سيرٌ شعرية: حياة الشاعر بوصفها طروسا مُضاءة بالطرقات

أقبل الشعراء في عصرنا على الكتابة عن تجاربهم الشعرية، وكشف هذا الأمر عن المكانة المتميزة التي أصبح يتصدرها الحس التنظيري والجمالي عندهم في سياق تطور الحداثة ووعيها الناشئ باستمرار. ولم يكن ذلك حكرا على المركز، بل انتقل إلى أصقاع جديدة؛ مثل الخليج وفلسطين والمغرب تمثيلا، إذ انتقلت أصداء السجال الفكري والجمالي في تاريخ الشعر العربي الحديث إلى الأطراف، فعمل ذلك على توسيع دائرة الفعل الثقافي لهذا الشعر، وتنويع محتواه المعرفي والفني، مُتأثرا ببيئات الشعراء المحلية وشرائط وجودهم العياني والشخصي.

غازي القصيبي في «سيرة شعرية»: درس التعلم

يذهب غازي القصيبي في مقدمة سيرته إلى أن «فصل السيرة الشعرية عن السيرة الذاتية أمْرٌ بالغ الصعوبة» بحكم أن الشعر يمثل أحد وجوه شخصيته الإنسانية. ولذلك ركز على ما فيه اعتبار لصفته كشاعرٍ مرتْ تجربته بأطوار مختلفة من التكوين والنضج، وعلى أن القصد من تدوين السيرة هو تيسير قراءة هذه التجربة، وتلقي مراحل تطورها من طرف الباحثين والقراء العاديين، بمنأى عن كل شعور بالغرور والاعتداد بالنفس.
كتب القصيبي سيرته الشعرية وهو في سن الأربعين (كان هذا سنة 1400هـ -1980م)؛ أي بعد أن انتشر اسمه وأصبح واحدا من أهم شعراء بلده، ثُم تدرج في شهرته حتى تولى مسؤولياتٍ سياسية حساسة. ومن هنا، نفهم الوازع الأخلاقي الذي يصدر عنه، والحذر من سقوط في أوهام الأنا وتضخمه، بل حصره كتابة السيرة في الشعر لا يتعداه إلى غيره، بقوله: «يمثل هذا الكتاب سيرتي الشعرية ويقف عند هذا الحد لا يكاد يتجاوزه».
وقد عَنْون الشاعر الفصول الأولى من سيرته بعناوين مجاميعه الشعرية، وعبرها تحدث عن علاقته بالشعر؛ عن ولعه المبكر بالشعر وتذوقه له أيام دراسته الابتدائية في البحرين، الذي نشأ من قراءاته الكثيفة لكتب الأدب ومن تشجيع أحد مُدرسيه له، ثُم من الجو العائلي المتعاطف. وفي الثانوية التي كان فيها ناد للشعراء، كتب: «قررتُ الاستجابة لصوت الشعر الخفي في داخلي». والأغرب في هذه العلاقة هو ما يحكيه من شعور الغيرة الذي داخَله، وهو يرى أحد زملائه محط احترام المعلمين والطلبة ويلقبونه بـ(الشاعر) معترفا بأنه كان الدافع الرئيس لكتابة الشعر، وقد كتبه «لينازعه احتكاره الشعري». وقد تطور الأمر بينهما إلى ما يشبه مساجلات شعرية بينهما لم تكن تخلو من تنافس، ومن مهاجاة ونقد مُبطن.
بدأ القصيبي يكتب المحاولات الشعرية في حدود الرابعة عشرة، واستمرت طيلة السنتين التاليتين، قبل أن يمزق الدفتر الذي كان يُسجلها فيه؛ إذ رأى أنه من العبث «الاحتفاظ بكلام ركيك مهلهل» يجري خارج الوزن في الغالب، ويستغرقه خيال رومانسي ساذج. وفي هذه الفترة، نشر أول قصيدة له في صحيفة كانت تصدر في البحرين، واعتبر ذلك «حدثا تاريخيا» في مسيرته الشعرية. لكن المؤثرات الأولى، بما فيها مؤثر نزار قباني تحديدا، ستظل تشرط قصائده، إضافة إلى شرط الوزن والقافية الذي تشربهُ من قراءاته ومساجلاته. ثُم أخذت موضوعات هذه القصائد تتزحزح إلى السياسة، وتتجاوز إطار الذات لتشمل هموم القوم؛ إذ هي تنبع من «اهتمامات فتى عربي يافع في تلك الفترة المضطربة القلقة من تاريخ العرب» التي تمخضت عن نكبة فلسطين وتداعياتها الخطرة على استقلالات كثير من البلاد العربية.
وقد أخذ القصيبي يُوقع قصائده المناوئة للاستعمار البريطاني باسم مستعار (محمد العليني) ليس فقط بسبب الخوف من إدارة المدرسة، أو إحراج العائلة التي كانت تربطها علاقات وطيدة بحكومة البحرين، لكن أيضا بسببٍ نفسي نشأ من خوفه أن يكون ما ينشره من شعر دون المستوى الذي يرجوه لنفسه.

نستخلص من سيرة غازي القصيبي أنها نشأت بين فضاءين: قديم وحديث، بدوي وحضاري، محلي وقومي؛ وهي سيرة قطاع واسع من شعراء الخليج الذين نشأوا في وسط محافظ، وتأثروا بواقع الهزيمة، الذي كانت تمر به أكثر البلاد العربية، ما غذى فيهم شعورا قوميا، ومزجوا في تكوينهم الثقافي والشعري بين مصادر التراث المحلي والقومي.

فالشاعر يعترف بقلقه الكتابي من جهة، وبصراعه الخفي مع بيئة محافظة متزمتة؛ لأنه «لا يكتب ليرضي أحدا أو ليغضب أحدا وإنما ليعبر عن مشاعره». في ما يخص المؤثرات التي لعبت دورا في تجربته الشعرية، يذكر تأثره بالشاعر عمر أبو ريشة، الذي عدّ لقاءه به نقطة تحولٍ في مساره الشعري أكثر من أي شاعر آخر تأثر به (شوقي، حافظ، الجواهري، الشابي، الأخطل الصغير، إبراهيم ناجي، إلخ). وبموازاة مع ذلك، قرأ نزار قباني وعن طريقه اكتشف عالم الشعر الحديث المتحرر من رتابة القافية والتفعيلة، بقدر ما توطدت علاقته باللغة الشعرية الجديدة مع تعرفه على إنتاج بدر شاكر السياب، لكنه فشل في تذوق شعر البياتي وأدونيس. بسببٍ من هذا التأثر بمصادر القديم والجديد، وتوزعه بين فضاءي البداوة والحضارة، ظل غازي القصيبي يكتب الشعر بشكليه التقليدي والحديث، قائلا: «الشعر شعر، ويستوي بعد ذلك أن يكون متساوي التفعيلات أو لا يكون». ويعد انتقاله من البحرين إلى القاهرة «صدمة نفسية» أحدثت آثارا بعيدة المدى في شعره، حتى أتت قصائده الغزلية مليئة بالألم والوحشة ومشاعر القلق والغربة والضياع، ولاسيما قصائد ديوانه «أشعار من جزائر اللؤلؤ» (1960) وإن يعتقد أن لهذا جذورا تعود إلى الجو المأساوي الذي أحاط بولادته ونشأته الأولى من موت الجد لأمه وموت أمه نفسها بالتيفوئيد في فترة وجيزة. وأما انتقاله من القاهرة إلى الولايات المتحدة لدراسة القانون، فقد شكل «صدمة حضارية» كانت أشد وأعنف، وتجلت صورها ومعانيها في ديوانه «قطرات من ظمأ» (1965) الذي يُجسد – في نظره – مرحلة «المواجهة مع الذات». وقد نمت اهتمامات الذات لدى الشاعر وتأثرت بعدد من التطورات العامة والخاصة، وفي طليعتها «هزيمة حزيران/يونيو» التي كان أثرها في نفسه وشعره التالي أعمق وأوسع من صدى، قائلا: «لم يكن إحساسي بهزيمة حزيران تجربة عقلية أو فكرية، لكنه كان إحساسا شخصيا مباشرا».
بخصوص نظرته إلى الشعر، ينفي القصيبي أن يكون للشعر دور منفصل عن وجوده كشعر، فهو يُحقق كل أهدافه لمجرد أنه شعر بمتعة روحية وإثراء ذهني، متعجبا من الذين لا يكتفون بذلك ويعزون إلى الشعراء وظائف أخرى غير قول الشعر، ولاسيما في هذا العصر الذي تراجع فيه الشعر إلى حد محدود وضيق. كما ينفر من الغموض في الشعر، لأنه لا مناص من وجود حد أدنى من الألفة النفسية والفكرية واللغوية بين الشاعر والقارئ، حتى يستطيع الثاني أن يتذوق شعر الأول.
نستخلص من سيرة غازي القصيبي أنها نشأت بين فضاءين: قديم وحديث، بدوي وحضاري، محلي وقومي؛ وهي سيرة قطاع واسع من شعراء الخليج الذين نشأوا في وسط محافظ، وتأثروا بواقع الهزيمة، الذي كانت تمر به أكثر البلاد العربية، ما غذى فيهم شعورا قوميا، ومزجوا في تكوينهم الثقافي والشعري بين مصادر التراث المحلي والقومي، ومؤثرات العالم الخارجي الذي هبّ عليهم أو سافروا إليهم للدراسة والاستكشاف.

محمد حلمي الريشة في «قلب العقرب»: إيقاع الذات

اختار محمد حلمي الريشة أن يُجنس عمله «قلب العقرب» باعتباره سيرة شعر لا سيرة شاعر، بما يعني ذلك التخفف من وعيه الضاغط كفلسطيني في قلقه وهواجسه الوجودية، والتركيز بدلا من ذلك على أسئلة نوعية تهم مختبر تجربته الشعرية، وإن كان من الصعب ادعاء الانفكاك بينهما. فالشاعر- كما يقول- كرس جُل حياته للشعر، وكان طوال هذه الفترة من إنتاجه الشعري مُنْشغلا بسؤال كينونته في بعدها الرمزي. من هنا، يتحدث في السيرة أن ما يؤرقه جملة أسئلة، وفي طليعتها سؤال الكتابة الذي لا يفصله عن بُعْد حياته، ولا عن سؤال تلقيها، ابتداء من فضائها الداخلي الذاتي إلى فضائها الخارجي. ومن ثمة، لا يتصور أنه توجد كتابة متعالية ومتخاصمة مع قارئها الذي هو، عنده، شاعرٌ بفعله القرائي ويمكنه أن يُنشئ نصا آخر موازيا للنص الأصل الذي يتشكل من طبيعة استعارية مركبة ومنفتحة. ما يشدنا إلى مختبره، خارج علاقة الشاعر بالمؤسسة الفلسطينية وبالسياق الثقافي والسياسي العام، هو ما يكشفه بخصوص ماهيته للكتابة وأسرارها وتحولها من شكل إلى آخر؛ الكتابة التي كُتبت بالجسد كله، ويجب أن تُتلقى بأعضائه، بالعينين والأذنين والكفين، قائلا: «فأنا مع كتابةٍ شعريةٍ تقرأ بوعي/ إدراك/ حواس/ مخيلة إنسانية عاملة/ فاعلة». وفي هذا تضمينٌ لنقد القصيدة الحماسية والخطابية التي تؤجج، تحت أي ظرف قاهر، تيار المشاعر وتُغلب الآني. لا توجد طقوس ثابتة لكتابته الشعر في تصوره، بل هي «طقوس الغيبوبة اللذيذة» كما يسميها.

الكتابة بِسن القلم، وليس هي الكتابة بفأرة الحاسوب، التي تُفقد الشاعر كل إحساس بالرائحة والمتعة والحميمية، وأيضا «لا يستطيع احتضان ما يكتب، أو أن يضعه/ يحتفظ به، بعد القلب، في مكانٍ يُخصصه».

ومأتاها يكون من داخل الحالة الشعرية لا من خارجها: «إنه يُشبه مداهمة مجهول للشاعر، وعرسَ قلقٍ لا يقبل موعدا، أو يمنحه موعدا، لهذا أحتفظ في أحد جيوبي بدفترٍ صغيرٍ كي أُدون «مفاجآته» التي تطلع من داخلي، وليس كما يُقال إنها تأتي الشاعر من خارجه».
في هذا السياق، يفرد فصلا سماه (القصيدة اللحوحة) ويعنى فيه بالإشراقة أو الومضة الأولى من القصيدة، التي تشع في ذهن الشاعر وتُلح عليه، كأن يذكر – هنا- قصيدته «رسالة إلى كليم الله» التي أشرقت في ذهنه وهو يؤدي الصلاة، بل ألحتْ عليه حتى حفظ مقطعها الأول، وقال: «وقد سهوتُ عن صلاتي؛ فلم أدر في أي ركعة وصل الإمام بنا، ولا حتى أني في صلاةٍ أصلا».
يُحبذ الشاعر أثناء حالة الكتابة فترة الليل لسكونه الذي يُعينه على «ضبط إيقاع القصيدة». مثلما أن هناك مُعينات أخرى موازية: «وأحب الكتابة بقلم الحبر الأزرق السائل على الورق الأصفر المسطر، وأن تكون مكتبتي مواجهة لي، تكاد تميلُ عليّ كشجرة كبيرة، حيث تشكلُ دافعا للصبر على الكتابة، أو إعادة الكتابة». الكتابة بِسن القلم، وليس هي الكتابة بفأرة الحاسوب، التي تُفقد الشاعر كل إحساس بالرائحة والمتعة والحميمية، وأيضا «لا يستطيع احتضان ما يكتب، أو أن يضعه/ يحتفظ به، بعد القلب، في مكانٍ يُخصصه». كما أن الكتابة بالوزن ليست هي الكتابة بالنثر. في الأولى يرى أن الوزن الشعري يمنح للقصيدة قوامها الانسيابي (الغنائي) الذي يُسلس الكتابة والقراءة معا، وأما في الثانية (أي قصيدة النثر) فكأنك «تكتب على سطح رطب، وكيف يمكن أن تدع جسدا يقف دون عظامه» ومن ثَم عدم استسهال كتابتها. ومثل هذا التمثيل يعكس فهما عميقا للشاعر بأن الوزن العروضي الشعري الأهم يكمن في الإيقاع الخفي للغة، الذي يمنح القصيدةَ شعريتها عدا عاطفتها اللغوية. ويكشف الشاعر عن واقعة تحوله إلى كتابة قصيدة النثر، فهي لم تأْتِ نتيجة تأثر نظري وقراءة عابرة، بل من مشهدٍ بحري على حافة شاطئ غزة، حيث كانت الكتابة تتفاعل مع إيقاع البحر وتجلياته في لاوعي الذات: «أذكر أنني تخيلتُ عروس البحر، التي نعرفها منذ الطفولة، تظهر وتختفي من بين الموجات، حين عدتُ إلى دفتري الصغير، اكتشفْتُ أنها مقاطع شعرية بالنثر، فحاولت إعادة كتابتها «مُتفعَلة» لكن دون جدوى، فاستمررْتُ في كتابة مقاطع أخرى بالأسلوب ذاته، حتى شعرتُ أنني بلغت نهايتها فكانت قصيدة: «نُتوءات مائية» أول قصيدة بالنثر».
في الحقيقة، لا يتذكر الشاعر تفصيلا شخصيا يرتبط بتطور قصيدته، وإنما بالأحرى يستعيد تاريخ العلاقة السرية التي لازمت الإيقاع والبحر منذ قدامى الإغريق. وفي تراثنا الشعري، لا نعرف دلالة تسمية الوزن الشعري بالبحر، لكن يرجح أنه سُمي بذلك لأنه يُوزن به ما لا يتناهى من الشعر كالبحر يُؤخذ منه ما لا يتناهى من الماء، وكالبحر الذي لا يتناهى بما يغترف منه؛ أو أن أسسه الإيقاعية تختلف من نسق إلى آخر، كما تختلف البحور في نقطة وجودها على الأرض، واضطراب كل منها بما لا يضطرب به الآخر، رغم اتحاد الماء والموج فيها كلها، وهذا ما يوحي لنا بأن ثمة صلة تجمع بين الإيقاع والبحر من حيث جريانه وحركة أمواجه. وإذن، فالإيقاع لا نهائي، والذات تكتب بقدر ما تنكتب موجة في إثر موجة.

محمد بوجبيري في «العبور»: مشروع شاعر

ينقلنا الشاعر إلى هذه السيرة على مدار ثلاث سنوات؛ عمر الثانوية التي انتقل إليها في مطلع السبعينيات من قرية حلوان المعلقة في أعالي جبال الأطلس إلى مدينة الفقيه بن صالح. هذا الانتقال هو ما يُسميه «العبور» بما يعنيه من انقلاب حياة وانقلاب نظر وفكر ووجدان. فمن جهة، سيجد نفسه وسط جمع غفير من التلاميذ القادمين من القرى والأرياف البعيدة، ويخضع مثلهم لنظام صارم تفرضه «داخلية» الثانوية، تَحول في أحايين إلى عنف رمزي. ومن جهة أخرى، سيعتكف على قراءة كتب الأدب والفلسفة، بل يتماهى مع بعضها مثل «كانديد» فولتير، ويشاهد أفلام النادي السينمائي التي كانت تعقبها مناقشات تستوعب الخطاب البصري وقضاياه الأممية، كما يشارك في الأنشطة الثقافية داخل الثانوية. لن يُنسيه ذلك ما يحس به في نفسه من حنين إلى القرية ومعاناة من إكراهات الواقع الجديد وحسب، بل أخذ يُثقف رويته للعالم والأشياء ويُحبب إليه العزلة. هي «سيرة الذات والآخر» كما ورد في وجه الغلاف؛ فقد تشابك مصير الذات الساردة مع مصائر كثيرة، صريحة ومضمرة، لشخصيات وأماكن مرجعية ووقائع عيانية ومشاهدات تحمل ختم الواقعي ورطاناته الدارجة والأمازيغية، بقدر ما تمتد في الخيالي من أحلام يقظة ورغائب وارتجاعات، وفي لاوعي اللغة من بياضات وفجوات مسكوت عنها، لأن «الذاكرة بعد أربعة عقود لا شك اخترمها أكثر من ثقب، وأن تفاصيل كثيرة ذهبت أدراج النسيان المطلق».

كان محمد بوجبيري يأخذ عن عبد الله راجع مؤونة الشعر والسفر فيه بجدارة، ولسان حاله: «عاريا.. أحضنك أيها الطين».

وإذا كان هم بطل السيرة ـ أساسا – شأنه شأن بقية أصحابه هو الحصول على شهادة البكلوريا بعد ثمراتٍ من الجد والمعاناة والتحصيل الدراسي، ولغاية العبور من الفقر والعوز إلى شط الأمان، فإنه تَفرد عنهم بإنجاز «مشروع شاعر». تغذى هذا المشروع بالفضول المعرفي المثمر والعمل الشاق؛ بمكتسبات الحصص القرائية في بادئ الأمر، تحت تأثير أساتذة أكفاء وشغوفين بالأدب، والتعرف على دواوين لرموز الشعر العربي الحديث (نزار قباني، عبد الوهاب البياتي، صلاح عبد الصبور..) ودواوين فرنسية لشعراء رومانسيين ورمزيين، وعلى قصائد لشعراء مغاربة من خلال الملحق الثقافي لجريدة «العلم». وكان بعض هذه الدواوين ينسخها بخط يده، وكان (زمن الشعر) لأدونيس نافذته على الوعي بهذا الشعر وقضاياه الجديدة.
لقد اكتشف أن الشعر يرتبط بالتجربة والحياة، ولغته الجديدة مختلفة تمام الاختلاف عما كان يُدرس في المقررات التعليمية من نصوص شعرية تعود إلى عصور غابرة، بل اكتشف أن هذه اللغة تمثل بالنسبة إليه أفقا يغري بالانتماء. ربما الوعد بالشعر بدأ من ذلك الضوء الذي تراءى له من أعلى الجبل ليلا، وهو «يتلألأ في الأفق البعيد». بقي الضوء يفعل في دواخله كسرّ وطاقة روحية، معتقدا بأنه هبةٌ من «الولي الصالح» الفقيه بن صالح، ودعوة لأمر مجهول يدعوه للاكتشاف والمغامرة: «في تلك السنوات البهية في حضرة الفقيه بن صالح، كنتُ دائما أحاول أن أربط بين ذاك الشعاع البعيد، الذي كنتُ أراه من أعلى الجبل، وأنا طفل، وبين ما أعيشه من مفاجآتٍ بدت لي كما لو أنها معجزات صغيرة». أخذ ذلك الوعد يتحقق أمامه حين شرع يكتشف سحر الكلمات التي تقوده إلى «بستان الشعر» وتفض عنه حُجب الظلمة والعمى، مثلما تُحدث لديه «النقلة في النظر» إلى الأشياء والعالم من حوله. وقد ترافق هذا الوعي الناشئ الذي كان لا يفصح عنه إلا الشغب على البياض، مع ميل إلى العزلة والشعور بالرضا وغبطة النفس في قدرة الكلمات على تحرير الذات عبر البوح الحميمي وترجمة الدفق الشعوري، الذي يلازمها، إلى أن عمل على مقاسمته مع الآخرين بعد تردد وخوف وارتياب.
كان الشاعر عبد الله راجع أستاذ اللغة العربية في الثانوية، وأبرز شعراء جيل السبعينيات في المغرب، «أول» الآخرين وأكثرهم تأثيرا فيه، منذ رآه وهو يلقي قصائده في إحدى الأماسي الثقافية «بصوت دافئ لا يخلو من رنة حزينة» ويتأثر به إلى أبعد الحدود، قبل أن تتوطد العلاقة بينهما حين نشر له أول نص شعري في المجلة الحائطية وأخذ يُقربه إليه. عبر اللقاءات التي جمعتهما في مقهى أو بيت بين مدينتي الفقيه بن صالح والدار البيضاء التي انتقل إليها للعمل حتى وفاته في عام 1990، أو عبر الرسائل التي كانا يتبادلانها بين عامي 1975 و1977، كان محمد بوجبيري يأخذ عن عبد الله راجع مؤونة الشعر والسفر فيه بجدارة، ولسان حاله: «عاريا.. أحضنك أيها الطين».

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية