سيدة‭ ‬الأسفار‭ ‬ومعارج‭ ‬الشرق

تحصل‭ ‬على‭ ‬مقعدها‭ ‬في‭ ‬العربة‭ ‬الزرقاء‭ ‬عند‭ ‬صديقها‭ ‬القديم‭ (‬قطار‭ ‬الشرق‭ ‬السريع‭) ‬وتنسج‭ ‬من‭ ‬صفيره‭ ‬مقطوعات‭ ‬طفولتها‭ ‬البعيدة‭.. ‬برامز‭ ‬وبتهوفن‭ ‬وموزارت،‭ ‬ليصلها‭ ‬إلى‭ ‬معارج‭ ‬الشرق‭.. ‬إسطنبول،‭ ‬حلب،‭ ‬بيروت،‭ ‬بعلبك،‭ ‬حمص،‭ ‬دير‭ ‬الزور،‭ ‬الخابور،‭ ‬القامشلي،‭ ‬الرقة،‭ ‬الموصل‭.‬
لا‭ ‬أظن‭ ‬مصادفة‭ ‬مجيء‭ ‬السيدة‭ (‬أجاثا‭ ‬كريستي‭) ‬إلى‭ ‬بغداد،‭ ‬للسكن‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬كان‭ ‬يشغله‭ ‬سابقاً‭ ‬الملك‭ ‬علي‭ ‬شقيق‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬الأول،‭ ‬والمنزل‭ ‬تابع‭ ‬لمدرسة‭ ‬الآثار‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الكرادة‭ ‬مريم‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬دجلة،‭ ‬وهذه‭ ‬الدار‭ ‬قد‭ ‬أشار‭ ‬إليها‭ ‬الراحل‭ ‬المعماري‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬مكية‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬‮«‬خواطر‭ ‬السنين‮»‬‭ ‬سيرة‭ ‬معماري‭ ‬ويوميات‭ ‬محلة‭ ‬بغدادية‭ -‬حيث‭ ‬كان‭ ‬المنزل‭ ‬مجاوراً‭ ‬لمكتب‭ ‬صاحب‭ ‬الكتاب‭. ‬

بغداد‭ ‬الثقافة

‭(‬مس‭ ‬كريستي‭) ‬توجت‭ ‬نفسها‭ ‬ملكة‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬تراثي،‭ ‬وكان‭ ‬نصيب‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬رواياتها‭ (‬غائب‭ ‬في‭ ‬الربيع‭) ‬و‭ (‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين‭) ‬والأخيرة‭ (‬موعد‭ ‬في‭ ‬بغداد‭) ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عام‭ ‬1951،‭ ‬وقد‭ ‬ألهمتها‭ ‬بغداد‭ ‬ومنحتها‭ ‬أركان‭ ‬وزوايا‭ ‬الرواية‭… ‬وعلى‭ ‬طاولة‭ ‬الفطور‭ ‬الصباحي‭ ‬في‭ ‬شرفة‭ ‬غرفتها‭ ‬المعانقة‭ ‬لشاطئ‭ ‬دجلة‭ ‬قيد‭ ‬خيالها‭ ‬الخصب‭ ‬مصير‭ ‬أوروبا،‭ ‬وقادته‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬يحدد‭ ‬مستقبل‭ ‬العالم‭.‬
‭ ‬وقد‭ ‬بينت‭ ‬التخطيط‭ ‬الغربي‭ ‬للمستقبل،‭ ‬وما‭ ‬يقابله‭ ‬من‭ ‬تفشي‭ ‬للأسرار‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ (‬الأسرار‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬ملك‭ ‬للجميع‭)‬،‭ ‬وأبدعت‭ ‬في‭ ‬تنقلاتها‭ ‬من‭ ‬حوارات‭ ‬ومشاهد‭ ‬محيرة‭ ‬ومليئة‭ ‬بالألغاز،‭ ‬وبطلة‭ ‬روايتها‭ ‬الأخيرة‭ ‬فتاة‭ ‬متمردة‭ ‬ومزاجية‭ ‬تدعى‭ (‬فيكتوريا‭) ‬يشاركها‭ (‬الكابتن‭ ‬كروسبي‭)‬،‭ ‬والعميل‭ (‬ادوارد‭) ‬و‭ (‬آنا‭ ‬شيل‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬برعت‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬جو‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية‭. ‬
كانت‭ ‬بغداد‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬وثقافة‭ (‬كريستي‭)‬،‭ ‬والرواية‭ ‬لم‭ ‬تكتب‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة،‭ ‬فهي‭ ‬القادمة‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬عام‭ ‬1928،‭ ‬وفي‭ ‬آثار‭ ‬أور‭ ‬التقت‭ ‬بمنقب‭ ‬الآثار‭ (‬السير‭ ‬ماكس‭ ‬مالوان‭) ‬الذي‭ ‬تزوجها‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭. ‬
ظني‭ ‬أن‭ ‬الحضارة‭ ‬والآثار‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬قد‭ ‬شكلا‭ ‬انطباعاً‭ ‬لدى‭ (‬مس‭ ‬كريستي‭) ‬وتحديداً‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الزوج‭ : (‬أفضل‭ ‬زوج‭ ‬يمكن‭ ‬للمرأة‭ ‬أن‭ ‬تتزوجه‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬آثار،‭ ‬فكلما‭ ‬زاد‭ ‬عمرها‭ ‬زاد‭ ‬اهتمامه‭ ‬بها‭).‬
في‭ ‬الكتاب‭ ‬الأنيق‭ (‬شارع‭ ‬الأميرات‭) ‬وهو‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬لمؤلفه‭ ‬الكبير‭ ‬جبرا‭ ‬إبراهيم‭ ‬جبرا‭ ‬الأديب‭ ‬والرسام‭ ‬والناقد‭ ‬التشكيلي،‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬لحم‭ ‬إلى‭ ‬بغداد،‭ ‬وفي‭ ‬حقائبه‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الثياب،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والأوراق،‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬اللوحات‭ ‬الزيتية،‭ ‬وقد‭ ‬حمل‭ ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ ‬عنوانا‭ ‬لافتا‭ ‬ومثـيرا‭ ‬‮«‬حكايـتي‭ ‬مع‭ ‬أغـاثا‭ ‬كريـستي‮»‬‭. ‬
في‭ ‬أول‭ ‬لقاء‭ ‬جمع‭ ‬جبرا‭ – ‬كريـستي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعـرف‭ ‬أنهـا‭ ‬أغـاثا‭ ‬كريستي،‭ ‬فقد‭ ‬عرفها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ (‬مـس‭ ‬مالوان‭)‬،‭ ‬ولكنـها‭ ‬في‭ ‬الحـقيقة‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬عن‭ ‬لقب‭ ‬زوجها‭ ‬السابق،‭ ‬وسألته‭ : ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬بك‭ ‬إلى‭ ‬بغـداد؟‭ ‬فأجـاب‭ : ‬‮«‬حـب‭ ‬قديم‭ ‬لبغـداد،‭ ‬ومأسـاتنا‭ ‬في‭ ‬فلسـطين‮»‬‭.‬
‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يحدثها‭ ‬عن‭ ‬القدس‭ ‬العزيزة‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيرها،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬شرح‭ ‬الأستاذ‭ ‬جبرا‭ ‬واقع‭ ‬فلسطين،‭ ‬تحدثت‭ ‬كريستي‭ (‬هذا‭ ‬كله‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعرفه‭ ‬العالم‭ ‬وبالتفصيل،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬المؤلفون‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الفظائع،‭ ‬عن‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬ستضع‭ ‬حداً‭ ‬لها‭).‬
تعددت‭ ‬لقاءات‭ ‬جبرا‭ ‬–‭ ‬كريستي‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬و‭ ‬أور‭ ‬وآشور‭.‬
تابعت‭ ‬سيدة‭ ‬الأسفار‭ ‬مواصلة‭ ‬رحلاتها‭ ‬إلى‭ ‬معارج‭ ‬الشرق‭ ‬العظيم،‭ ‬وشاركت‭ ‬زوجها‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬رحلاته‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬ولامست‭ ‬أناملها‭ ‬معظم‭ ‬اللقى‭ ‬الآثرية،‭ ‬وأولتها‭ ‬عناية‭ ‬واهتمام‭ ‬بالغين،‭ ‬وكان‭ ‬الكبير‭ ‬جبرا‭ ‬يلاحظها‭ ‬وهي‭ ‬تحوك‭ ‬‮«‬بولوفر‮»‬‭ ‬كنزة‭ ‬لزوجها‭ ‬لتقيه‭ ‬من‭ ‬البرد‭ ‬خشية‭ ‬تعرضه‭ ‬لقسوة‭ ‬الطبيعة،‭ ‬و‭(‬السير‭ ‬مالوان‭) ‬يستحق‭ ‬الاحترام‭ ‬والاهتمام‭ ‬حيث‭ ‬يصفه‭ ‬جبرا‭ ‬قائلاً‭ (‬يستخرج‭ ‬بعناد‭ ‬المحب‭ ‬شواهد‭ ‬التأريخ‭ ‬وأسراره‭ ‬المحجوبة‭ ‬في‭ ‬الأعماق‭). ‬

اختيار‭ ‬العزلة

أسلوب‭ ‬حياة‭ ‬الكاتبة‭ ‬باختيارها‭ ‬العزلة‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الآثار‭ ‬حيث‭ ‬فضلت‭ ‬الوجود‭ ‬بين‭ ‬الحفريات‭ ‬وتلال‭ ‬التراب،‭ ‬ويذكر‭ ‬الأستاذ‭ ‬جبرا‭ (‬عزلت‭ ‬نفسها‭ ‬بشكل‭ ‬غريب‭ ‬وغير‭ ‬متوقع‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭ ‬المعاصرة‭ ‬وحياتها،‭ ‬لتحيا‭ ‬في‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬والأماكن‭ ‬والشخصيات‭ ‬التي‭ ‬يختلقها‭ ‬خيالها‭ ‬بعيداً‭ ‬عما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬مكاناً‭ ‬وزماناً‭ ‬وأناساً‭).‬
خلقت‭ ‬لنفسها‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬الواسع،‭ ‬وأسكنت‭ ‬فيه‭ ‬شخصيات‭ ‬رواياتها،‭ ‬وعرفت‭ ‬بقابليتها‭ ‬الساحرة‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬عالم‭ ‬الخيال‭ ‬المدهش‭. ‬
انتهى‭ ‬الموعد‭… ‬وأنا‭ ‬أنصت‭ ‬إلى‭ ‬مقطوعة‭ ‬‮«‬القافلة‭ ‬التائهة‭ – ‬معزوفة‭ ‬بغداد‮»‬‭ ‬للموسيقار‭ ‬منير‭ ‬بشير،‭ ‬وهي‭ ‬تحاكي‭ ‬الأماكن‭ ‬وتخاطر‭ ‬الذكريات‭.. ‬
بغداد‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭ ‬الأنيق‭.. ‬قادماً‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬لحم‭ ‬ليعمر‭ ‬داره‭ ‬المهدمة‭..‬
لمَ‭ ‬تأخرت‭ ‬يا‭ ‬سيدة‭ ‬الأسفار؟‭ ‬أين‭ ‬أنت‭ ‬يا‭ ‬مالوان؟‭ ‬
أور‭ ‬وآشور‭ ‬بانتظاركما‭. ‬

كاتب‭ ‬عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية