في الآونة الأخيرة تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي باهتمام قضايا جرائم الشرف. ورغم وصول البشر للقرن الثاني والعشرين وما فيه من تطور بكافة الجوانب، إلا أن حالات جرائم الشرف تتزايد، والكثير من هذه الحالات في العديد من المجتمعات تبقى طي الكتمان، وسنتحدث هنا عن الدوافع المختلفة لارتكاب جرم القتل تحت مسمى الشرف من منظور نفسي.
والقتل بدافع الشرف يعني قتل امرأة وفي بعض الحالات رجل على يد أقارب ذكور، هذا النوع من القتل هو أحد أهم أشكال العنف ضد المرأة، وهو أكثر انتشاراً في المجتمعات المنغلقة، ووفقا للأمم المتحدة يتم قتل ما لا يقل عن 5000 امرأة في العالم تحت عنوان جرائم الشرف كل عام.
كيف للأب أو الأخ أن يقتل نساء أسرته ويرغب في قتل ابنته أو زوجته أو أخته؟ من وجهة نظر علم النفس التطوري، لا تبدو جرائم الشرف منطقية، لأن البشر يولون أكبر قدر من الاهتمام لأفراد الأسرة الأقرب إليهم وأولئك الذين يرتبطون بهم وراثياً، على سبيل المثال رد الفعل الغريزي للآباء هو رعاية أطفالهم بأي ثمن.
ولكن من خلال دراسة هذه الظاهرة من منظور علم نفس الفرد والاجتماعي والثقافي، يمكن الحصول على أسباب أوضح، يبدو أن الخوف من فقدان الوضع الاجتماعي وتشويه سمعة الأسرة، والذي يسبب العار للعائلة أو القبيلة، سببًا مهمًا لهذه الظاهرة، خاصة في بيئة يكون فيها الحفاظ على المكانة والوضع الاجتماعي أمرًا حيويًا. تشمل الأمثلة: الطلاق، والزواج القسري، والاغتصاب، والعلاقة أو الصداقة مع الجنس الآخر، وما شابه ذلك.
هناك عوامل مختلفة متداخلة في جرائم الشرف. وبمراجعة الأسباب، نجد أن مفاهيم مثل الغيرة والشرف في المنظومات المجتمعية القائمة على العائلة أو القبيلة وتأثيرها على ذات الفرد ونظرته للعالم وغياب القانون، تلعب دورًا مهمًا في حدوث هذه الجرائم. لمعرفة هذه المفاهيم بشكل أفضل، نحتاج إلى النظر إليها من خلال نافذة علم نفس الفرد والمجتمع.
أولاً: الغيرة-الحميّة
الغيرة هي بمعنى الحسد والحماسة، ولها خصائص ذكورية، هذه الصفة هي خاصية متأصلة وتوجد إلى حد ما لدى جميع الناس والتعامل المتوازن معها لا يؤدي الى إلحاق الضرر بالآخرين.
بالمعنى الثاني والأكثر رواجاً الغيرة من الغير أي الآخر وبمعنى أدق الحميّة، أي الحفاظ على العفة والشرف والكرامة وإظهار الغضب تجاه الخيانة، وبهذا المعنى يطلق على الإنسان المحافظ على شرفه “الغيور” ويتم اكتساب هذه المفاهيم من المجتمع، وإذا لم تُدار من قبل أفراد أو جماعات إدارة ناجعة، يمكن أن تؤدي إلى العنف.
ثانياً: دور هوية الفرد
عادة ما تتشكل هوية الفرد أو صورته وتصوره لنفسه كفرد وجعلها ذات معنى بعد احتكاكه بالمحيط وتواصله مع البشر الآخرين، وتختلف مكونات هذه الهوية من مجتمع لآخر ووفقًا لظروف حياتية مختلفة. على سبيل المثال، تكون الهوية الفردية أكثر بروزًا في المجتمعات التي يكون الفرد فيها هو المحور، ولا يهتم المرء فقط بإدراك هويته الفردية ولكنه يعطي الأولوية لاحتياجات الفرد بناءً على ذلك، بينما في المجتمعات الجماعية يتم دمج هوية الفرد إلى حد كبير في هوية الجماعة وفي معظم الحالات يشعر الفرد بهويته منصهرة بالجماعة، يحددها ويفسرها، ويحدد أولوية الحياة بناءً على ما يتوقعه المجتمع منه. وعادة لا يتم التعرف على الهوية الفردية في العديد من المجتمعات، ونتيجة لذلك يرتبط وينتمي سلوك الشخص بالجماعة بأكملها وليس به فقط، وقد يكون خطأ الفرد وصمة على الهوية الجماعية ومكانة المجموعة. ويتأثر ذهن الفرد أكثر بذهنية الجماعة ومن الصعب عليه التفكير والتصرف بشكل مستقل خارج العقل الجمعي. وبعبارة أخرى في بعض الثقافات والمجتمعات تكون الهوية الجماعية والعائلية والقبلية مهمة جدًا حسب الأولوية بحيث لا يُعتبر سلوك أو اختيار الفرد من المجموعة قرارًا فرديًا بل قضية جماعية وعائلية. ويمكن لنمط حياة شخص واحد أن يؤثر على ما يسمى “بالسمعة والمكانة الاجتماعية” لجميع أفراد الأسرة أو المجتمع.
ثالثاً: الشرف والجنس
من ناحية أخرى عند دراسة معنى كلمة الشرف يبدو لنا أن لها معنى يتعلق بالجنس، ومرتبطة بثقافة النظام الذكوري الأبوي السلطوي، في مثل هذه الثقافات عندما يتحدث الفرد عن شرفه هو يعني نساء العائلة والمجموعة مثل: الزوجة، الأخت، الابنة وما إلى ذلك، وعلى هذا النحو يتم تنميط حياة الأسرة والجماعة وفق سلوك نساء العائلة ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالجنس، الجماعة بأكملها تعتبر نفسها مسؤولة ولها الحق في تعيين نمط حياة نساء العائلة.
رابعاً: غياب القانون
في نمط الحياة القبلي، الطابع المؤسسي القانوي شبه مغيب، إن أحد أهم مبادئ البقاء الأساسية لديهم هو معرفة الفرد حدوده، واحترامه للمال العام ونساء الآخر، عادة في أسلوب الحياة هذا النظام السائد هو الذكورية وأحد أبرز دعائمه الشرف والحمية.
في حضور القانون أو غيابه يسمح الفرد لنفسه باللجوء إلى العنف لحماية سمعته وسمعة العائلة أو الجماعة، وغالباً ما تكون مظاهر العنف مناهضة لحقوق الإنسان.
وإن تنقل الفرد إلى مجتمعات أخرى إلا أن الذهنية الذكورية لا تفارقه، وقد ينتقل إلى مجتمع تسود فيه سلطة القانون ولكنه رغم هذا كله عندما يمس الأمر الشرف لديه لا يبدي أي احترام لأي قانون.
خامساً: الذهنية الذكورية
عندما نتحدث عن الجنس كأحد أسباب جرائم الشرف، تتجلى هنا بكل وضوح العقلية الذكورية السلطوية المريضة المكبوتة، وهي إحدى أهم خصائص وميزة المجتمعات الذكورية الأبوية. حيث منظومة القيم تخضع بالكامل لعباءة هذه السلطة، على سبيل المثال: الرجولة هي مفهوم محوري وجوهري في أخلاق الذكورية، وأهم فضيلة أخلاقية فيها هي المروءة وتعني الرجولة أيضاً، في هذا الإطار الرجولة هي مجموع الفضائل البشرية السامية، والإنسان الشريف هو الذي يتمثل بهذه الأخلاق دون حدود، من ناحية أخرى يتم تنميط ووصم الرذيلة وكل ما يتعلق بها من صفات غالباً بالمرأة، وبناء عليه كونك رجلاً ليس فقط أنت رمز للسطلة الذكورية الفائقة، ولكن أنت رمز لقيم أعلى ومنزه عن الرذائل.
هذه العقلية تجعل العنف ضد المرأة بشتى صوره قاعدة منهجية موروثة مشروعة قاتلة، والأفظع من ذلك كله تقديم مبررات له والدفاع عنه.
سادساً: الرجل يملك جسد المرأة
إن تملك جسد المرأة هو علامة على الهيمنة والسلطة، ولأن هوية الفرد هي هوية الجماعة فإن الاعتداء على هذه الخصوصية يعني التعدي على خصوصية الأسرة بأكملها، يؤدي هذا النهج عادة إلى إلقاء اللوم على الضحية، ونتيجة لذلك في المجتمع الذكوري ليست النساء حرفياً مالكات أجسادهن، في الواقع الملاك الرئيسيون لأجساد النساء هم آباؤهم أو أزواجهم. قبل الزواج ينتمي جسد الزوجة إلى والدها، وبعد الزواج يتم نقل الملكية إلى الزوج، ولهذا السبب فإن الاعتداء على المرأة يعتبر اغتصاباً لشرف والدها وزوجها، اغتصاب المرأة يجرح ويؤذي بشدة الإحساس بالفخر والتقدير الذاتي للرجل الذي يمتلك جسد المرأة (أي الأب أو الزوج) لدرجة أنه في بعض الأحيان لا يمكن تحمل وصمة العار إلا من خلال محو المرأة. وهكذا في هذه الحالة لا تعاني المرأة الضحية من عذاب الاغتصاب فحسب، بل تجد نفسها في وسط عائلة وجماعة تشعر بالعار منها، وقد يتعدى الأمر في بعض المجتمعات التشهير بالعائلة برمتها كعائلة عار. المرأة هي ضحية اعتقاد الفرد وإدراكه المخزي تجاه الضحية بأنه فقد وخسر الشرف والسمعة والكرامة.
سابعاً: الاضطراب النفسي
عامل آخر قد يتم التغاضي عنه عند التحقيق في جرائم الشرف هو وجود اضطراب عقلي. تشير الدراسات إلى أنه إضافة للآثار الاجتماعية فإن بعض الاضطرابات النفسية مثل السادية أو الأذية والشك المرضي والغيرة المفرطة المبنية على تأثيرات بيئية، قد تؤدي إلى الانتقام من حالات الاغتصاب والشرف، يصل المعتدي إلى ذروة المتعة العاطفية والجسدية من خلال أذيته للآخرين، الأمر الذي يؤدي في بعض الحالات إلى الاغتصاب أو القتل، وما يبرر هذا السلوك هو الذهنية الذكورية السلطوية الحاكمة المناهضة للمرأة، بعض الأفراد يعانون من شك وغيرة مرضية بسبب غرقهم في التفاصيل والتفسيرات السلبية المخالفة للوقائع، مما يؤدي إلى ارتكابهم جرم القتل في بعض الأحيان، ويجب النظر في هذه الحالات بعناية من قبل مختصين مؤهلين.
ثامناً: كبح الغريزة الجنسية
في بعض المجتمعات يتم بشدة كبح وقمع الغريزة والميول الجنسية ويُنظر إليها بشكل سلبي، فمجرد أن تكون لديك ميول تجاه الجنس الآخر فهذا انتهاك لقواعد المجموعة، وغير شرعي ويتوجب عقاباً شديداً، وخاصة بالنسبة للنساء في مكانة ووضع مجتمعي أدنى ويتم التعامل معهن كجنس ثانٍ.
من الواضح إن قمع وكبت هذه الغريزة الفطرية لا يؤدي إلى ضغوطات نفسية متراكمة فحسب، وإنما يؤدي للجوء إلى ممارسات مخفية وسرية، وفي حال انكشف الأمر يؤدي إلى نتائج مفجعة تترجم عبر عقاب شديد وإلى قتل الفتيات في بعض المجتمعات.