‘سيد الهاوما’ لعبد الناصر العايد: قراءة تاريخ إشكالي بمنظار روائي

حجم الخط
0

عيسى الشيخ حسنمنذ روايته الأولى ‘ قصر الطين’ صعد الروائي السوري قطار التاريخ، وأقام في محطاته، قارئاً الواقع الجيوسياسي المعاصر، في تأصيله للأفكار والتيارات الناظمة للحياة السياسية والفكرية في منطقة تتعدى الوطن العربي إلى الأقاليم المحيطة التي شكلت فيما مضى أقطار الدولة الإسلامية التي تتجه نحو بغداد عاصمة العالم القديم.

تتخذ رواية ‘ سيد الهاوما’ من القرن الخامس الهجري الذي يقابل القرن الحادي عشر الذي يعتمده الراوي في إسناد أحداث روايته، فيأخذ من حياة قائد الحشاشين حسن الصباح مجالاً حيوياً للرواية التي تبتكر فضاء متخيّلاً، ترتبط إحداثياته بحيوات افتراضية تشهد مولد قائد الحشاشين، رسمها المؤلف فوق أنقاض حدث تاريخي لا تكاد حجارته المبعثرة تبين عن ملامح أبطاله الذين حركوا التاريخ المتعب، وحكوا جلده الشائخ، ونثروا حجارة ناتئة في أرضه الملساء.

البطل حسن الصباح ابن أسرة فقيرة تقيم على هامش الحياة، ولكنها تمتلك نزوعاً حادّاً نحو الصعود، الصعود الذي اجتمعت عليه رغبة فريدة للأب الصفّار ( مبيّض النحاس) الفقير المهمّش، ورغبة الجماعة المتمثّلة في النزوع الفارسي في العودة إلى الحياة الدينية السياسية السابقة، الأب العضو في تنظيم سرّي ‘ مجلس الحكماء’ يبثّ في روع ابنه المراهق تعاليم الزرادشتية وأحلام الفرس في الانسحاب من الدولة الإسلامية التي كانوا عمادها الأول قبل مجيء الأتراك إلى الحكم بعد خلافة المأمون، مصوراً بقايا الصراع الفارسي التركي على النفوذ في حكم، لم يبق فيه للخليفة العربي سوى الدعاء على المساجد.

في فضاء زمني مرتبك، نائس بين البشارات والنذُر، تحكم مستطيلاً جغرافيّاً من أقاصيه في الشرق إلى أقاصيه في الغرب حركات سياسية واجتماعية مختلفة، تتطاحن في الشعوب، وتتساجل فيه الأفكار، وكأن محصل كل هذه الصراعات سينتج عن الصفر الحضاري الذي دونه المغول في شهادة عابرة غسلوا فيها جلد الأرض من بقايا ما كتب، ولم يبق إلا حكايات فقيرة يعيد إنتاجها الحاضر.

من الغرب الموعود باضطرابات الموحدين والتي تعيد إنتاج صراع العرب في العدوة القصوى والبرابرة في العدوة الدنيا، إلى صراع أهل البلد المصريين مع الفاطميين الذين نقلوا ساحة دعوتهم غرباً بعيداً عن المركز الذي يحتفظ بقوته، إلى صراع الإمارات العربية الصغيرة المتناثرة حول المركز، إلى صحن فارس المنشدّ إلى أفق جديد، تكتبه على مهل أسر جديدة تسلقت التيارات والأفكار وتناوبت عرش بغداد المشرع للأقوياء، إلى الشمال الشرقي حيث الترك أقوياء الشكيمة الذين وجدوا الطريق إلى بغداد سالكاً، منذ أن اتخذهم المعتصم حماة الدولة الجدد، إلى المغول شرقاً الذين يستعدون لإنهاء المشهد كلّه، فيما محمود الغزنوي يضيف إلى دولة الإسلام بلاد الهند.

تتصارع المذاهب الفقهية والفرق العقائدية، تتناسل الملل والنحل، تنتج المدينة الإسلامية متنها وهوامشها، وترحل العاصمة أبداً نحو الشرق نحو تبريز فخوارزم فسمرقند أخيراً درة مدن الشرق؛ المدينة التي نجت من دمار المغول لتكون وارثة أمجاد الشرق.

وأمام شخصية إشكالية تسللت من التاريخ إلى الحاضر في إهاب مذهبي، تختلف الرؤى، رؤية المتن الصارمة في اتجاه كلّ مَن يشق عصا الطاعة على الجماعة التي ما زالت حواضرها الأساسية ترتدي لبوس المتن، أمام شخصية إشكالية يفتح عبد الناصر العايد صُرة المتخيل كسارد محايد لأحداث محتملة.. تشرح الموجز التاريخي الذي تناول حياة الحشاشين، في معالجة فنية تمتزج فيها علوم الجغرافيا بالطبوغرافيا، وتلتبس فيها الأحداث بالأسطورة، ويتوسّل الروائي السردي بالشعري. في خطاب روائي في المقام الأول، ولكنه يستدرج الأمكنة و الأزمنة والأفكار إلى محكمة، يرتبها الراوي مستمداً من شخصية إشكالية فرصة قراءتها من جديد.

في مسرد روائي يجدل ضفيرتين متغايرتين في الزمن متناوبتين في السرد، ينسج العايد حكاية سيد الهاوما، الزمن الحاضر يتجول في أروقة المكان، وزمن الذكريات القادم من أيام الطفولة منساباً بانتظام ليلتقي مع النصف الثاني كجدولين يقتسمان المكان قبل أن يتحدا في الأمتار الأخيرة نحو البحر.

وإذ يستعير الكاتب هذا الحيز الزمني ليحاكم واقعنا المرتبك، فإنه يخدع قارئه في لعبة الإسقاط، مشيراً إلى أكثر من وجه وهو يتمثل سيرة دون أن يركن إلى المسمّى المقابل للشخصية، الشخصية التي ألبسها الراوي أكثر من قناع.

حسن الصباح ابن عائلة فقيرة، يأخذه والده إلى نيسابور مدينة العلم، مصطحباً معه ‘ رسائل إخوان الصفا’ وهناك يلتقي بصديقيه نظام الملك وعمر الخيام الفارسيين، قبل أن تتفرق بهم السبل والأفكار والمصالح، ويعود الصباح إلى أسرته التي فقدت عائلها، ليجد الخيام نفسه وريثاً لأبيه في مجلس الحكماء، ماشياً دروب دولة الإسلام من فارس إلى العراق والشام إلى مصر فالشام ففارس من جديد، طريداً وجد في قلعة الموت ملاذاً آمناً من هجمات السلاجقة، إذ تتكفّل الرواية بالقول التاريخي. حيث الصراعات الطائفية ـ القومية، ممتزجة ومفترقة، في الفتن التي تشهدها بغداد التي باتت ساحة صراع مذهبية، كنتيجة طبيعية للصراع القومي على السلطة بين الفرس والترك ( السلاجقة)، فيما الطرف العربي يتفرج ويصفق للمنتصر.

ويبدو واضحاً امتزاج النزوع الفارسي عند الحسن الصباح ـ رغم أصوله العربية إذ ينتمي إلى قبيلة حمير ـ مقترناً برغبة في الانفصال عن الدولة الإسلامية، في لبوس مذهب جديد متطرف مفارق لمذهب المركز، وبهذا فإن الصباح في دعوته يؤسس لقطيعة تامة مع المركز، ومن هنا فالرواية تسجل لتوافق بين نزوعين ( مذهبي ـ سياسي) وطموحين ( فردي ـ جماعي) طموح الصباح الفردي بالزعامة وطموح بني قومه الفرس ببعث أمجادهم وذلك باتخاذ مسالك جديدة، يحرص الكاتب على مقاربتها روائياً باعتبارها المؤسس للعمل السري الذي لا يزال قائماً، حيث تنتشر عمليات الاغتيال الفردية ـ العمل الفدائي ـ العمليات الانتحارية، وتجد الحركات في تعاطي الحشيش مبرراً غامضاً، مستفيداً من الأخبار المتناثرة في بطون كتب التاريخ ليرسم حياة مكتملة لشخصية الصباح، ويراها بنظارة فرويد، بعقدها وغرائزها وطموحاتها، واضعاً إصبعه على البيئة التي أنتجت التطرف وأدواته.

وفي حين يبدو السارد بريئاً من شبهة التعريض أو الإسقاط، لا يمكن للقارئ إلاّ أن ينجرّ إلى لعبة المقارنة، فالتيارات الدينية والمذهبية المتناسلة والمختلفة ما زالت تعيش اختلافها، وتمتلك الإرث القديم، وتوجه بوصلتها نحو الحياة والمعاصرة بذات الجهة، وكأن الإرث والثأر متلازمان وجد كلّ منهما نسغ حياته في الآخر، في حين تتوالى مشاهد التجاذبات السياسية بين الأطراف الفاعلة في المشهد، كما هو الأمر أيام حسن الصباح، سيد الهاوما ‘ تلك العشبة التي تمنح السعادة الفائقة’، عشبة الحشيش التي تنمو حتى الآن على تخوم الحركات العقائدية المتطرفة.

في اللامركزية التي تنظم حركة المجتمع الإسلامي السياسية والدينية والاجتماعية، على أرض تمتدّ من إسبانيا حتى آسيا الوسطى، وذلك في القرن الخامس الهجري، تنمو الفوضى ( الخلاقة). إماراتٌ تولد وأخرى تموت، أسر تصعد وأخرى تفنى، مجاعات وفتن، سجالات وغزوات، وبين كلّ هذا تبزغ نجوم شعراء ومفكرين وفلاسفة وأطباء وقادة موهوبين. في هذا المصهر العظيم تمازجت شعوب كثيرة، تبادلت أدوار القوة والضعف وأنتجت مدنيّة رائعة رغم أنها لم تحافظ عليها، حين أنهى المغول ذلك المشهد العظيم، المشهد الذي اقتبس منه عبد الناصر العايد روايته ‘ سيد الهاوما’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية