سيران ارهابي إلي السفارة الأمريكية بدمشق: الفضائية السورية تستخدم الري بالتنقيط إعلامياً!

حجم الخط
0

حكم البابا

أظن ـ والله أعلم ـ بأن إرهابيي دمشق التلفزيونيين الذين قاموا بالهجوم علي مبني السفارة الأمريكية فيها يعتمدون المذهب الارتجالي في الإرهاب، فعلي عكس التخطيط والتنظيم المثيرين للدهشة اللذين تميزت بهما عملية تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك، من حيث اختيار الهدف، واعتماد الأسلوب والسلاح المناسب للهجوم عليه، ودقة وسرية تنظيم العناصر التي نفذت العملية، تبدو عملية الخلية التلفزيونية الارهابية ضد السفارة الأمريكية في دمشق ارتجالية وعشوائية، حتي لتظن أن عناصرها كانوا في سيارتين متجهين لتنفيذ سيران سلمي في بلودان أو الزبداني، والجلوس علي ضفة بردي وطبخ المجدرة وشرب الشاي، ثم خطر لهم في آخر لحظة أن يغيروا مكان سيرانهم، فيذهبوا إلي الجنة بدلاً من أحد مصايف دمشق، ويجلسوا علي ضفة نهر الكوثر بدلاً من ضفة بردي، ولأنهم كما أظن كانوا بالصدفة يمرون قرب السفارة الأمريكية بدمشق، فقد اختاروها وبشكل ارتجالي هدفاً، ولأنهم أساساً كانوا ذاهبين في سيران، ولم يكونوا يقصدون القيام بعملية إرهابية، فقد كان عتادهم الذي استخدموه في عمليتهم الارتجالية من النوع الذي ينتمي إلي معدات المطبخ من قناني غاز ومدقات ثوم وأجران كبة وغيرها، أكثر مما ينتمي إلي السلاح الحقيقي، ولأن هذه الخلية الارهابية قررت ونفذت عمليتها الارهابية بشكل ارتجالي ولم يصدر أي تنظيم إرهابي عالمي أو إقليمي أو عربي أو محلي بياناً يتبني العملية، ولأنه ما من تنظيم إرهابي لديه فائض في العناصر بحيث يرسل أربعة عناصر وليس عنصرين في سيارتين مفخختين للقيام بعملية إرهابية، ففكرة السيران الذي تحول ارتجالياً إلي عملية إرهابية، أقرب إلي المنطق وأدعي للتصديق من فكرة العملية الارهابية المنظمة والمخطط لها مسبقاً، ولأن أعضاء الخلية الارهابية كما أظن من محبي متابعة أعمال المخرج السوري مأمون البني، فقد قاموا بتنفيذ عمليتهم مستلهمين أسلوبه الاخراجي لمشاهد المعارك في مسلسله سيف بن ذي يزن، من حيث رداءة الأداء وبدائية الاخراج وفقر الخيال وبخل الانتاج وأخطاء الميزانسين، وهو الشيء الأكثر وضوحاً في هذه العملية الارهابية.

فكل التفاصيل الأخري للعملية وللخلية التي قامت بها وللتنظيم الذي تتبع له وللهدف الحقيقي منها، تحتمل التأكيد أو النفي كما ظهر في كل كلام المحللين السياسيين الذين لعبوا لعبة الطرة والنقش (الملك والكتابة بلهجة إخواننا المصريين) لتفسير العملية علي كل شاشات القنوات الفضائية العربية، وخاصة بعد مقتل ثلاثة من الأربعة الذين قاموا بتنفيذ العملية أثناء حدوثها، ووفاة الرابع في المشفي قبل أن يدلي بأي اعتراف، ولذلك استخدمت كلمات مثل أظن والله أعلم في اجتهاد لتركيب سيناريو افتراضي للعملية الارهابية، والشخص الوحيد الذي استطاع الاطلاع علي محاضر التحقيق التي أجراها أنكر ونكير مع قتلي العملية الارهابية الثلاثة أثناء حدوثها هو المحلل السياسي السوري أيمن عبد النور، وبفضل إطلاعه علي اعترافات الارهابيين الثلاثة أمام أنكر ونكير، أعلن من علي شاشة قناة الجزيرة ـ والعملية لا تزال مستمرة ـ بأن الارهابيين ينتمون إلي تنظيم إرهابي تكفيري، ولاخفاء مصادر معلوماته التي تنتمي إلي العالم الآخر برر معرفته بهوية الارهابيين الثلاثة بصدفة تواجده في منطقة قريبة من العملية، وسماعه لهتافات الارهابيين الدينية، كما لو أنهم كانوا يقومون بمظاهرة أمام السفارة الأمريكية وليس بعملية إرهابية تستهدفها، ولا أريد هنا أن أحاججه لأثبت بأن أنكر ونكير سربا له محاضر تحقيقاتهما السرية مع القتلي الثلاثة، واطلعاه علي اعترافاتهم بشكل شخصي دوناً عن كل البشر، فأسأله عن وصفه للمجموعة الارهابية بالتكفيرية وليس بالأصولية مثلاً، وأسأله أيضاً لماذا قرر بأن المجموعة دينية (خاصة وأن سيرة اللحي الطويلة أو الجلاليب القصيرة لم ترد في أي شهادة عن العملية، كما لم يذكر أحد بأن سيارتي الارهابيين كانتا محجبتين باعتبار كل واحدة منهما تنتهي بتاء التأنيث) وحجب بتأكيده علي انتماء المجموعة الديني، شرف الهجوم علي السفارة الأمريكية عن أكبر عدو للامبريالية الأمريكية في العالم، المتمثل في الحزب الشيوعي السوري البكداشي (نسبة إلي زعيمه السابق المرحوم خالد بكداش والتي حصلت زوجته علي زعامتها له كجزء من عملية حصر إرثه بعد وفاته) والذي ينافس جبهات تنظيم القاعدة المفتوحة ضد الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق وغيرهما، بجبهته المفتوحة والصاخبة عليها عبر صفحات جريدته نضال الشعب، وهو الاحتمال الأقرب للمنطق، أولاً لأن سياسة الحزب الشيوعي البكداشي تنتمي إلي الفكر التكفيري، وثانياً لأن فشل العملية يتماشي مع سيرورة تاريخ هذا الحزب، وأذكر السيد عبد النور فيما لو فكر بمماحكتي بقصة الهتافات الدينية بأن لحظة مواجهة الموت تجمع المؤمن والملحد بتذكر الله!

من المعيب فعلاً ماعلق به المحللون السياسيون السوريون عبر شاشتي الجزيرة والعربية علي العملية وهي لا تزال مستمرة، والذين استخدموا أسلوب العشاق الذين يمسكون بوردة محتارين ويحاولون عن طريق نزع أوراقها معرفة ماإذا كانت فتيات أحلامهم يحببنهم أم لا، وهم يتحزرون عن الجهة التي ينتمي إليها أفراد المجموعة التي قامت بالعملية، ويستخدمون طريقة مكفوفي البصر في عبور شارع، في تخيلهم لسيناريو مجريات العملية، ويصلون جميعاً بطريقة من يقرأ تعميماً مكتوباً، إلي نتيجة مفادها أن سبب العملية هو السياسة الأمريكية في المنطقة، في حين خرج وزير الداخلية السوري بعد كل ماقدموه من خيوط ربطوها وعقد حلوها وخفايا اكتشفوها وودع ضربوه وفناجين قهوة بصروها وفال فتحوه ومندل ضربوه، ليبخعهم جميعاً ويعلن أنه لا توجد لديه معلومات كافية عن العملية!

لكن المعيب أكثر هو استلهام الفضائية السورية لطريقة الري بالتنقيط التي يعمل بها في المجال الزراعي إعلامياً في متابعة الهجوم الارهابي علي السفارة الأمريكية بدمشق، فبعد أكثر من ساعة علي بدئه، وبعد أن سمعنا في الجزيرة والعربية قراءة أيمن عبد النور للغيب، وارتباك الدكتور ابراهيم الدراجي في تقديم إجابة علي أي من الأسئلة التي وجهت له بحجة أنه ليس خبيراً أمنياً، واستعراض الدكتور محمد حبش لمعلوماته الجغرافية عن حي السفارات في قطر والسعودية، ورد الدكتور مهدي دخل الله علي ما لم يقله محمد حبش وإصراره علي تقويله إياه، وسرد للدكتور فيصل كلثوم لتاريخ صراع سورية مع الارهاب، ومنح مذيعة قناة الجزيرة لينا زهر الدين درجة الدكتوراه للصحافي فايز سارة، وإعادتها تنصيب الدكتور فايز الصايغ مديراً عاماً لمؤسسة إعلامية، والإطلالة الصوتية التقليدية التي لا غني عنها للدكتور عماد فوزي الشعيبي، بعد كل ذلك ظهر سطر خجول علي شاشة الفضائية السورية، أشبه بطفل يتيم باكٍ بعد علقة ساخنة تلقاها من زوجة أبيه الشريرة، يقول بعد كلمة عاجل التي كان من الأفضل استبدالها بكلمتي صح النوم: قوات مكافحة الارهاب تجهض عملية ارهابية قامت بها مجموعة مسلحة حاولت اقتحام مقر السفارة الأمريكية بدمشق، ثم بعد دقائق ظهر سطر آخر كما لو أنه الشقيق الأصغر للطفل اليتيم الباكي، وقد تلقي هو الآخر علقة ساخنة من نفس زوجة الأب الشريرة يقول: الارهابيون يستخدمون سيارتين إحداهما مفخخة أوقفوها أمام باب السفارة الأمريكية بهدف تفجيرها والعناصر المختصة تفكك العبوة وجهاز التوقيت، وبهذه الطريقة التنقيطية استمر ظهور الأشقاء اليتامي الباكين لهذه الأخبار علي شاشة الفضائية السورية، إلي أن أطلت مذيعتها المهيب الركن كنانة حويجة فيما سمي بثاً مباشراً من استديو الأخبار لتعيد قراءة ما ظهر علي شاشة الفضائية السورية لما سمي أخباراً عاجلة بعد أكثر من ساعة ونصف علي تداولها في محطتي الجزيرة والعربية.

واليوم لو طلب مني بعد مرور أسبوع علي الهجوم الإرهابي الذي استهدف السفارة الأمريكية في دمشق، أن أوضح ما جري، بعد متابعتي لكل تغطيتها التلفزيونية في القنوات الفضائية العربية وأولها السورية، لما استطعت أن أركب إلا جملة مترابطة، هي أنه حدثت حادثة وأطلق رصاص، ثم ضرب أحدهم المصباح الكهربائي فأظلمت الدنيا، ولم نعرف ما حدث بعدها، ولذلك فصيغ التعبير المناسبة لوصف ما حدث لا يجب أن تستغني عن استخدام كلمات مثل أظن والله أعلم!! كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية