ونحن نتخبط في عالم كورونا، يحدث وسط هذا الضجيج كله، أن نجد مساحاتٍ من الفراغ، بل من الضوء، فنخالها فقاعاتِ صابون، أو قد تبدو من بعيد كالسراب، ونظل نلاحقها، ونشتهي القبض عليها كما يشتهي طفل القبض على مياه جدول جارٍ، أو كما يحلم بالتقاط فراشة، أو ضوء القمر.
في خضم هذه الأزمة، نعود في حركة ارتدادية إلى الذات المتصدعة، بعد أن أرهقنا الخارج المتهاوي الذي طالما سدد ضربات إلى الداخل مازالت جروحها نازفة. نبحث عن أنفسنا، عن ذواتنا، عن كياننا في هذا الوجود الآيل إلى الانهيار.
كم مرة نسينا أنفسنا وشغلنا الخارج عنها، أيا كان هذا الخارج؟ كم مرة أسأنا إلى أنفسنا بحجة شفاء الخارج؟ كم مرة ظلمنا أنفسنا بفعل أنانية الخارج؟ كم مرة أُطلق الرصاص على أرواحنا ولم يكن حولَنا مَن يمسح الجراح؟
هذا العالم الموبوء، بطقوسه وفاشيته وهمجيته وقشوره، أتعبنا، آن لنا العودة إلى دواخلنا، آن لنا الاستراحة بعيدًا عمن دنس وجْه الحقيقة. اعتدنا، في مرحلة معينة، أن نتهرب من مواجهة الذات، من الغوص في متاهاتنا الداخلية، وبدلًا من العمل على فك شيفراتها لاستكشاف بعض الزوايا المبهمة، ذهبنا نحو الخارج، وكان الرهان الخاسر. لم تفتأ تلك الرهانات تخذلنا، ونحن نتجرع الهزائم، إلى أن باتت رفيقة صباحاتنا، ودروبنا، ومواويلنا وصداقاتنا. أحلامنا تمزقت كغيوم تموز، ماتت كزهورٍ برية بعد أن داستها الذئاب، تبخرت كقطراتِ مياه ٍفي قعر بركةٍ منسية.
تَوهمنا أن الرؤية تلك قد تعفينا من مصارحة النفس، ومن الوقوف على منحنياتها، أو من درْء الصدمات، لكن الواقع أطلق سهامه في كل اتجاه، وأصابت رؤوسها المسمومة تلك المنحنيات، التي تغافلنا عنها، أو أغفلناها، إلى أن باتت أرواحنا مسارح معتمة، مغلقة، مبتورة، مقفرة. ثمة ثقوب سود في ذاكرة كل منا، عبثًا نحاول أن نردمها، برْقُ أنينٍ متكدر في تلافيف أدمغتنا يوقظها عند كل منعطف، ومع كل فاصلة. هو القابع هناك في العمق العميق لأدراج وجدان منطفئ، حيث لا تلتقطه مباضع التشريح ولا يفتك به كوفيد 19. تلك الثقوب السود مقبرة مفتوحة على اللانهاية، وراعٍ أمام رائحة الرماد، يعزف على السنطور نشيده المعهود، يلتف حوله جَمْعٌ من المصفقين، فيكتمل مشهد الجنازة. وكلما تكثفت رائحة الرماد، هدأت أنغام السنطور، وخفتت أصوات المشجعين. رماد الجثث المتناثر وحده سيغمر المكان! أي سيزيف نكون ليُحْكَم علينا بدحرجة الصخرة بلا انقطاع، وهي تتهاوى فوق رؤوسنا؟ أي جريمة اقترفت أيدينا لتتكسر مجاذيفنا في عمق الإعصار؟ أي وجع أرق من وجع يدبدب في أعماقك وأنت في زحمة الخارج، وعندما تبصر خيط نورٍ لتضمد الجراح، ترى اللون الأحمر قد امتزج بالأفق؟ كيف تَخطف هذا اللون مرة ثانية من الشفق لتسترد أنتَ روحَك؟ لتستعيد أنتَ نسغَك؟ لتعود إليكَ عافيتُك؟ لتجري الدماءُ مجددًا في شرايينك؟ خُطِف لونُك. الحاضر أكثر من لوحة باهتة، الوجود كذلك. تُنعم النظر في الخارج، تكاد تنعدم الألوان، لا شيء سوى البياض… في الثقوب السود.
بياض نبصره جيدًا من خلال «عين كورونا» التي أتاحت لنا تهشيم المرآة المصنعة التي أسرتنا سنين طويلة، وها نحن نحرر ذواتنا من فتات بلورها المتشظي بعد أن استوطن الأوردة.
يكفي أن ننظر عميقًا لنعلم أننا نستحق أن نحب أنفسنا قبل كل شيء، نحب أنفسنا لنحب الكون، لقد آن لسيزيف أن يتخلى عن صخرة الخارج ويعود إلى ذاته!
٭ بيروت