‘ سيرة منفيَّة: من أوراق الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة’: ملاحظات حول التراث الفكري والسياسي

حجم الخط
0

مهدي نصيرعند الحديث عن تراث الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة الفكري والسياسي ومن خلال رسائله ومواقفه ومقالاته وخطبه وبياناته والتي وثَّقت السيِّدة هدى أبو غنيمة الكثير منها في كتاب ‘ سيرة منفيَّة : من أوراق الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة ‘ والصادر بمجلدين عن المؤسَّسة العربية للدراسات والنشر بدعم من جامعة البتراء الأردنية عام 2001، لا بدَّ من الحديث عن ثلاثة محاور أساسيَّة هي :أوَّلاً : الإطار الفكري والسياسي هل كان الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة بعثيَّاً ؟أم قوميَّاً عربيَّاً ؟أم يساريَّاً ماركسيَّاً ؟ أم ناصريَّاً ؟ أم قوميَّاً سوريَّاً ؟والمُتتبع لكتابات ومقالات ومواقف ورسائل الدكتور سيلاحظ أن فكر الدكتور محمد صبحي أبوغنيمة السياسي كان امتداداً أصيلاً لفكر الكواكبي وساطع الحُصري وقد عبَّر عن ذلك الدكتور وافتخر بأنه تلميذٌ لهذين العَلَمين القوميين.لقد كان الدكتور أبو غنيمة وعلى ما تشهد به سيرته وكتاباته ومواقفه، كان مؤمناً بوحدة الوطن السوري من سفوح طوروس شمالاً إلى رفح جنوباً، أي أنه كان يؤمن بوحدة الوطن القومي السوري (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) كإقليمٍ واحدٍ يمثِّل جزءا من وطنٍ أكبر هو الوطن العربي الكبير وهذا ما يفسِّر بعمق أحد أسباب رفضه للوحدة بين سوريا و مصر وتأييده للانفصال عام 1960 .ومع أن كثيراً من محاضرات الدكتور في سوريا في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي كانت بدعوات من حزب البعث وفروعه في محافظات سوريا وكان يشاركه في بعضها مؤسِّس حزب البعث ميشيل عفلق إلا أنه لم يكن يوماً بعثيَّاً وإنما كان قومياً حُرَّاً يؤمن بحقِّ هذه الأمَّة بالحريَّة والتحرُّر والحياة والاستقلال والتقدم، وكان مؤمناً بقدرة هذه الأمَّة على النهوض وعودة الحياة إليها وأنها كما أنجبت أفذاذاً للتاريخ الإنساني في كافة المجالات قادرةٌ على العودة مرَّةً ثانية إلى مسرح التاريخ .ثُمَّ أنه لم يكن في يومٍ شيوعيَّاً وماركسيَّاً وإن كان تفكيره علمياً تحليلياً وجدليَّاً أخذ من أدوات الفكر الماركسي بعض أدوات التحليل التاريخي والسياسي والجماهيري واستخدمها في تحليلاته للواقع السياسي والتاريخي والاجتماعي للأمَّة .كذلك لم يكن الدكتور ‘ناصريَّاً’ بل كان ممن اغتبطوا بانفصال سوريا عن مصر عام 1960 رافضاً مبدأ الزعيم الأوحد ومعتبراً أن الأمَّة والشعب هم الزعيم الأوحد وليس القادة والزعماء وعبَّر عن ذلك في أكثر من موقف ومقالة.ثانياً: علاقة الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة مع المفتي الحاج أمين الحسيني والزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني ودعمه ووقوفه مع هتلر ضد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية .لا يخفي الدكتور بل يفتخر بعلاقته الشخصيَّة الحميمة مع كلٍّ من المفتي الحاج أمين الحسيني ومع رشيد عالي الكيلاني والمتهمين على نطاقٍ واسع بوقوفهم مع النازيَّة وهتلر في الحرب العالمية الثانية ضد بريطانيا وفرنسا والحلفاء، ويتحدَّث الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة عن لقاءاتٍ تمت بينهم الثلاثة (المفتي والكيلاني وأبو غنيمة) وبين بعض القيادات السياسيَّة والعسكريَّة الألمانيَّة أبَّان الحرب العالمية الثانية ولكنه يوضِّح أن هذه اللقاءات كانت للمطالبة وخصوصاً بعد سقوط فرنسا بيد الألمان بتحرير سوريا ومنحها استقلالها، وأقتطف هنا من مقالة للدكتور في صحيفة الأنباء بتاريخ 4 نيسان 1949 ما يلي :’ كانت الحرب كما هو معلومٌ في اشتدادِ جذوتها وكانت الشعوب الكبيرة تتطاحن لتسحقَ غيرها فتعيش، وإن كان ذلكَ دوماً على حساب الشعوب الصغيرة، وكنا نحنُ ثُـلَّةً من العربِ وعلى رأسنا سماحة المفتي الأكبر والزعيم المؤمن الخالد رشيد عالي الكيلاني نركضُ ما بين روما وبرلين لنحصل فيما إذا ربح المحور الحرب على حريتنا واستقلال بلادنا ناجزاً وبعيداً عن الشوائب، ولكوننا قد قاسينا من مُرِّ الاستعمار والاستعماريين في بلادنا ما جعلنا نفتِّشُ عن منقذٍ ومُساعدٍ لنا ولو كان .. الشيطان .وليس هذا مجال البحث والتفصيل، ولكني أسجِّلُ هنا شعورنا بالخيبة ‘ فاللؤمُ أمَّةٌ واحدةٌ ‘ وأنا لن أنسى يوم جاء الأمير بسمارك حاملاً مذكرته إلى الزعيمين وهو يقول بكبرياء: هذا كل ما نستطيع إعطاؤه لكم، وكان هذا الكلُّ ملغوماً إلى حدِّ أن شبح الاستعمار كان ماثلاً من خلاله .. ‘ من السيرة المنفيَّة ص 334، ويكمل الدكتور في نفس المقالة تفاصيل لقائهِ مع سفير المانيا في بغداد ‘الدكتور غروبة’ في حزنٍ وخذلانٍ كبيرين .ثالثاً : العلاقة الملتبسة (سياسيَّاً وفكرياً) بين الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة ومصطفى وهبي التل (عرار) والتي يتحدث كلاهما أنهما كانا على طرفي نقيضٍ في تحليل الواقع السياسي لشرق الأردن والطريق التي يجب على المعارضة الأردنية سلوكها للوصول إلى حكومات شرق أردنية وبرلمان مُمثلين تمثيلاً حقيقيَّاً للشعب، وهذه العلاقة بحاجة إلى دراسة توثيقية أدبية وسياسيَّة ونفسية وثقافية حول ارتباكات هذه العلاقة الحميمة بين فذَّين من أفذاذ الأردن ونوابغه .وقد علَّق الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة حول هذه العلاقة في مقالةٍ له وحاول أن يحلِّل نفسيَّاً الأسباب التي دفعت عرار لإرسال رسالته المشهورة والتي كال بها الشتائم والسباب لصديق عمره الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة، فيقول أن عراراً بقي يشعر بالذنب وتقريع الضمير على رسالته وحاول بكلِّ الوسائل أن يعتذر لصديق عمره بما فيها تلك القصيدة الحرَّة الجميلة كما يصفها الدكتور التي قالها عرار في الترحيب بعودة الدكتور عام 1945 إلى الأردن بعد غربة طويلة والتي لم تعمل على راحة ضمير عرار ورضاه عن نفسه ويورد الدكتور هذه القصيدة القصيرة :’ قالوا كبا جواده وما كبا قالوا نبا حسامه وما نبا لكنه شهمٌ أبىأن يُصفعنَّ ويُضربافشرَّقوا وغرَّبا واليومَ قد عادَ إلى موطنههلا .. هلا يا مرحبا .. يا مرحبا ‘ويضيف الدكتور في مقاله أن عراراً لم يشعر براحة الضمير إلا عندما نشر أبياته الشهيرة التي يخاطب بها الملك المرحوم (وكأنها اعتذار بنفس أدوات الرسالة المشؤومة وموجهة لمن حرَّضه على كتابة تلك الرسالة) ومنها :’ يا من يُعيِّرني بالكأسِ أشربها .. ويملأ الفمَ بالتسبيحِ بُهتانا ألقابُ مُلكِكَ عمري ما أقمتُ لها .. في غيرِ بارِ أبي ناصيفَ ميزانا وما تُسمِّيهِ يا مولايَ أوسمةً .. قلَّدتُهُ بيدي للهرِّ نيشانا نحنُ الأذلاَّءُ لكن أنتَ سيِّدهم .. فافرح بإمرتنا ما شئتَ عُبدانا ‘من السيرة المنفيَّة ص 404 .وهنا لا بدَّ من ملاحظة أن الدكتور جعل من سلوك عرار موضوعاً نفسيَّاً وليس قضيَّةً شخصيَّة وأوجد لصديق عمره العذر وإن جعل منه موضوعاً لتحليله النفسي وهذا يعكس أيضاً النديَّة والمنافسة بين صديقيّ العمر في الفكر والسياسة والأدب .بقيت ملاحظة توثيقية لا بد من ذكرها حول الرسالة المنشورة في السيرة المنفيَّة والموجَّهة من ساري بك من حامية صفد والمؤرَّخة بـ 19-4-1948 إلى الدكتور في منفاه، ويتحدث بها مرسلها عن وضع الجبهة والخسائر التي كبَّدوا الصهاينة بها وعن تجنيد فصائل شعبية من الأهالي في صفد .الخ .وتشير السيِّدة هدى أبو غنيمة في هامش هذه الرسالة أن مرسلها اسمه (ساري بك) وأن اسمه ورد أيضاً في رسالة إميل جميعان الموجهة للدكتور محمد صبحي أبو غنيمة .وللتوضيح فقط فإن مرسل هذه الرسالة هو قائد حامية صفد في عام 1948 النقيب ساري محمود الفنيش نصير وكان يشاركه هذه الرتبة في جيش الإنقاذ في فلسطين في تلك الفترة النقيب أديب الشيشكلي الذي أصبح رئيساً للجمهورية العربية السورية فيما بعد، أما إميل جميعان فقد كان ضابط الأركان في حامية صفد وتحت قيادة ساري الفنيش .وساري الفنيش هو الابن الثالث لمحمود باشا الفنيش الذي كان عضواً في المجلس التشريعي الأردني الثاني والثالث والرابع حتى اغتياله في دمشق عام 1942 .أما ساري فقد تم تجريده من كافة رتبه العسكرية ووضعه في الإقامة الجبرية في الحصن لسنوات طويلة وتوفي فيها قبل سنوات قليلة ولم يقم بالدفاع عن نفسه وعن ما اتُّهم به في أثناء قيادته لحامية صفد عام 1948 .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية