سيزاريا إيفورا: ملكة موسيقى المورنا

قدمت المطربة الراحلة سيزاريا إيفورا لوناً محلياً من فنون بلادها، جمهورية الرأس الأخضر (كابو فيردي) هو فن المورنا، الذي سجلته منظمة اليونسكو كتراث ثقافي خاص بجزر الرأس الأخضر. والمعروف أن جمهورية كابو فيردي تقع في قارة افريقيا، وتتكون من عدة جزر في المحيط الأطلسي، اكتشفها البرتغاليون واحتلوها منذ قرون طويلة، واتخذوا منها مركزاً لتجارة العبيد إلى أن نالت استقلالها عام 1975.
ولدت سيزاريا إيفورا سنة 1941 وتوفيت عام 2011، كان والدها موسيقياً وتوفي عندما كانت في السابعة من عمرها، شرعت في الغناء منذ طفولتها، وفي شبابها كانت تغني في مقاهي بلدتها من أجل كسب العيش، واشتهرت بغناء المورنا الحزين، المليء بالمشاعر الخاصة المرتبطة بثقافة شعب جزر الرأس الأخضر، ومعاناتهم مع تاريخ طويل من العبودية. لم تكن مسيرة سيزاريا إيفورا الفنية متصلة بشكل دائم سلس، بل شهدت فترات من التوقف والانقطاع بسبب بعض الإحباطات والأحداث الشخصية، فتوقفت عن الغناء لمدة عشر سنوات في منتصف السبعينيات ثم عادت لممارسته في منتصف الثمانينيات، ثم غادرت جزر الرأس الأخضر واتجهت إلى لشبونة لتقدم فنها هناك، ومن بعد اتجهت إلى فرنسا لتسجل ألبومات موسيقية ناجحة وتحقق شهرة كبيرة.

الديفا حافية القدمين

لقبت سيزاريا إيفورا بلقب ملكة موسيقى المورنا، ولقبت كذلك بلقب آخر ربما يكون اللقب الأشهر، وهو لقب (الديفا حافية القدمين) حيث إنها كانت كثيراً ما تخلع نعليها وتقف حافية القدمين على المسرح أثناء الغناء، وقد ميزها هذا الأمر بقوة لندرة حدوثه بين المطربين، ربما فعلها فريدي ميركوري بعض المرات، لكنها لم تكن من عاداته البارزة. كان ما تقوم به سيزاريا إيفورا من خلع نعليها على المسرح، يكمل صورة البساطة والتلقائية لهذه المطربة صاحبة الموهبة الفطرية، والصوت الجميل، الذي يجذب المستمع رغم عدم فهمه للغة غنائها الكريولية البرتغالية الافريقية. المورنا من الألوان الموسيقية الخاصة بجمهورية جزر الرأس الأخضر، ولهذا اللون الموسيقي آلاته الموسيقية الخاصة، كبعض الآلات الافريقية التقليدية، والغيتار والآلة الموسيقية الكابو فيردية الشبيهة به، وله رقصاته الخاصة أيضاً. يعد هذا الفن من الفنون المحلية الأصيلة في ذلك البلد، وقد يبدو كمزيج من الموسيقى الافريقية والموسيقى البرتغالية، وربما يكون فيه طيف من حزن الفادو البرتغالي والبلوز، وله إيقاعات رشيقة ويرتبط رقصه بالمناسبات الاحتفالية والأعياد.
تغني سيزاريا إيفورا بصوت هادئ جميل، عميق ذي طابع مؤثر، يجد فيه السامع الدفء وحرارة العاطفة، ويتسم أسلوبها عموماً بالبساطة المعبرة، وتبدو في وقوفها حافية القدمين كفنانة فطرية تنتمي إلى ثقافة معينة تحفز على اكتشافها. كانت تلك الطبيعية تغلب على سيزاريا إيفورا في مظهرها وفي غنائها أيضاً وفي أدائها بعيداً عن تقنيات الغناء المعقدة، بأسلوب بسيط يركز على التعبير العاطفي والشعوري الحزين في أغلب الأحيان، وكانت تعتمد على الارتجال في بعض الأوقات، كما كانت تجيد الاتصال العاطفي مع الجمهور، والتأثير العميق في السامع، وإن كان يجهل لغتها ولا يعرف معاني كلمات أغانيها، لكنه في جميع الأحوال سيستمتع بصوتها وإحساسها الغنائي، وسينجذب إلى تلك العاطفة العميقة في أدائها.

عبرت سيزاريا إيفورا من خلال أغانيها عن شعب جزر الرأس الأخضر، وعن تاريخ وطنها وما عاناه من استعمار طويل، وما قاساه الشعب من العبودية وأهوالها، وتتناول أغانيها أيضاً مواضيع الحب والحنين إلى الوطن وإلى الغائبين، والاستغراق في الذكريات الجميلة، والأسى على اللحظات المفقودة، ويغلب على أعمالها الإيقاع الهادئ الذي يتماشى مع صوتها الهادئ أيضاً وأدائها المطمئن الواثق.
استطاعت ملكة موسيقى المورنا، على الرغم من مسيرتها الفنية المتقطعة، أن تحقق نجاحاً كبيراً وشهرة عالمية، وأن تصبح من أبرز وأهم المغنيات الافريقيات، اللواتي ساهمن في تقديم موسيقى القارة السمراء إلى مختلف أنحاء العالم، والتعريف بثقافة بلادهن وموروثاتها الفنية وموسيقاها التقيليدية وإلقاء الضوء عليها، وتقريب الشعوب الأخرى إلى ثقافات الشعوب الافريقية. نظراً لطبيعة جزر الرأس الأخضر وتاريخها واستعمارها الطويل، تحمل الموسيقى التي كانت تقدمها سيزاريا إيفورا أثراً برتغالياً واضحاً على هويتها الافريقية.
من أشهر أعمال سيزاريا إيفورا أغنية «سوداد» وهي أغنية كابو فيردية قديمة تعبر عن جانب من الثقافة العميقة لجزر الرأس الأخضر، تصف الأغنية مشاعر الحزن والحنين، ومدى قسوة الهجرة والاغتراب عن الوطن والابتعاد عن الأحباب، ويمكن القول إن هذه الأغنية صارت أيقونة شعبية ترمز إلى هوية جزر الرأس الأخضر، ومعاناة الشعب الكابو فيردي مع تجارب الهجرة والاغتراب، التي مرّ بها على مدى سنوات طويلة، اشتهرت هذه الأغنية بقوة وساهمت في تعريف العالم بجزء من ثقافة جزر الرأس الأخضر، وهي أغنية جميلة ذات لحن جميل يعلق في الذهن، خصوصاً مع تكرار سيزاريا إيفورا لكلمة سوداد، حيث حزن الحبيبة لمفارقة حبيبها الذي غادر البلاد.

كما تغنت سيزاريا إيفورا بوطنها، من خلال مجموعة من الأعمال، كأغنية Cabo Verde terra estimada التي تتغنى فيها ببلادها أرض السلام والفرح التي تحبها كثيراً ويحبها الجميع ويبكي من يفارقها، وتصف طبيعة بلادها وجزرها العشر الصغيرة التي نثرها الله في المحيط، واعتزازها بتلك الأرض التي حافظوا عليها، على الرغم من كل شيء. وكذلك أغنية Petit Pays التي تتغنى فيها بحبها لبلادها الصغيرة، المليئة بالحب، على الرغم من بساطتها وفقرها، تلك البلاد التي تضم فن المورنا وتضم فنوناً تقليدية أخرى تذكرها في الأغنية، وتتحدث الأغنية أيضا عن الهجرة والحنين إلى الوطن والاشتياق اللانهائي إليه، وفي نهاية الأغنية، تكرر سيزاريا إيفورا عبارات الحب لبلادها. وفي أغنية «كرنفال ساو فيسنتي» تصور إيفورا الحياة البهيجة في جزر الرأس الأخضر وتدعو إلى الاستمتاع بها. ومن أجمل الأغنيات التي نستمع إليها بصوت سيزاريا إيفورا باللغة الإسبانية، أغنية Bésame Mucho وهي أغنية عاطفية شهيرة للغاية تعود إلى عام 1932، ويحرص الكثير من مطربي الأوبرا وكبار المغنين في العالم على أدائها.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية