أنطوان القزي
يوم كان طارق عزيز يدخن سيجاراً بقيمة خمسين دولاراً زمن الحصار، كان الراتب الشهري للعراقي الذي يعيل عائلته خمسة دولارات اميركية، وكان العالم يومها يحصي الدقائق واللحظات لسقوط نظام صدّام.
سقط نظام صدّام، بقي العرب يدخّنون السيجار، وتركوا للبصّارات والبرّاجات التنبؤ بمصير العراق، هل هو بلقان جديد، ام صربيا اخري ام لبنان مستنسخ ام قبرص مقسّمة، ولم يصبح العراق لا هذه ولا تيك ولا تلك، بات ينبوعاً غزيراً لمصاصي الدماء يجول فيه 120 الفاً من المرتزقة، بلحيً وبغير لحي، بسيوف وبغير سيوف، بضمائر وبغير ضمائر، بهدف وبغير هدف.
اصبح الخبر العراقي اقلّ من عادي وباتت انهار الدماء العراقية لا توازي خطف طفلة في اسبانيا وترك اخري في محطة القطار في ملبورن.
وباتت صورة العراق، مشهداً كلاسيكياً يستدعي تحرّك اصابع العروبة للضغط علي الريموت كونترول لتغيير المحطة، واصبحت راقصات عوّامات النيل بديلاً عن باسقات النخيل ويخوت ماربيا تمحو مشاهد مراكب الصيادين في دجلة.
و لعلّ اسوأ الفصول هو ما حصل في العراق هذا الاسبوع مع مقتل بضعة عراقيين برصاص مسلحي الشركات الامنية المرخصة.
غاب سيجار طارق عزيز ليغطي دخان النراجيل العربية تاريخ بلاد الرافدين، واصبحت الفضائيات مداخن لذرّ غبار المذهبية وتأجيج الفروقات العرقية، وباتت الشاشات منابر للتفسير والتأويل والصراعات الكلامية، واستمرّ العرب ينفقون 24 مليون دولار سنوياً علي سياحاتهم الخارجية وبقي فنجان قهوتهم في الشانزيليزيه بخمسة وعشرين دولاراً وبقي ايجار ايقاف اليخت الواحد في كان وماربيا اكثر من عشرين الف دولار عن الليلة الواحدة. لا يعرفون عن بغداد إلاّ اذا زارها بوش ولا يسمعون عن البصرة إلاّ اذا انسحب منها البريطانيون ولا عن كردستان إلاّ اذا أنزلت العلم العراقي عن مؤسساتها.
الاشقاء الذين غاظهم وغاظنا يوماً سيجار طارق عزيز اسقطوا من حسابهم الكوكب العراقي في بركة جيش المهدي ولواء بدر وجيش اهل السنّة وألوية الصدر والبيشمركة، وراحوا يتحلقون حول هذه البركة وينفثون دخان النراجيل كلما تهادي الكوكب في القاع.
وطنٌ انجب حكماء العروبة يقع اليوم فريسة مجانينها.. ونراجيلهم.