سيكون هناك مبدعون جدد قادرون علي قراءة زمانهم.. ولحسن حظ الرواية انها فن غير مكتمل!
مصائر الرواية المصرية وافاقها بعد نجيب محفوظ غ2فسيكون هناك مبدعون جدد قادرون علي قراءة زمانهم.. ولحسن حظ الرواية انها فن غير مكتمل!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: وهو بصدد الحديث عن الخصائص النوعية للرواية، يقول الناقد ابراهيم فتحي في مقدمة كتابه نجيب محفوظ بين القصة القصيرة والرواية الملحمية : ان الأنواع الأدبية المكتملة وحدها ذات الحدود الخارجية النوعية كاملة التشكيل هي وحدها التي دخلت الأدب باعتباره كلا عضويا منظما علي نحو تراتبي، فالرواية لم تكتسب قط سمات نهائية تحددها كالأنواع الأخري مهما بذلت من محاولات لادماج كل أشكالها الفرعية الممكنة في تعريف تلفيقي واحد، لقد ظلت الرواية المصرية والرواية عند محفوظ نوعا أدبيا في طور التكوين لم تنغلق في نسق من الخصائص المميزة، بل ظلت شديدة المرونة والتفتح تدمج داخلها أنواعا فرعية أخري من شعر وحكاية ودراما بعد أن تهضمها وتعيد تشكيلها .الي هنا نتوقف أمام ما قاله الناقد ابراهيم فتحي الذي ينتهي الي هذه المقاربة التي تقطع بالنسبية المفاهيمية للرواية، حتي ونحن أمام اسطورة روائية لها طغيانها الساحر والأخاذ اسمها نجيب محفوظ.فالسؤال الذي تلوكه شفاه كثيرين من مثقفي وكتاب العالم الناطق بالعربية جهرا وعلي استحياء يخلص الي طريقة مسدودة بل مخيفة ومرعبة لأنه يقطع بأن نهاية الرحلة المحفوظية تعني نهاية الرواية، فعلي ما يحمله السؤال خلفه من ميراث ديني وسياسي ثقيل، الا أنه في الوقت نفسه يشير الي الأهمية القصوي التي رسختها الرواية المحفوظية، وذلك عبر تقاليد ظلت تتنامي في عديد من الاتجاهات طيلة ما يقرب من سبعين عاما ظل الرجل يقدم فيها تطوحات روائية شديدة التنوع لدرجة تستعصي علي الحصر.لكن ذلك لم يمنعنا من اخراج السؤال الي مساحة لائقة من العلنية، وان كنا لا نقطع أمامه بشيء، الا أن قبولنا ببقائه قيد السريرة سيعني أننا نوافق علي مصادرة المستقبل لصالح نجيب محفوظ، وهو تصور ـ بلا شك ـ كارثي وخطير يستتبع بالضرورة أن نتوجه لأنفسنا ولروائيينا من الخلف بالتوجه الي اعمال أكثر نفعا من كتابة الرواية.الي هذا الحد من الهزل يمكننا أن نتأمل خطورة السؤال، لذلك قررنا طرحه علي عدد غير قليل من روائيينا ونقادنا من أجيال مختلفة، ورغم التفاوت الواسع الوارد في مذاهب من تحدثوا الينا، الا أن ثمة اصرارا بقي ما بقيت الحياة علي أن تجاهل فعل الزمن يعني أننا أمام خطل كبير، فالزمن المحفوظي ذهب بغير رجعة، وأعقبته أزمنة أكدت لنا أن الصانع تحول بالمنجنيق الي قاذفة وأنه ـ الصانع ذاته ـ لم يترك مبضعه للعراء لكنه سهر علي رعايته فتحول الي شفرة ذكية تقرأ زمنها وهي مغمضة العينين، لذلك سعي من تحدثوا في هذا الاستطلاع الي كشف الفعل الزمني الذي فرض ـ بقوة الواقع ـ رواية مختلفة ومتجاوزة ومهمة. وهنا نص السؤال الذي وجهته القدس العربي للمتحدثين اليها: تشكلت الملامح الروائية للرواية العربية بعد محفوظ بما لا يدع مجالا للمنازعة في أهميتها الجمالية ومع ذلك يوجد بعض النقاد الذين يروجون لمقولة (موت الرواية بعد محفوظ).كيف تري الاضافات النوعية التي طرحتها رواية ما بعد محفوظ؟ وهل تشكل تلك الاضافات مرتكزا لانجاز رواية مختلفة؟ وما رأيك فيما يذهب اليه بعض النقاد بموت الرواية بعد محفوظ .كان هذا هو نص السؤال..وهنا ما قاله المتحدثون:المغامرة الستينيةيوسف القعيدقاص وروائي أسس هيكل وجيله فن الرواية وأصل محفوظ وجيله فن الرواية، ويبقي لجيل الستينات المغامرة أو الخروج من عباءة الكتابة المستقرة بعد زلزال 1967 وأمام هذه المغامرة كان نجيب نفسه واحدا من المغامرين في أعماله ما بعد 1967 وأري انه في الـ15 سنة الاخيرة في حياة محفوظ كانت هناك أصوات روائية متميزة لكن لم يكتب لها الذيوع والانتشار والجماهيرية التي حازها محفوظ حيث لم يتوفر عليها مجتمع حاضن مثل مجتمع الستينات والخمسينات والأربعينات الذي احتضن محفوظ وجيله واعتني بأدبهم واعتبرهم رموزه، أيضا قوة الدفع النقدي التي صنعت جسرا بين محفوظ والجماهير كانت قد أعطت آخر ما عندها في آخر الثمانينات، وهناك عامل رابع أن السينما توقفت تماما عن تحويل الأعمال الروائية الي أفلام والمسرحيين نسوا أن الرواية يمكن مسرحتها وتقديمها علي خشبة المسرح والدراما التلفزيونية وقفت عند فتحي غانم وجيله. وهذه هي العوامل التي صنعت رواجا ضخما لمحفوظ فالظرف الذي أوصل هذه الروايات للناس لم يعد قائما، وبالتالي بدا محفوظ أكثر حضورا، وبدا ما بعده أكثر تراجعا.أظن أن مصر مليئة بالروايات والقصص والشعر، لكن افتقاد المشروع وتخلي مصر عن دورها وتغير الظرف الاجتماعي حال دون انجاز تواصل يليق بمصر ويليق بمبدعيها وموهوبيها.المستقبل مفتوح علي كل الاحتمالاتسعيد الكفراويكاتب بعد رحيل مؤسس الرواية العربية الأديب الكبير نجيب محفوظ الذي جعل من هذا الفن ملحمة العرب المحدثين في سعيهم نحو تجسيد قيمة حقيقية تؤكد معني لوجودهم،تزدحم الآن الساحة الثقافية بكثير من الأسئلة المطروحة عبر الوسائط المختلفة: اعلامية وثقافية، ماذا بعد نجيب محفوظ؟ هل كان نجيب محفوظ أمام الكتابة التي جاءت من بعده حجر عثرة وأفقا مغلقا أمام الكثير من أصحاب الخيال الروائي؟: هل كان ما كتب في زمنه من نصوص للعديد من الروائيين يحمل قيمة انسانية رفيعة أو تجديدا وسط ايقاعات مختلفة لأجيال قدموا عبر كتاباتهم ذلك التنوع الفني في العديد من النصوص؟أعتقد أن أي خيال فني جيد لا يستطيع أن يصادر خيال الآخر جيدا، وبالتالي لم يمثل نجيب محفوظ عبر تاريخه كله حجر عثرة أمام الكتابة التي جاءت من بعده، مما لا شك فيه أن نجيب محفوظ كان ابنا مخلصا، وربيبا يحمل وعي زمنه وهو زمن الليبرالية المصرية، تكون وعيه علي ضفاف ثورة 1919، وعاش يحمل في قلبه زعماءها وقيمها الديمقراطية والحزبية، وكانت مصر في ذلك الزمن تنهض محلقة نحو أفق من التحرر الوطني والحلم القومي، وكان الرواد والمبدعون أبناء تلك الحقبة فاعلين في تقديم رؤي فنية لواقع مستقر يمارس حريته عبر حزبية مستقرة الي أن جاء الزعيم الذي استبدل نفسه بالأمة.أفرزت تلك الحقبة كتابا آخرين كانوا المعبرين عن تحولات الواقع الاجتماعي في المسرح والسينما والأدب ورفعوا راية قيمة يوليو الجديدة ودافعوا عنها حتي وقعت هزيمة حزيران (يونيو) 1967 ودخل الساحة جيل الستينيات الذي مثل الوثبة المضادة للكتابة حينئذ متضافرا مع ما قدمه بدر الديب وادوار الخراط وسعد مكاوي وسليمان فياض منذ الأربعينيات وما تلاها من سنوات.كل هذه الكتابة استمرت محاذية لنجيب محفوظ وما بعده، تدفع الهزيمة عبر الشعر والرواية وتستشرف المستقبل من خلال انفجار مفتوح علي الاحتمالات تتجاوز الهزيمة عبر تيارات تتواصل من كتاب الرواية الذين يصوغون الأزمة وثقافة الأزمة وتتأمل اختلاط البدايات بالنهايات تحمل خياراتها وتنتمي لابداع جديد مدهش يقوم علي المغامرة وفعل الحرية.كانت الكتابة بعد محفوظ تحلم باعادة اكتشاف الواقع المصري وتطرح علي نفسها الكثير من الأسئلة وتري أن الابداع الذي لا يخرج من أفق حر لا معني له.ورأينا الكثير من التيارات تتحقق، تيار الواقعية الجديدة، وتيار استيحاء التراث واستلهامه وتيار الحياد اليومي والتعامل مع الاشياء والمغمورين والهامشيين الذين بدوا حقائق وجودية، وتيار استخدام الاسطورة عبر بنية ريفية عريقة تضيف اضافة مهمة لما كتبه طيب الذكر يوسف ادريس، وكان تيار القمع في الرواية المصرية والعربية حيث واجه السلطة مهددا الوجود الانساني في الواقع العربي.كان نجيب محفوظ يؤطر تجربته ويغني واقع الرواية بالجميل والجديد لكن كانت وما تزال التيارات الجديدة تتناسل وتخرج معتبرة أن الكتابة هي تجريب دائم يتأسس علي الرؤي الجديدة وتحاول تحطيم التابو والمحرم والثابت.يسير نجيب محفوظ عبر مدارك حقيقية في الوعي وفي الذاكرة لكن يظل الواقع المصري والعربي يزدحم بما يضيفه من جديد وبمراحل اخري تقوم علي الاكتشاف والحرية والنقد وحلمها في التجاوز والتأصيل.الرواية لم ولن تكملهالة البدريقاصة وروائية من حسن حظ كتاب الرواية أن فن الرواية ما زال لم يرسخ قواعده بعد، ولهذا يستطيع أي منهم أن يبتكر شكلا جديدا وتركيبا مختلفا كل الاختلاف عما تم ترسيخه، ولهذا رأينا شكل الرواية الدائري الذي يبدأ من حدث وينتهي الي نفس الحدث، ورأينا أشكال التشظي المنفجرة المختلفة في كل شكل من أشكالها والتي لا تعترف بالزمن وتراكمه وبالتالي تستطيع ان تقدم الرواية عالمها المتعنت بأشكال تجريدية تماما، ويحق للمؤلف أن ينصب اللوحة كما رأي باستخدام مفرداته في أي مكان من العمل كله، من هنا جاءت الاشكال الجديدة التي سميت عبر النوعية والتي استخدمت فيها أشكال الشعر والقصة والمسرح في نسيج العمل الروائي واستفادة الرواية من السينما في السيناريو والمونتاج بالتقطيع بأشكال مختلفة صعودا وهبوطا في الزمن الثلاثي بك ، استفادة ايضا من الموسيقي في ايجاد ايقاع يحكم الرواية كلها واستحدثت فكرة الكلمات التي تتخذ في الكتابة بنطا أكبر لتعطي ملمح هذا الايقاع، وأخذت من الفن التشكيلي والشعر معا فكرة رسم الكلمات واستخدام البياض، المسألة اذن أنها ما زالت مفتوحة للعديد من الابتكارات اللا نهائية وكلما فتحت لها آفاق جديدة ازدادت ثراء وازدادت فرصتها في الانتعاش وامتلاك المسرح لزمن أطول، لذلك من الطبيعي أن تختلف الرواية بعد نجيب محفوظ ولكن هذا ليس معناه أن نجيب محفوظ لم يستفد من هذا التطور الذي صنعه غيره بعد ان وضع هو الأسس المعمارية لنظام صارم، فتته هو في مراحله الأخيرة، علي سبيل المثال ابتداء من اللص والكلاب التي كتبت بجمل قصيرة ومشاهد سريعة مستفيدة من القصة القصيرة، دخل محفوظ مرحلة اخري، ثم نقلة نوعية مع الحرافيش التي استخدم فيها الاسطورة ليس اتكاء عليها ولكن في بنية العمل نفسه ثم أخيرا مرحلة أصداء السيرة الذاتية والأحلام، هذه مرحلة مختلفة اعتمد فيها نجيب محفوظ علي امكانياته الشخصية الجديدة سواء مع مشاكل الشيخوخة أو بعد حادث الاعتداء عليه الذي أجبره علي عدم الخروج، وعلي عدم القدرة علي الكتابة لفترات طويلة فصنع شكلا يناسبه ويناسب قدراته الجديدة التي لا يستخدم فيها الحركة، والسمع والبصر، بل استخدم قدراته في اكتشاف الداخل، فأعاد الدخول اليه بعمق يلفه الصمت وحلل هذا العمق قطرة قطرة، فظهرت الأحلام في قمة التقطير الذي يعكس فلسفة للحياة فخلق شكلا جديدا للرواية، فكيف تكون الرواية قد ماتت وما زال منشئ عمارتها الكلاسيكية يخترع أشكالا جديدة، بالاضافة الي قدرات كل هذه العقول التي تؤلف الرواية وتضيف اليها كل يوم جديدا والرواية العربية لها فرسانها الذين اختط كل منهم مسارا جديدا بعضهم ما زال يبتكر في كل عمل اضافة وقد شهدنا بعد محفوظ دخول الرواية الي عوالم الطفولة سواء المباشرة أي أن يكون الابطال من الأطفال أو استرجاع المؤلفين لعوالم طفولتهم، واستخدام الاسطورة في أكثر من شكل في الواقعية السحرية، لقد استطاع الروائي العربي أن يستفيد من كل الأشكال الحديثة وما بعدها وأن يبتكر لغة مختلفة قارن بين لغة محفوظ ولغة أصلان، بهاء، الغيطاني، ادوار الخراط، لطيفة الزيات، مي التلمساني، ابراهيم عبدالمجيد، وعبده جبير، ومصطفي زكي، وسحر خليفة وعبد الرحمن منيف، وفؤاد التكرلي، وغيرهم وفي بنية العمل انظر الأشكال التي قدمها ادوار وحنان الشيخ وبن سالم خميس والميلودي شغموم، ومحمد برادة ومحمد شكري وابراهيم عبد المجيد وسلوي بكر، وأحمد العايدي وسعيد نوح، وعشرات الأسماء. بعد كل ذلك لا يمكننا الحديث عن موت الرواية لأن ذلك سيكون ضد الزمن وحركة التاريخ وينفي جهدا كبيرا لعشرات الكتاب الموهوبين الممتازين.مات محفوظ الدولةوبقي محفوظ المبدعخالد اسماعيلكاتب قبل الاجابة علي هذا السؤال لا بد من أن نعرف أن الظروف التي عاشها رائد الرواية العربية نجيب محفوظ كان لها دور في ريادته وهي ظروف ثقافية سياسية اجتماعية، عالمية ومصرية فلم يكن محفوظ يعيش وحده أو يكتب من تلقاء نفسه أو لنفسه، كان هناك أدباء عالميون يقرأ لهم، فقد كان يقرأ بالانكليزية والفرنسية هذا بالاضافة الي اطلاعه علي التراث العربي القديم، كما أن حياته كموظف ثم تدرجه في وظائف أخري، مثل رئاسة الرقابة علي السينما، ثم دخوله عالم كتابة السيناريو، ثم سفره ضمن وفد رسمي الي اليمن، أثناء حرب اليمن وقبلها ضمه الي قائمة كتاب الأهرام ، كل هذا يجعلنا أمام حالة خاصة جدا، حالة لها وجه ابداعي وآخر سياسي فعلي سبيل المثال، محفوظ صنعه الاعلام الناصري ثم الساداتي وهو الأديب الوحيد تقريبا الذي اشتركت كل وسائل الاعلام المملوكة للدولة في تقديمه، الاذاعة حولت أهم أعماله الي مسلسلات شهرية، تذاع في وقت مهم، ومؤسسة السينما أنتجت له أفلاما، وكذلك التلفزيون منذ بدايته وحتي اليوم حول العشرات من أعماله الي مسلسلات، وهذا كله لا يقلل من قيمة محفوظ الابداعية، لكنه يمنحه ميزة أساسية، أقصد ميزة التواصل مع عدة مستويات جماهيرية فهو من خلال نوافذ الاعلام يطل علي القاعدة العريضة من الجماهير، ومن خلال نصوصه الابداعية يطل علي النقاد والأدباء، وتم ترسيخ هرم اسمه نجيب محفوظ، لكن هذا لا ينفي وجود مبدعين آخرين عاشوا في ظله أو علي وجه الدقة عاشوا في زمن تألقه، فقد كان هناك أديب كبير اسمه يوسف ادريس كتب القصة والروايات القصيرة، ثم جاء روائي آخر، هو فتحي غانم، وبالمناسبة هو أديب صاحب مشروع كبير، لم يحظ بالحضور الدعائي، رغم ان النقاد يعرفون قيمته، يكفي أن نذكر القارئ بأعمال مثل الرجل الذي فقد ظله و زينب والعرش أو تلك الأيام وغيرها ورغم هذا امتلك غانم الجرأة وأبدع في حياة نجيب محفوظ لكنه لم ينل الرعاية اللائقة به، ولم يهتم به تلاميذ نجيب محفوظ الاهتمام اللائق. هناك أيضا خيري شلبي، وهو صاحب تجربة ابداعية غزيرة للغاية قد نختلف أو نتفق معها لكنه في النهاية صاحب مشروع ابداعي كبير يتناول هوامش المدن الكبري وأرياف الوجه البحري، وهناك من تلاميذ نجيب محفوظ نفسه من امتلكوا المشاريع مثل جمال الغيطاني وعبد الوهاب الأسواني، ومن المهم هنا أن نتوقف أمام مسألة مهمة في الابداع المصري، هي مسألة غياب النقاد الذين يقرأون الابداعات، هذا الغياب جعل كل ما حدث في مصر مجرد احتفال طويل بنجيب محفوظ تركز بعد ان تم طعنه بالسكين حتي موته، وشاءت القيادة السياسية أن توجه اليه اهانة تمثلت في أن جثته تم الكشف عليها بأجهزة الكشف عن المفرقعات لأن رئيس الدولة سيحضر الجنازة وثم الغاء الجنازة الشعبية التي أوصي بها الكاتب الراحل، وهذا يدعونا للقول: ان حالة التماهي بين محفوظ والدولة حالة غير قابلة للتكرار خصوصا في ظل سيطرة طبقة سماسرة علي الحكم لا يشغلها الأدب ولا يعنيها الاستناد الي أديب، فكله عند العرب صابون كما يقولون.اذن كان هناك أدب في حياة نجيب محفوظ، وكانت هناك روايات ومشروعات ابداعية وسوف تتواصل هذه المشروعات لأن الأوضاع التي يعيشها المصريون من تطاحن وجوع وأزمات يومية حادة تجعل المناخ مهيئا للرواية وسوف تستمر مشاريع المبدعين في قرارة هذا والواقع لكن ربما يختلف المنظور، وربما يختلف حجم المنجز الأدبي، لكن هناك حياة أدبية سوف تبقي ويمكن للعالم أن يتعرف عليها لو أراد بشرط واحد هو النزاهة، فالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقد احتكرت اسم نجيب محفوظ، احتكرت ايضا غربال الأدب، لأنها هي التي تمنح وتمنع، أقصد جائزة نجيب محفوظ وأقصد عملية الترجمة الي الانكليزية، وهناك وزارة الثقافة وصحفها الثقافية تقوم ايضا بدور الغربال فترفع أدباء وتخفض آخرين وكلها محاولات أزعم انها ستفشل، وأن المشروعات الابداعية الكبري ستظهر ملامحها خلال السنوات المقبلة.عموما مات نجيب محفوظ المتماهي مع الدولة وبقي نجيب محفوظ المبدع وسيولد مبدعون آخرون، قادرون علي قرارة اللحظة الراهنة التي تختلف بشكل كلي عن اللحظة التي رصدها محفوظ، ابتداء من نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، وحتي أحلام فترة النقاهة آخر ما أبدع الكاتب الراحل.هناك نوبل أخريلكنها لن تصادر المستقبلصابر رشديكاتب قصة عندما علمت بالخبر الأليم وغير المفاجئ سالت مني الدموع للمرة الثانية من أجله، فقد كان هناك ابتهال عطوف وغير آثم الي المولي كي يستريح هذا الشيخ الجليل الواهن من عناء الحياة. للقدرة البشرية حدود مهما طالت الرحلة ومهما طال الحضور، فيغيب الجسد حتما في يوم ما ولكن عزاؤنا دائما ان هناك اشياء عصيبة علي المحو والنسيان.حقا كنت أتمني لهذه الروح النبيلة الانعتاق من أسر هذا العالم الذي تثور فيه الفوضي والاضطرابات والعنف المتواصل والسباحة في ملكوت عالم آخر له قوانين أخري أكثر رحابة وأكثر تعاطفا حيال البشر، عالم يحنو علي صاحب هذه الرحلة الاستثنائية المثمرة والانجاز الأدبي الفخيم.وها أنذا أنخرط مع الجميع في هذا المناخ العبثي المحموم للكتابة عنه مدفوعا بالمحبة العميقة والتقدير اللازم وضرورة الاعتراف بالفضل ومدركا في ذات الوقت أن الموت لا ينبغي له الكتابة عن الأحياء ولكني مواسيا سأواصل هذا العمل.في رحلته الذاخرة استطاع نجيب محفوظ رصد واقع شامل من خلال لغة أدبية رصينة وسرد فني رفيع المستوي دون أن يخون يوما هذا الواقع أو ينحو الي تزييفه كما فعل البعض. كان دائب الايغال في أعماق الشخصية القاهرية مكتشفا للكثير من المناطق المستغلقة داخلها في العديد من أعماله مما جعلنا أكثر وعيا وأقل اغترابا تجاه أنفسنا في هذا الجو المكروب.مكرسا جل حياته لهذا الجنس الأدبي الساحر دائم التطور والتغيير جاعلا من قراءة الرواية شيئا رائعا ومشوقا كما أوصي الناقد والروائي الكبير هنري جيمس ومتمثلا هذه الكلمات الدقيقة التي كتبها المعلم الأكبر فيدور دوستويفسكي الي أخيه في احدي رسائله: لا يأتي دفعة واحدة الا ما يتعلق بلحظات الالهام وما سوي ذلك فما يأتي هو العمل الدائب الشاق .وكم بذل محفوظ من جهد للوصول الي هذه المكانة الكبيرة مرتقيا قمة الرواية العربية مدافعا بها عالميا في اتجاه كل اللغات.مشهد 1البداياتعرفته في سنوات الصبا الأولي، كنت صغيرا وشغوفا بالقراءة، كان عدد الجرائد والمجلات محدودا ولم يكن كل هذا الضجيج، عدد قليل وبالغ التأثير من الكتاب يقومون بجر أقدامنا الي هذا الملعب المدهش والمثير حتي استطاعوا زرع فتنة القراءة داخلنا: توفيق الحكيم، أنيس منصور، احسان عبد القدوس، مصطفي محمود، وآخرون لاعبون مهرة، كانوا الأكثر رواجا، وكانوا يعرفون تماما اثارة البهجة.انتهي هذا الشغف الي ما يشبه الادمان، يصير معه المرء قارئا محترفا، يستطيع أن يعيد انتاج ذائقته في أي وقت والولوج مرة أخري الي عوالم مختلفة.باختصار استطعت العثور عليه كتابة فارقة وعميقة وان كانت تميل الي القسوة أحيانا، والمصير المأساوي لأبطاله بما لا يحتمله قلب صبي صغير مفعم بمشاعر لا تحتمل مثل هذه الأفكار، كان يكتب عن هذا العالم الذي رحت أخترقه متصعلكا وسعيدا كفتي قاهري لديه الحمية والفضول لاكتشاف مدينته، كنت مولعا حتي الهوس بالأحياء القديمة، أبدأ رحلة التجوال من سبتية بولاق حيث الميلاد والصبا وسنوات الشباب الأولي في اتجاه مزارات آل البيت دائما، السيدة زينب والحسين، مكتشفا بنفسي كل الدروب العتيقة مفتونا بهذا العبق وبصورة حية للتاريخ القديم، كانت البيوت والدكاكين كما هي لم يطرأ عليها هذا التغيير الوحشي الذي أفرزته حقبة الانفتاح والحقبة الحالية، كنت متيما بالأزهر والمناطق الواقعة جنوبه وغربه والحسين شماله وغربه. في هذا الزمن كان كل شيء يبدو هادئا ورصينا، رغم الزحام، كانت تخرج من الدروب والأزقة أشكال انسانية موحية ومباغتة تفاجئني تماما، انما نفس الشخوص التي شكلها محفوظ من قبل علي الورق، كنت اصطدم بها، وأحس أنفاسها محاولا القبض علي ملامحها، قبل أن تتوه مرة أخري أو تذوب في الزحام.مشهد 2مقهي الحريةترام 4 الشهير يبدأ من وكالة البلح بجوار نيل بولاق وينتهي به المطاف في السيدة زينب بعد سير رتيب ومجلجل، أقفز اليه في رشاقة من محطة جامع طلعت أثناء مروره بشارع السبتية.بعد وقت قليل وعدة محطات يصل الي باب اللوق، يتوقف أمام مقهي الحرية ببابه العريض العالي ونوافذه العديدة بالغة الاتساع، في هذه اللحظات القليلة انظر الي عمق المقهي، أتخيل داخله أناساً في غاية الأهمية، وأتخيله أيضا في الداخل جالسا في سكون مستغرقا في لحظات من التأمل.في كل مرة كنت أريد النزول لمصافحته والجلوس اليه قليلا لتلقيني أسرار فنه الجميل.مرت سنوات طويلة واختفي الترام من القاهرة ـ أحد الأوجه الساحرة للطفولة ـ وعلمت فيما بعد أنه لم يكن من رواد هذا المقهي القديم ولكن ظلت حيرتي قائمة حتي الآن من هذا الخلق الحميم لتصور ما ابتدعته مخيلة كانت تحبو في ذلك الزمان.مشهد 3وسط البلدعماد الدين، فؤاد، شريف، عبد الخالق ثروت، قصر النيل، شوارع متلاصقة وشهيرة، في قلب القاهرة الخديوية، لا تحتاج سوي عبور شارعي الجلاء ورمسيس حتي نكون فوق أرصفتها متسكعين أمام فترينات المحلات التجارية أو لمشاهدة آخر الأفلام التي وردت الي دور العرض المنتشرة في المكان.علي بعد خطوات، ميدان طلعت حرب، وبالقرب منه مقهي ريش، أراه جالسا، ولكني لا أستطيع الاقتراب وكنت أصادقه أحيانا وهو يمشي علي قدميه مخفورا دائما بأعين المارة، وهمساتهم، كان لافتا للانتباه رغم خطواته الرزينة، كان الناس يتعرفون عليه بسهولة، كانوا يشيرون اليه في محبة انظر انه نجيب محفوظ .مشهد 4وفاة الحكيمقوت الأمن تحاصر المكان منذ الصباح الباكر علي نحو يشي بأن رموز الدولة ستتقدم هذا الوداع، كان الناس يحتلون أرصفة ميدان التحرير، وينظرون الي ما وراء أكتاف العساكر، الي ما يحدث في السرادق المقام بجوار مسجد عمر مكرم.شعرت بالغيظ كم عاني هؤلاء للحضور، ثم تكون النهاية الاحتجاز وراء السياج الحديدي، فوق الرصيف.في هذا اليوم قررت الوصول الي السرادق متحملا كافة المخاطر لوداع هذا الكاتب الكبير.كانت هناك كل الأسماء.العظيم نجيب محفوظ يتصدر قائمة مستقبلي العزاء وبجواره أقارب الحكيم، وصحافي متوسط القيمة كان يترأس مؤسسة الأهرام يقف مزهوا ومختالا راضيا تماما عن ضحالة موهبته ينعكس عليه بريق مجد زائف لسلطة بدأت منذ ذلك الحين رهن مؤسساتها الثقافية والاعلامية لمجموعة من التعساء مهنيا وثقافيا علي نحو مثير للشبهات.انتهي العزاء بخروج جثمان الحكيم من المسجد بعد اتمام صلاة الجنازة ووضعه في سيارة ذهبت به الي الاسكندرية المدينة التي احبها، وأوصي أن تكون مثواه الأخير.بدأ الزحام يقل تدريجيا مع انسحاب المعزين، كانت عيناي معلقتين بنجيب محفوظ تراقبه من بعيد كان الرجل يقف وحيدا وفي يده بعض الجرائد غير متعجل الانصراف، كانت تحيط به مجموعة من الأدباء قبلها ثم انصرفوا جميعا.صرت علي مسافة قريبة منه وجدته ينظر لي علي طريقته، تقدمت ذقنه الي الأمام ومالت مؤخرة رأسه الي الوراء قليلا، كان يبدو متوقعا أن أبادره بالتحية، في هذه اللحظات ـ وأقسم بالله علي ما أقول ـ كانت علي شفتي نبوءة كنت أريد اسعاده بها، ثم التواري بعد ذلك.كنت أود أن اقول له: ستحصل علي نوبل العام القادم ، ولكن الكلمات ماتت فوق لساني وشعرت أن اقتحامي له سيكون عبثا غير مسؤول من شاب في مقتبل العمر ليس لديه من عميق الصلة به سوي الجرأة علي قراءة أعماله والاستمتاع بها.عموما صدقت النبوءة وان لم يحالفها الحظ في دقة التوقيت، وحصل محفوظ علي الجائزة ولكن بعد عامين.مشهد 5نوبل 88كنت عائدا لتوي الي البيت، وكانت نهايات نشرة أخبار الثانية والنصف ظهرا بالراديو، التقطت أذناي صوت مذيعة البرنامج العام وهي تقول انه اول أديب عربي يحصل علي نوبل، في هذه اللحظة انتبهت جيدا مأخوذا بقشعريرة مباغتة وبدون أي تفكير وجدتني أصيح: نجيب محفوظ أخذ نوبل ، قفزت يومها الي السماء مثل جماهير كرة القدم، مشمولا بمشاعر متضاربة، ثم داخلني شعور بالقلق، فأنا لم استمع الي اسم نجيب محفوظ في هذه الكلمات القصيرة. بآلية معتادة لم تكن وليدة هذه اللحظات وعندما أود التأكد من خبر ما أدرت المؤشر الي راديو لندن، انه هو، كان الخبر رقم 1، لقد انضم نجيب محفوظ الي قائمة عظماء الأدب، آخذا مكانا مستحقا، وها هو ينضم الي حشد من عباقرة السرد، وأساتذة الفن الروائي، أندريه جيد، هيرمن هيسه، فوكنر، هيمنغواي، ايفو أندريتش، استورياس، ماركيز. طبيعي جدا أن يتردد اسم محفوظ مع اصحاب هذه القامات الشاهقة، وطبيعي أيضا ان تطفر الدموع من عيني فرحة للمرة الأولي من أجله.مشهد 6كازينو قصر النيلمساء الجمعة من كل أسبوع كانت تلك الندوة في كازينو قصر النيل الذي يحتل مساحة كبيرة علي الضفة الغربية للنيل، يجلس الأستاذ والي جواره دائما مصطفي أبو النصر، وعلي سالم، وآخرون، يتناثر علي المقاعد كثير من المريدين، كانت المرة الأولي التي أجلس فيها الي نجيب محفوظ، وأتطلع اليه عن قرب لفترة طويلة، لم يكن كما تصورته دائما طيبا حتي النخاع، كان متواضعا حقا وذا أريحية مصرية صميمة وكان مثقفا مهولا دقيق الكلمات وعميق الحكمة، للوهلة الأولي لمحت داخله شخصية قوية، تستطيع الحسم والمبادرة، باختصار كان رجلا مهيبا، كنت أظل صامتا أستمع الي المداخلات دون الدخول في مناقشات من جانبي ودون رغبة مبتذلة في توقيع كتبه أو محاولة التصوير معه، كانت امسيات جميلة، ولكن شخصا ثقيلا استطاع ان يفسد علي هذه المتعة تماما. انه علي سالم صديق اسرائيل الحميم والمطبع رقم 1 في المنطقة، كان فظا غليظا ذا صوت جهوري مزعج، كان يبدو مفاخرا به علي نحو مغيظ، كان يتصدي لكل شاردة وواردة في الندوة حاجرا علي أفكار الناس ومسفها كل فكرة لا تتناسب مع أفكاره العقيمة. كنت أخشي أن يقوض الندوة ويضيع علينا بهجة تلك الساعات الفريدة بجوار الاستاذ، فقد حولها الي ساحة حرب، بينما كان يطرح نفسه كداعية سلام ولكن فقط مع الاسرائيليين. عموما جاءت محاولة اغتيال محفوظ كنهاية لهذه الندوة، وصرت أتابعه بعد ذلك من خلال صفحات أخبار الأدب وبعض الأصدقاء.مشهد أخيرمات نجيب محفوظ وشاهدنا مراسم توديعه في التلفزيون كنت أتمني أن يتركوه لنا بدلا من هذا الجناز السريع والمتوتر الذي شابته أجواء الخوف والارتباك. كنا نستطيع توديعه وداعا لائقا يتناسب مع محبتنا له ولكنهم أرادوا اختطاف هذه اللحظة المثيرة وأفسدوها كما أفسدوا كل شيء من قبل. مات عميد الرواية العربية وبقيت لنا أعماله العظيمة وسيرته كنموذج فذ للارادة البشرية، كان شريفا ومتواضعا ونظيف اليد، لم يطلب يوما شيئا مقابل هذا العطاء بينما أخذ البعض كل شيء مقابل عطاء باهت وضئيل وأحيانا بدون عطاء.رحم الله نجيب محفوظ.بعد النهايةسألني أحد الأصدقاء: هل هناك نوبل مرة أخري للعرب؟بعد قليل من التردد أجبته: نعم، ولكنها في الشعر هذه المرة، فما زال أدونيس يحفر عميقا ويرهق الشعراء كما أرهق محفوظ مجايليه من الروائيين والأجيال التي تلته.0