سيرة روائية غير عادية في ليلة ممطرة : حينما يتحدث حنّا مينه عن الكتابة والحياة والحرية

حجم الخط
0

سيرة روائية غير عادية في ليلة ممطرة : حينما يتحدث حنّا مينه عن الكتابة والحياة والحرية

عمار عونيسيرة روائية غير عادية في ليلة ممطرة : حينما يتحدث حنّا مينه عن الكتابة والحياة والحريةكان عليّ أن أبذل قصاري جهدي لملاقاته في تلك الليلة الغائمة التي كانت تلقي بأردية السّحب الكثيفة علي تونس العاصمة وتشيع في تخوم الخواطر الباهتة ألوانا من الصمت والشجون والأسئلة الحارقة، وقد كنت أعلم أنه ربما سيسافر من الغد عائدا الي دمشق . تلك الليلة التي نزل المطر فيها بغزارة من ليالي الربيع الأخيرة في أواخر شهر نيسان (ابريل) قبل حوالي عشر سنوات، وكان الذي أسعفني الحظّ بالجلوس اليه الكاتب والروائي السّوري الكبير حنّا مينة وكان قد حل وقتها ضيفا علي معرض تونس الدولي للكتاب.الرواية وسيرة كاتب:كنت قبل الجلوس اليه ومحاورته في قضايا الأدب والإبداع الروائي وهموم الكتابة استحضرت في مخيّلتي مشاهد سرديّة خاطفة لبعض أبطال رواياته ومغامراتهم، زكريا المرسلني في الياطر وروسي في الشراع والعاصفة …. وكانت تنبجس من ذاكرتي صور مندفعة للبحر والعواصف والسفر ومغالبة أقدار الحياة ومواجهة أخطار الضياع والموت ولم تكن تلك الصور سوي أشتات من الذاكرة وأصداء باهتة لبعض نصوصه الروائية المرعبة التي تيسّرت لي قراءتها أيّام الطفولة والشغف بالقراءة والرغبة الجامحة في السفر الي الآفاق البعيدة.وممّا أذكر في هذا السياق أنني هاتفته من بهو الفنـــدق الذي كان يقيم فيه، وكان ينزل في غرفة من غرف الطابق الخامس، وقد قبل أن أحاوره بكل ترحاب وتواضع قلّما توفرا في سائر الروائيين والشعراء، وذلك رغم التعب الذي كان يبدو علي ملامحه وفي الوقت الذي كان فيه الشطر الأول من الليل يوشك علي الانقضاء.بين الغربة والكتابة والحياة:لعلي أذكر أنه جلس قليلا الي الطاولة الصغيرة التي تتوزع فوقها بعض الروايات والأوراق، ثم أخذ سيجارة وأشعلها ثم طفق يدخّنها للحظات . نظر اليّ صامتــــــا ثم استأذن في الذهاب لفتح نافذة الغرفة حيث كانت الأمطار تغطي ببياض سيولها الأبنية والشــــوارع وتتلاشي في ظلالها الأضواء البعــــيدة الخافتة، وكان ايقاعها المنتظــــــم يبعث في النفس هدوءا رائعا يوحي بعظمة الكون الكبير وأسرار الحياة والموت والصمت والألم هناك في الآفاق القريبة البعيدة، وكان ان استرسل في متابعة مشهد المطر بضع دقائق ثم عاد وجلس قبالتي وأخذنا في الحديث الذي تطرّق الي مسائل عدّة تصبّ في صميم بواعث الكتابة والإبداع الروائي وعلاقة النصوص الروائية بسيرة الذات وأوجاعها وقضايا المجتمع وهموم الانسانية.وفي خضم الأشتات التي أستحضر بعضها أذكر أنه قال ردّا عن سؤال يتعلق بعلاقته بالكتابة: جئت الي الكتابة غريبا… حيث ولدت بالخطأ وكتبت بالخطأ. وقد عشت طفولتي في الشقاء ومواجهة آلام الحياة. لم أكن أعتقد انني سأصبح كاتبا في يوم من الأيام لذلك اقترنت الكتابة الروائية عندي بالغربة .. ولعل مما ذكر في سياق استرجاع مفاصل من سيرته الذاتية: واجهت الحياة منذ صغري. وكان عليّ أن أشتغل لأعيل أمي واخوتي … وكان علي أن أحمل أدباش وأمتعة الميسورين في المحطات لقاء دريهمات يجود بها بعضهم … وكما كان علي أن أتنقل فيما بعد بين مهن كثيرة وأخوض مغامرات خطيرة، كنت أري الموت فيها كل لحظة، من ذلك اشتغالي حارسا بمقهي للمقامرين بلواء اسكندورونة حيث كان عليّ أن أجلس طوال الليل فوق حائط كبير للمراقبة. وكنت مهددا بالموت إن غفلت لحظة… ..الكتابة الإبداعية والحرية:لا أبالغ حينما أقول ان ذلك اللقاء ظلّ حاضرا في ذاكرتي الي الآن، كما أنني لا أبالغ عندما أجزم أن الحديث الذي جري خلاله كان أكثر الأحاديث الصحافية التي أجريتها متعة وصدقا وصفاء. وقد كان محدثي يصمت أحيانا، فتستقر قطرات المطر علي الجدران وتتكسر أطيافها فوق الأضواء الباهتة فترتدّ أصداؤها أسئلة ضائعة في سكون الليل الهائم بالنوافذ البعيدة، لحظات وكأنه يخاطب نفسه أو يسترجع بعض الصور من الذاكرة المترعة بعذابات الرحيل ومواجهة الأقدار العاصفة في العالم الأرضي الضّاج ّ بالآلام والمنافي والجوع وصور الضياع الانساني المرير.ما علاقة الكتابة بالحرية؟ وأي مشروعيّة للقول بأن وعي الكاتب عموما والروائي علي وجه الخصوص بقيمة الحرية شرط أساسي للارتقاء بالنصّ الي أرفع مستويات الابداع الادبي والسمو الانساني؟ قال حنّا مينة في هذا السياق التساؤلي: الحرية شرط أساسي للكتابة والابداع، فبلا حرية لا يمكن للكاتب أن يبدع. وفي عالمنا العربي يتحدثون عن توفر الكثير من الحريات… لكن أعتقد أن الحريات الموجـــــودة في العالم العربي لا تكفي لاشباع نهم كاتب عربي واحــــــد، والكاتب بطبعه يسعي الي تجاوز الحواجز والعراقيل بأساليب وطرق مختلفة إلا أنه لا بد من مواصلة النضال في هذا الطريق الطويل والشاق .لكن ماذا تمثل الكتابة الروائية بالنسبة الي الكاتب الروائي الذي يسعي الي بناء عالم روائي أكثر طموحا واشراقا وذي آفاق انسانية أرحب؟ هكذا كانت اجابة صاحب المصابيح الزرق و الشمس في يوم غائم بعد أن صمت قليلا، وتلاشت أصداء رؤياه في بقايا قطرات المطر المنكفئة في انكسارات حزينة خافتة: ماذا كان علي أن أفعل في ظل مجتمع اكتوي بناره سوي الكتابة؟ الكتابة هي الأمل والشراع نحو الغد الأفضل… لقد جئت الي الكتابة من رحم الفقر والتشرّد والضياع واكتشفت من خلالها أفقا أوسع للكفاح والنضال… .. ومما أضاف في هذا النطاق قائلا: الحياة ليست إلا كفاحا ونضالا في البرّ والبحر مثلما قالت روسي بطلة روايتي الشراع والعاصفة لذلك علينا جميعا أن نكافح ولا نخاف الحياة لأنه ليس فيها ما يخيف .إن الحياة نعمة كبري وهي جديرة بأن نعيشها وأن نكافح فيها في سبيل المستقبل الأفضل والأحسن ..السّرد والأفق الرّوائي البعيد: أنا لم أمت في العاصفة أيها البحر ! قاومت القرش وعروس البحر… .. هكذا كشف البطل الروائي منذ بداية الأحداث في مطلع رواية المرفأ البعيد عن موقفه المتّسم بالجرأة والتحدي واختيار المواجهة وكأنه يذكّر البحر بمغامرات سابقة وضعته فيها أقدار الحياة في مواجهة الموت .هذا الموقف الذي يتكرر في نصوص روائية أخري وبصور متشابهة لا ينفصل في الحقيقة عن التجربة الذاتية للراوي، بل إننا نقف في مفاصل مختلفـــــة من روايات حنا مينة علي تطــــــابق في الرؤية والبطل الروائي الأمر الذي يحيل علي ائتلاف حميمي بين السيرة الذاتية للراوي وبين التجارب السردية للأبطال الرّوائيين. الاّ أن حضور التجربة الذاتية للراوي في هذا المجال السردي لا يلغي واقعية النص الروائي إنما يثريها ويزيد حضورها توهّجا، ففي رواية الشراع والعاصفة التي تجري أحداثها في ظل مناخات الحرب العالمية الثانية نلمس دوران السّرد حول المعاناة الحياتية لفئات اجتماعية مختلفة من أبرزها هموم عمال البحر في مرافئ اللاذقية مثلما قدّم لنا المشهد الروائي استحضارالطّروسي لواقعه المعيش القاسي: استنشــق رائحة البحر ورنا الي الأفق البعيد واستعرض عيشه النّكــــــــد علي هذه الصخور وحياته الخالية من كل ما يبهج وينشط … ما أجمل ماضيه ! أيعود مرّة أخري الي ماضيه؟ أيستأنف البحّار رحلته بعد انقطاع.. .(1).لكن من خلال المآسي الاجتماعية المتجلية عبر مفاصل النص الروائي يظل الراوي متشبثا بالأمل والتفاؤل بتغيّر الأوضاع في المستقبل مثلما لمسناه في موقف نديم من رفع البؤس عن الشيخ أبي محمد: القضية ليست قضية فرد بل مجتمع، ينبغي اصلاح المجتمع (2). كما ان اندراج السرد الروائي في نطاق السياق الواقعي المشجون بهموم المجتمع وقضاياه الحارقة لا يحول دون رنوّه الي الأفق الانساني المفتوح تلمّسا للمعاناة البشرية في أبعادها المطلقة: العاشقون مثلا، والمغتربون، والمحزونون وكل الذين نأت بهم الدار عن الدار هؤلاء جميعا لا يرون بعيونهم فحسب بل بقلوبهم أيضا.القلب هو الذي يتلفت الي الأشياء مذ تغيب الأشياء وحين يتلفت القلب تتبدي له التهاويل صورا مجسّدة علي لوحة الفضاء وتتداعي الرؤي التي ناداها ببوح الشوق، وتنبعث الذكريات مدفوعة بالحنين الذي لا يقاوم فيغيب عن واقعه… (3).كاتب وصحفي من تونسالهوامش(1) الشراع والعاصفة: دار الآداب بيروت، ط 8، 1988، ص 45.(2) الشراع والعاصفة، ص 364.(3) المصدر السابق، ص13.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية