حرب أزهقت ارواح الالاف من المدنيين.
وقد تمادى في حنثه بوعده الانتخابي بغلق سجون غوانتانامو، وهي لم تزل قائمة على حالها، ثمّ تحول من الوسط نحو اليمين واصبحت سياسته الخارجية اقرب للمتشددين الجمهوريين. وخلال السنتين من الحرب العربية- التركية – الاسرائيلية على سورية حاول تجنب الدخول بحرب علنية لدعم عناصر جبهة النصرة و’القاعدة’ والمجندين عربيا من المنشقين عن الدولة السورية. وفجأة حين انتصرت دمشق بعدد من المعارك الرئيسية، وكانت على ابواب النصر في الغوطة الشرقية علا العويل على اطفال سورية، وثارت حميّته وإنسانية الغرب بشكلٍ مهوس. ولمن لا تخونهم الذاكرة، ربمّا ما كان ضمير الغرب مولوداً بعد حين التنكر لموت مليون طفل عراقي اثناء شد طوق الحصار الغربي لتجويع العراق.
وبما ان هناك مؤتمرا لدول جي – 20 يعقد في بيترسبورغ الروسية 4 ـ 5 أيلول/سبتمبر، توّجهت أنظار العالم نحو تسوية سلمية يخرج فيها الرئيس الأمريكي من أصعب اختبار دولي لمقدرته وقيادته السياسية. والعالم كلّه يراقب حركاته وسكناته وخيارات الحرب كما السلام، كلها مكلفة له سياسيا وفيها مخاطر الانزلاق نحو حرب كارثية تلهب المنطقة. وفي عملية بارعة لم ينتبه لها العالم، بعث وزير خارجية بريطانيا الأسبق برسالة لدول الـ’جي-20′ قبل يومين من انعقاد المؤتمر جاء فيها مخاطبا البرازيل والهند والمانيا ودول مجلس الأمن: ‘إتركوا صراعاتكم في مجلس الأمن جانبا ولمّا لم يمكنكم تشخيص من استعمل ومن لم يستعمل الغاز الكيماوي في سورية، وأيضاً لا يمكنكم الاتفاق على عمل عسكري موحد لإضفاء القانونية، حسناً يمكنكم الاتفاق على إزالة السلاح الكيماوي من سورية’. وقد رفع الرئيس الروسي بوتين سقف مطاليبه بقبوله خطّة اللورد أوين مقابل عدم ّ شنّ الحرب على سورية.
وإذا كانت أساليب شنّ الحروب بغرض الإنهاك كمقدمة للاحتلال لاحقاً، كما حدث في العراق، ماثلة أمام الذاكرة الدوليه فانّ إسلوب التعامل مع الأزمة السورية أكثر مقاربةً لأزمة نصب الصواريخ الروسية في كوبا، اثناء المواجهة الأمريكية – الروسية بين كيندي وخروتشوف والإصرار الأمريكي عام 1961على مهاجمة كوبا لتدمير الصواريخ.
في حينها اقترب العالم من حرب بين العملاقين وحتى الساعات الأخيرة قبل نفاذ الإنذار الأمريكي، انفرجت الأزمة بموافقة روسيا الاتحادية على نقل الصواريخ شرط تعهد الولايات المتحّدة بعدم مهاجمة كوبا. ففي حال الأزمة السورية وعلى ذات النسق تسعى روسيا لانتزاع ضمان أمريكي بعدم مهاجمة سورية وإن تعددت وسائل التدخل الأمريكي، فالأردن والسعودية تعملان في مجال الدعم المادي والمخابراتي واللوجستي تحت مظلّة عسكرية – مخابراتية أمريكية، ولكن الفارق هنا ان خطر الانفجار في المنطقة يزول وقتيا، فإن خيارات اوباما كلها متصادمة ببعضها ومن الممكن جدا ان يتأثّر الكونغرس الامريكي بمجلس العموم البريطاني ويصوّت ضد مشروع الرئيس أوباما، حيث أن اوباما، كما ذكرت صحيفة ‘نيويورك تايمز’، يتعكّز على ‘الأيباك اليهودية’ في امريكا، ونتنياهو في إسرائيل لمساعدته في اقناع اعضاء الكونغرس الأمريكي بالتصويت لصالح مشروعه.
وفي مساء الثلاثاء توجه الرئيس الأمريكي أوباما بخطاب لمدة 15 دقيقة يتلمس دعم الشعب الأمريكي في معركته في الكونغرس. ومن اللحظة الأولى أدعى أن الحكومة السورية قتلت الاطفال والرجال والنساء بالغاز الكيماوي، ولم يتكلف إقامة الحجّة بتاتاً، فلا هي عادة الشعب الأمريكي ولا الكونغرس أن يطلب دليلاً على إدّعاء رئيسه. وهنا يكمن خطر شن الحروب إذ لا مجال للتثبت من الحقيقة، حين يتكلم الرئيس. وإن إدّعاء أوباما أن عملية اطلاق الكيماوي في دمشق في الغوطة الشرقية صاحبها ارتداء الجيش السوري أقنعته الواقية من الغازات، هو تلفيق جديد لم يسبق لأيّ متحدث أمريكي أو غربي أن تطرّق بهذا الشكل المفضوح من التحامل والكذب. إنّ كل التهم الموجهة للحكومة السورية لإدانتها لا تخرج عن كونها كلاما مغرضا يراد من ورائه خلق جوٍّ من إرباك الجمهور الامريكي لتبرير الاعتداء على سورية، لكنّ الرئيس أوباما ولاول مرّة يقدم اتهاما ناشزاً، لو يدعمه بالتوثيق لاستصدر بموجبه قرار إدانة لسورية من مجلس الأمن… وفي الوقت الذي يبرر رغبته الملحة في قصف سورية، ولو بأهداف محددة كعقوبة رادعة لسورية لقتلها مئات الأطفال بالكيماوي يتنصّل عن مسؤولية التّدخل في انهاء الحرب الأهلية في سورية، ويقّر أن امريكا ليست البوليس الدولي لتخلص الدول من الديكتاتورية، وهو نفس الإدّعاء الذي تقنّع به الرئيس بوش الأب حينما رفع شعار لا علاقة بحملتنا (لتحرير الكويت) بتغيير النظام في العراق. وبعدها بـ 13 سنة جاء ابنه جورج دبليو بوش رافعا شعاراً على النقيض تماماً: الحرب على العراق من أجل إسقاط نظام صدّام الدكتاتوري.
وفي الوقت الذي يعاني الرئيس الأمريكي من التخبّط في إدارة تهديده بالحرب على سورية، فقد أظهر إرباكاً شديداً في التوفيق بين ما روّج من ادّعاءات وبين اتخاذ القرار الذي يتوخاه! وحتى في خطابه لم يكن موفقا في التمهيد لإقناع الكونغرس الأمريكي، وجاءت حججه بشن ضربة تأديبية لسورية واهية تعاني من الاختلال المبدأي والأخلاقي. ولولا رسالة اللورد أوين الموجهة لزعماء مؤتمر بيترسبرغ (‘المساء ستاندرد’ 292013) وكانت الحبل الذي تعلّق به أوباما للخروج من مأزقه لما أصبح ولأوّل مرّة مطلباً لأمريكا بالتخلّص من السلاح السوري الكيماوي، على غرار مطلب بوش بالتخلص من أسلحة الدمار الشامل في العراق، التي لم تكن موجودة أصلاً. والآن يحق لسورية أن تتشبّث (لكسب الوقت) بتوجيه الأنظار نحو ترسانة السلاح النووي الإسرائيلي والكيماوي، إلا أن ذلك يستدعي دعماً روسيا وهو مشكوك فيه كون الرئيس بوتين، وهو نقيض أوباما تماماً، بدا خلال الأزمة ثابتاً في موقفه عارفا لما يريد بالضبط: إخراج سورية من دائرة الحرب الأمريكية كهدف فوري وإبعادها عن ماكنة الدمار وترك الرئيس اوباما يرقص بين الأفكار والخيارات على دون هدىً.

‘ كاتب عراقي مقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية