عثمان عوضبعد خمسين عاماً من الشتات في أصقاع مدن أمريكا اللاتينية ها أنذا أعود مرة أخرى لهذه المدينة التي ولدت فيها …تمضي السنوات مسرعة كلمح البصر، كم هي قصيرة حياتنا في هذا العالم …بعد أن صفيت أعمالي في سانتياغو وتبرعت بمكتبتي الضخمة للمكتبة العامة بالمدينة، وكتبت وصيتي وهيأت نفسي لأدفن هنا في هذه البلاد التي احتضنتني طيلة الخمسة عقود الماضية ورتبت لنفسي مقبرة منذ عشرسنوات لكن يبدو أن قابض الأرواح نسيني لحين..رسالة واحدة من خمسة أسطر من حفيدي الصغير غيرت كل مجرى حياتي وقدمت مباشرة إلى هنا دون تردد، فقد طلب مني أن أعود إلى لندن لحضور زواجه قال لي أن طلبه هذا هو أمنية حياته الوحيدة، لم أخيب ظنه ورغبتأن أدخل الفرحة في نفوس هذه العائلة…هكذا هم البشر حالمون برؤية الشخص الغائب حتى لو كان إنسانا ضالا مثل حالتي…لقد فرحوا بقدومي بشدة وذرفوا الدموع وأقاموا حفلا صاخبا ذلك المساء في منزل العائلة الكبير في ضاحية ريتشموند غرب مدينة لندن، في يوم الزواج قدمت لهم هديتي تذاكر سفر وشهر عسل في فندق خمسة نجوم على شواطئ كوكوبانا الخلابة قلت لحفيدي مازحاً:(أرجو ألا تطيل غيبتك مثلما فعل جدك) ضحك ومعه الحضور وقال لي:- سأعود حتى أكمل حديثي معك الذي لم يكمل بعد ونواصل تدوين مذكراتك …كنت محتاجا لشهر حتى أستوعب عودتي المباغتة لهذه المدينة ومحتاجا لعام كامل حتى أحفظ أسماء الأهل والأقارب والأصدقاء الذين ظلوا يتوافدون على البيت لرؤيتي كأنني عائد من الموت وليس من سفر طويل إمتد لعقود وأصبحت كالمزار يأتيه المريدون من كل صوب، هرمت الذاكرة وأصبحت لا تحتمل حفظ كل هذه الأسماء تداخلت عليها لغات عدة أسبانية وبرتغاليةولغة الهنود الحمر أصبحت أجيد تلك اللغات أكثر من الإنجليزية لغتي الأم….تذكرت تلك العرافة العجوز العمياء التي صادفتها في احدى أزقة بوغوتا العتيقة بمجرد أن ألقيت عليها التحية حيتني باسمي كأنها تعرفني من قبل قالت لي بلا مقدمات:- قدرك يقول أنك ستعود لبلادك البعيدة هناك مرة أخرىقلت لها بدهشة بعد كل هذه السنين الطويلة؟- نعم بعد كل هذه السنيين الطويلة ..وواصلت كأنها تريد فك طلاسم الحيرة من على ذهني بقولها :- هكذا تقول صفحة قدرك ومستقبلك وليس تأويلي …لن تدوم الرحلة هذه المرة مدة طويلة مثلما جئت المرة الأولى على ظهر سفينة …قلت لها: مثل مصيرنا في هذه الحياة نأتي بعد مخاض وننسحب بهدوء وبسرعة فائقة…أسبوع كامل لم أغادر البيت وكنت مترددا في زيارة مكان واحد ظل محفور في ذهني لزمن طويل وهو المكان الذي فقدت فيه زوجتي حياتها بسبب حادث سيارة طائشة …لم يغب ذلك اليوم عن ذاكرتي كنت أجلس في انتظارها في متجري بوسط المدينة لكنها لم تحضر حسب الموعد المتفق وأعلم أنها تقدس الزمن ولا تتأخر إلا بسبب أو مانع يحول دون قدومها، إنتابني نوع من القلق والريبةقفلت المتجر وعدت مسرعا صوب المنزل وعلمت بعدها بنبأ الحادث الرهيب، حزمت أمري للخروج وحيداً لزيارة مكان الحادث وإن كانالمكان قد طرأ عليه تغييرات كثيرة إلا أنه حافظ على شكله العام تذكرت تفاصيل ذلك اليوم كأنه كان بالأمس القريب شيء فظيع أن تفقد حياة إنسان عزيز عليك تكتوي على ذكراه طول حياتك ..بعد تلك المأساة التي حلت بي ونهاية الحرب العالمية الثانية المجنونة كنتمكتئبا لدرجة أنني فكرت في الانتحار أو مغادرة هذه البلاد ..كنت بحاجة لمغامرة تنسيني ذلك الواقع البغيض فرجحت كفة الهجرة على كفة الموت، لا أدري هل كان قراري ذلك جبنا وخوفا أم هو تشبث بالحياة وإن كانت لا تستحق أن نتمسك بها لذلك الحد طالما النهاية كانت معروفة…..بعد أسبوع أقفلت المتجر وصفيت أعمالي وأوكلت على عجل مهمة تربية أولادي لشقيقتي الصغرى التي كانت تحبهم جداً وتركت لها ما تبقى من ثروتي وقلت لها:- إني سأغادر هذا البلد وسأترك لك مهمة تربية الأولاد ولا أدري هل سأعود أم لا…- إرحل ولا تحمل همهم وتعرف أن لو كان لي أولاد لن أحبهم أكثر من أولادك فهم كل حياتي ..بعد أسبوع ركبت سفينة كانت متجهة صوب فنزويلا وبعد شهرين من الإبحار وجدت نفسي في مدينة كاراكاس، ومنها اتجهت صوب تشيليحيث أقمت هناك لمدة خمس عقود وتنقلت بعدها ذهبت لجزر الكاريبي بسبب العمل أو الزيارات المتكررة لكن ظلت سانتياغو المدينة المحببة إلى قلبي، حضرت فيها أحداثا هامة جداً من تاريخ تشيلي السياسي أثرت فيشخصيتي مثل حدث إنقلاب العسكر على حكومة سلفادور الليندي المنتخبة من قبل الشعب وخطابه الأخير المؤثر الذى ألقاه على مسامع شعبه …..منذ الصغر كنت مسكون بعشق الموسيقى وأصبحت مغرم بالسالسا وأجيد الرقص مثل أى محترف وأتاحت لي فرصة وجودي في أمريكا اللاتينية الإطلاع على تلك العوالم الصاخبة والرحبة عن قرب …..عاودني حنين جارف لسماع تلك الموسيقى الحالمة في نادي سالسا في شارع جارنغ كروس روود في وسط لندن، كان النادي يضم روادا من مختلف الأعمار ومن حسن حظي كان هناك البعض في مثل عمري، طلبت مني إمرأة أربعينية أن أشاركها الرقص وعلمت فيما بعد أنها من بورتريكو وللأمانة كان جمالها مثيرا للدهشة والإعجاب قلت لها :- من قال لك أنني أجيد الرقص ..- ردت بضحكة بريئة :- لا يمكن أن تتكبد عناء الحضور إلى هنا لو لم تكن محترف فن الرقص وواصلت: سمعتك تتحدث الإنجليزية قبل قليل وكنت تغني بالبرتغالية مع ويلي ريفيرا والآن تخاطبني بالإسبانية من أين أنت ؟- قلت لها بابتسامة: هل تابعتي كل هذه المشاهد دفعة واحدة .. ماذا أقول لك؟آه … حكايتي شرحها يطول، أنا من هنا ومن هناك في نفس الوقت هل فهمتي قصدي؟ودعتها بعد أن تركت بقايا عطرها النافذ وأنفاسها في روحي، أما تفاصيل جسدها الساحر فسر عظيم لن أبوح به الآن، سأنتظر حتى يأتي حفيدي ويدون هذا الفصل الهام في الباب السابع من مذكراتي ( خمسة عقود في الكاريبي ) ……خرجت من النادي وفي الطريق كانت أذناي تطربان لسماع صدى موسيقى السالسا وإيقاعاتها الشجية …