سيرتي وأسرارهم: شغف بأدب الاعترافات

في كتبها التي تتناول جانبا من سيرتها الذاتية، لا تكتفي لوتس عبد الكريم بالحديث عن نفسها وتجاربها الحياتية، بل تجعل رحلة حياتها وتجاربها هامشاً لمتن أكبر، يتضمن حيواتِ الذين تعايشت وتفاعلت معهم، واقتربت من أدق تفاصيلهم، التي لم ينتبه إليها أحد غيرها، ناقلة لقارئ كتبها السيرية جوانب من حياة هؤلاء، جوانب ربما لن يعرف عنها شيئاً إن لم يقرأ كتاباتها عنهم.
في كتابها « سيرتي وأسرارهم « الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، تقول عبد الكريم، إنها عاشت سنوات طويلة في دول أوروبا وآسيا، وكأنها كانت وقتذاك تستعير حيوات أقطاب التصوف والفلسفة، مؤمنة بأن الكتابة تُقاس بنوعيتها وكيْفها، ولا تُقاس بكمها. طوال رحلاتها وتجوالها كانت تسعى للوصول إلى اليقين المستحيل، عبر المشاهدة والتأمل والبحث والتعلّم. في رحلة بحثها هذه صارت واحدة ممن ينتمون إلى من يجوبون الآفاق ويكشفون العوالم، ويرتادون الطرق الصعبة. ما تراه الكاتبة هنا، وأوافقها في رؤيتها، أن الإكثار في الإنتاج ليس ميزة أو فضلًا، وأن الإقلال ليس عيبًا أو نقيصة في ذات الكاتب، والإقلال، بحثًا عن الجودة، ليس كسلاً مثلما قد يراه بعضهم.

تعبير رقيق دقيق

رغم إقلالها في الكتابة، إلا أنها استفادت الكثير من أسفارها ودراساتها والحياة الدبلوماسية وبعدها الوزارية، إفادة صقلتها، وهو ما لم تكن ستجده في مجالات أخرى. هنا تعترف الكاتبة بأنها انشغلت وحملتْ أعباء كثيرة، كان عليها التخلص منها مبكرا، كي تُبقي على روحها شفيفة ومتوقدة وجاهزة للفيض، وكي يظل عقلها متوهجاً مفكراً رائياً مهجوساً بما حلمت به منذ البواكير وهو الكتابة. ولأنها كانت تكتب كثيراً بدون أن تنشر ما تكتبه، فقد وصفها إحسان عبد القدوس بأنها الكاتبة التي لا تكتب، في ما يراه يوسف السباعي، عبر مراسلات عائلية وحياتية بينهما، كاتبة محترفة، تحترف الكتابة لا المشاعر.
السباعي كان يرى الكاتبة تمتلك أسلوباً جميلًا راقيًا، وقدرة مدهشة فائقة في التقاط التفاصيل، وتصوير المشهد المكاني كأنها رسامة، إلى جانب امتلاكها للتعبير الرقيق الدقيق عن روحها، مختصراً كل ذلك في قوله: لقد ملأتْ قلبي إحساساً بمشاعرها، فهي كاتبة مرهفة الحس، مُترجمة لروحها الطليقة.
عبد الكريم التي كانت تخشى مواجهة نفسها والحركة الأدبية، ما جعلها تنشر روايتين باسم مستعار، وبالاسم نفسه كانت تكتب في مجلة «صباح الخير» أضاعت الكثير مما كتبت في رحلة تنقلها من بلد إلى آخر، نتيجة إهمالها وعدم اهتمامها بنشر ما تكتب. هنا تتساءل الكاتبة عما جعلها تذهب إلى معرفة الآخر وكتابة سيرته، وهل هو نزوع شخصي نحو ارتياد المناطق المجهولة في البشر، واستبطان دواخلهم وتحليلها وكشفها؟ أم لأنها كانت مولعة بالتحليل النفسي؟ أم لأنها عرفت في حياتها الكثير من الأسماء البارزة، وأرادت أن تُشرك من يقرؤها في معرفة هؤلاء عن قرب، غائصة في المناطق المخفية من ذواتهم، هادفةً إلى المكاشفة ومساءلة النفس ومحاسبتها، ومعرفتها بذاتها هي أيضا؟

هنا تعترف الكاتبة بأنها انشغلت وحملتْ أعباء كثيرة، كان عليها التخلص منها مبكرا، كي تُبقي على روحها شفيفة ومتوقدة وجاهزة للفيض، وكي يظل عقلها متوهجاً مفكراً رائياً مهجوساً بما حلمت به منذ البواكير وهو الكتابة.

وثيقة ناقصة

في «سيرتي وأسرارهم» كتبت عبد الكريم عن شخصيات كثيرة، مكتفية بما تعرفه عن هذه الشخصيات، بدون أن يكون ما تعرفه عنهم متاحاً لغيرها، بحكم الصداقات الإنسانية بينها وبين من تكتب عنهم. هنا تكتب عن الجانب الآخر لهم، وهو الوجه الحقيقي الذي ينبغي أن ندركه بدون مواربة، ونعرفه بدون مداراة، كما ترى.
هنا تكتب عبد الكريم لتطهر روحها، وتنقي نفسها مما علق بها من غبار الحياة، وتنعتق من أي سر يمكن أن يُقيدها، وكي تتحرر من المشاعر الضارة، وهذا ما يحقق المتعة الجمالية للكاتبة، قبل أن يحققها للقارئ، ويؤثر فيه ويجعله مشدوداً ومنفعلاً، وهذا ما تعلمته الكاتبة من أرسطو أيام كانت تدرس الفلسفة في الجامعة. هنا وفي كتابتها لسِيَر هؤلاء، منحت الكاتبة تجاربها وخبراتها للآخر، ليعتبر ويتعظ ويفيد مما عنيتْ وعاينت وعانت. والسيرة، تقول عبد الكريم، هي مسار حياة موجز، وثيقة ناقصة، لأننا لا نكتب كل شيء، ومؤكد أننا نصمت ونُضمر ونُطمر ونستر ونحذر وننكر ونزوّر ونُخفي ما لا نريد لأحد أن يعرفه عنا، أو نُزيّن ونزيّف ونزخرف ونجمّل. أما بالنسبة للكاتبة فهي لا تخشى أحداً، وهي التي وُلدتْ حرة مغامرة مقدامة، بدون أن تنصاع لأعراف وتقاليد مجتمع، وقد اكتسبت حرية أخرى، لدراستها للغتين الفرنسية والإنكليزية، ملخصها أنها تتبع روحها أنّى شاءت وحيثما ذهبت، لكن النفس بطبيعتها انتقائية، وتختار ما يوائمها في فترة زمنية معينة.
عبد الكريم التي تعلن هنا شغفها بأدب الاعترافات والسيرة التي تحفل بالأسرار، ترى أن هذا الأدب نادر في ثقافتنا العربية، سواء بين النساء أو الرجال. هنا تكتب لوتس عبد الكريم ما هو حقيقي، وتكشف ما رأته مجهولا لدى الناس، حيث كانت قريبة منهم. هي ترى أنها تكتبهم، لا تكتب عنهم، وهي التي اعتادت ألا تكتب عن شخص أو شيء لا تعرفه المعرفة التي تكفي لإنشاء نص مكتمل وبنيان متماسك.

الفن أولا

كذلك ترى أن ما كتبته هنا ما هو إلا كتابة تقع بين المذكرات واليوميات والرسم الذاتي، وأدب الوقائع، بحيث تُشكل في النهاية صورة كلية أو شبه كلية، ذاكرة أن ما تكتبه هنا هو سيرة شخصية أو ترجمة ذاتية بضمير المتكلم، وليس لضمير الغائب مكان هنا. لوتس عبد الكريم التي تُقسم كتابها هذا إلى ثمانية أبواب، منها عرفت أحوالهم، تحت شجرة الدين، فرشاة أرواحهم، أوتار روحي التي عزفها هؤلاء، أماكن في الروح، تكتب هنا عن شخصيات عديدة منهم: إحسان عبد القدوس، لويس عوض، ثروت عكاشة، مؤنس طه حسين، عبد الحليم محمود، صلاح طاهر، حسين بكار، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، سيد مكاوي، الملكة فريدة، وغيرهم.
وهي تكتب عن أم كلثوم وآثارها التي ضاعت، تقول إنها لم تكن تظن أن القلم سيستجيب لها، ونحن نمر بأزمات وظروف صعبة، وتكتب عن هذا الجمال الذي عشناه وأصبحنا نفتقده، غير أن الرغبة تتغلب في استعادة الشعور بهذا الجمال، وما حفل به من ذكريات تحفزنا على الدفاع عن تاريخنا، وكيفية الاهتمام بالحفاظ على التراث. وهي تكتب عن فؤاد زكريا، تقول إن كل التوجهات البشرية فيها جانب من التقييد، وانعدام الحرية، بينما الفنان هو صاحب المهنة أو المهمة الوحيدة التي تكون له منها حرية مطلقة، وميزة الفنان أنه يعمل، وعمله غاية في ذاته، وليس وسيلة لشيء آخر، حتى إن كان يرتزق من الفن، هو يمارس الفن أولاً، وبعد ذلك يمكن أن يعود عليه هذا الفن بمكاسب أو أرباح، وإن لم يعد عليه، فهو يظل يمارسه ولن يتوقف عن الاستمتاع به. هنا أيضاً تتساءل عبد الكريم لماذا تقدمت دول الشرق الأقصى، بينما ساءت أحوالنا؟ مجيبة أن الاقتصاد والحضارة يسيران جنباً إلى جنب، وهكذا نهضت دول الشرق الأقصى.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية