أحمد عمرطرفة عمرها أربع سنوات لكنها صالحة للاستهلال الروحي وتحسين المزاج: سأل مستشرق أوروبي وهو يتملى صور المرشحين لمجلس الشعب السوري المعلقة على جدران القصر العدلي ذات نفسه! (كنت أحب أن اكتب ذات نفسه بالخط الرقعي المكوف، والقصر العدلي بالخط العريض، والقصر باللون الأصفر الفاقع الذي لا شية فيه ويسرّ الناظرين، والعدلي بالأحمر الدامي الذي لا تشربه الأرض): هل كل هؤلاء مطلوبون للعدالة؟!! لقد خاب ظني خيبة لا يمكن وصفها، إذ كنت آمل وأرجو أن يرتفع سقف الدعاية الانتخابية (وليس الإصلاح السياسي) لمجلس الشعب الذي سيصبح أسوة للعالم و’الكواكب الأخرى’ كما تقول الوعود الإعلامية. حليمة لا تزال على عادتها القديمة والشعارات هي نفسها.. يا زبيبة العوادة. انماط التبشير الانتخابي متعددة:- النمط الاعراسي والاحتفالي والمهرجاني. فكل المرشحين وسيمون، وصورهم السكوب بالألوان الخلابة فهم ذاهبون لخطبة الآنسة العذراء المحروسة التي اسمها ‘ثقة الجماهير’، ليبنوا بها نكاحا لاسفاحا. أو ذاهبون لتمثيل فلم الموسم الانتخابي الذي يمدد عرضه إلى الأبد: التصفيق.- النمط البديعي والإنشائي والهمذاني: خذ على سبيل المثال هذا المرشح الرئبال الذي كتب بيانه الانتخابي على هذا المنوال: لا ادعي الكمال لكن أسعى إلى تحقيق الجمال!- النمط الشعري والشاعري: ونجد مثاله في المرشح الذي خلط بين الرغبة في الانتساب إلى اتحاد الكتاب العرب، و’اتحاد’ أعضاء مجلس الشعب فقال في بيانه الشعري لناخبه الكريم: هات سيفك وهات معولك وتعال لنزرع السلام في كبد الأرض!- النمط الوعظي والوعيدي: ونجد مثاله في المرشح المهدد، بقوله: مصير الوطن ليس وجهة نظر. وهي جملة ينقصها جمجمة وعظمتين متصالبتين و يعود حق تأليفها إلى إعلامي قالها متوعدا المندسين فذهبت مثلا وبرنامجا انتخابيا.- ادعاء الاستقلال. وهي صفة تحتاج إلى شاهدين عدلين لم يكشّا حماما او ذبابا في حياتهما، وورقة ممهورة من حافر اقرب مختار، وهي محل تباه. أما نكران الذات، فيتجلى باكتفاء المرشح باسمه المبين فالاسم حتى لو كان المرشح نكرة، نكراء، منكرة: يكشف عن الجينات الزرقاء والخضراء الدمن التي يحملها المرشح في حبر اسمه، كما ان المرشح غالبا ما يظهر فئته، تخفيفا على الناخب من الجهد في البحث عنه في ‘المولد’ الكبير.- العرقوبية: خذ مثلا مرشحا سابقا في دورة سابقة وعد بتحرير الجولان! و يزعم زاعم أنّ راقصة تستطيع أن تنجز وتحقق وعودا لا يمكن أن ينجزها ثلاثة عشر عضوا محصنا بالحصانة البرلمانية، لكني والحق يقال- أتذكر مرشحا سابقا وعد بأن يجعل العطلة الأسبوعية يومين فأنجز ما وعد، فزاد طين السوريين بلة، فالسوريون يعتمدون على ‘اقتصاد الدولة السياسي’ وريعها في العيش ‘الكريم’. العطلة عطالة وتعطيل.- الغريب أنّ الإعلاميين الموهوبين الذين برزوا مؤخرا في المعركة الاعلامية ضد ‘المؤامرة الكونية’ بادروا بدارا إلى ترشيح أنفسهم لمجلس الشعب، طالبين قطف ثمرة بلائهم. وثمت من اقتبس بيانات سائرة مثل شعار جريدة قومية معروفة: صوت من لا صوت له. وهو شعار يحتاج الى شاهدين عدلين غير اخرسين لم يكشا حماما او ذبابا، يحلفان انه قيد التطبيق.- النمط الابتكاري والابداعي مثل كتابة البيان ( سطر او جملة لا غير) باللغة الانكليزية! او زعم الريادة مثل المرشح الذي كتب: مرشح للمغتربين اول مرة!
طلبت من صديق مقيم أن يصف لي الحملات الانتخابية الصليبية، فأخرج رأسه من النافذة وقرأ لي هذا البيانات الانفة والتي لو جمعناها، لانتقل مقالنا من صفحة أفكار إلى صفحة التحقيقات. لكن ما يجمعها جميعا هو أنها خجولة سياسيا أن لم تكن معقمة وعقيمة. كما أنها تخلط بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وأحيانا بين وظائف المجلس ووظائف الحربية، واحيانا بين وظائف المجلس التشريعي ومسرح الشوك الكوميدي المرحوم. شخصيا لو أتيح لي أن أرشح نفسي – وأنا اشك في أن امثل نفسي وليس ربع مليون ناخب- بعد كل هذه المسغبة السياسية لوعدت بالعمل على رفع النقاب عن الانترنت، والقنوات المغرضة والمضللة ماد ام مواطننا الذي اخترع الحرف ذكيا، وهذا الف باء الحرية واضعف الكفر لا الإيمان!
أما مسك الختام بعد أن أشير إلى ان رئيس مجلس الشعب المصري، الذي يتقدم على المجلس السوري بثلاثين سنة على الاقل، سعيد الكتاتني تعاقد مع ويستمنيستر لتدريب النواب المصريين على اداء واجبهم البرلماني، فهو بوستر انتخابي لمرشحة جميلة تقول فيه: ‘انتخبو’ و- البرثنين من عندي- المرشحة المستقلة: فلانة الفلاني المفلون. أما بيانها الساطع المبين فهو: الدين لله وأنا للجميع! السيدة جميلة ومثقفة وتظهر في ملصقها مشاهد رائعة من سفوح مقدمة ابن خلدون. وثمت ملاحظة إضافية للناخب تقول: أنها من فئة ‘ ش’. شككت في أن يكون الملصق مدسوسا من بعض الظرفاء، ولست متأكدا من صحته. لكن النكتة كانت دائما حقيقة مكبرة.. مقعرة أحيانا ومحدبة أخرى. كما أنّ حسن الظن إثم مثاب.. كاتب سوري مقيم في السويد