سيل من التصريحات التركية حول إمكانية التطبيع مع النظام السوري.. هل حسمت أنقرة قرارها؟ 

حجم الخط
5

أنقرة- “القدس العربي”: تتوالى التصريحات الرسمية التركية في الأيام الأخيرة حول مستقبل العلاقة مع النظام السوري، ومعها تتوسع التساؤلات حول مدى إمكانية حصول تقارب سياسي قريب بين أنقرة ودمشق، وما إن كانت كل هذه التصريحات تمهد بالفعل إلى خطوات تركية قريبة من قبيل إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري أو عقد اجتماعات مباشرة بين النظام والمعارضة بحضور تركي روسي أو اتفاق جزئي يتعلق بتسهيل إعادة اللاجئين من تركيا إلى سوريا عبر تنسيق مباشر بين أنقرة ودمشق.

بدأت موجة التصريحات التركية من وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، وامتدت لتشمل عددا كبيرا من الشخصيات الرسمية، مروراً بدعم زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشيلي حليف أردوغان في الحكم، مبدأ التواصل مع النظام السوري، وصولاً لتصريح مسؤول كبير في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، رفض فيه الحزم بعدم إمكانية حصول لقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد.

وعلى الرغم من النفي الرسمي لوجود “تغيير جوهري” في السياسة التركية اتجاه نظام الأسد، إلا أن غزارة التصريحات الرسمية حول “إمكانية التواصل السياسي” ودعم ذلك من قبل عضو لجنة مركزية في الحزب الحاكم، وزعيم الحركة القومية، يعطي مؤشراً قوياً على وجود توجه جديد في السياسة التركية قد يكون نتج عن توافقات ما جرى التفاهم حولها في قمة طهران التي جمعت أردوغان وبوتين وروحاني مؤخراً.

اتصالات على المستوى “السياسي” 

بداية الشهر الجاري، ولأول مرة منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحدث مسؤول تركي رفيع عن إمكانية “التعاون السياسي” مع النظام السوري، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام عدد كبير من الأسئلة الصعبة المتعلقة بمدى التحول الذي طرأ على السياسة التركية اتجاه دمشق، وما إن كان ذلك مقدمة لإعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، وذلك في ظل الحملة الدبلوماسية التركية الجديدة التي تضمنت إعادة تطبيع العلاقات مع الكثير من الدول في المنطقة ومنها إسرائيل والإمارات والسعودية وأرمينيا وغيرها.

ففي لقاء تلفزيوني، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن بلاده مستعدة لتقديم “كافة أنواع الدعم السياسي” للنظام السوري فيما يتعلق بـ”إخراج الإرهابيين من المنطقة”، وذلك في إطار الحديث عن إنهاء تواجد الوحدات الكردية في مناطق شمال سوريا وسيطرة قوات النظام السوري عليها.

وفي السياق العام لتصريحات جاويش أوغلو التي أدلى بها لتلفزيون “تي في 100” التركي، قال تعقيباً على التهديدات التركية بالقيام بعملية عسكرية في شمال سوريا: “الولايات المتحدة وروسيا لم تفيا بوعودهما بإخراج الإرهابيين من المنطقة، وهذا يدل على عدم إخلاصهما في محاربة الإرهاب”، لافتاً إلى أن بلاده أجرت سابقا محادثات مع إيران بخصوص “إخراج الإرهابيين من المنطقة، ومستعدة أيضاً لتقديم كل أنواع الدعم السياسي لعمل النظام (السوري) في هذا الصدد”.

وأضاف الوزير: “من الحق الطبيعي للنظام (السوري) أن يزيل التنظيم الإرهابي من أراضيه، لكن ليس من الصواب أن يرى المعارضة المعتدلة إرهابيين”، مشدداً على أن العمليات العسكرية التركية “تدعم وحدة الأراضي السورية” وستكون مهمة من ناحية السيادة ووحدة الأراضي السورية.

وفي الحادي عشر من الشهر الجاري، كشف جاويش أوغلو، عن أنه أجرى محادثة قصيرة مع وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد، على هامش اجتماع حركة عدم الانحياز الذي عقد في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، في العاصمة الصربية بلغراد، نافياً وجود ترتيبات لعقد لقاء بين أردوغان والأسد. وهي التصريحات التي فجرت موجة غير مسبوقة من الغضب في أوساط المعارضة السورية خاصة في شمال سوريا، الذي شهد مظاهرات غاضبة ضد التصريحات التركية.

تصريحات “جريئة” 

وفي تطور لافت، أشاد دولت بهتشيلي، زعيم حزب الحركة القومية، حليف حزب العدالة والتنمية بالحكم في تركيا، بتصريحات وزير جاويش أوغلو حول التواصل مع النظام السوري، وقال بهتشيلي: “الكلمات البناءة والواقعية لوزير خارجيتنا حول إحلال السلام بين المعارضة السورية ونظام الأسد هي متنفس قوي للبحث عن حل دائم، ولا ينبغي لأحد أن ينزعج من ذلك”.

وأضاف بهتشيلي في كلمة أمام كتلة حزب الحركة القومية بالبرلمان التركي: “رفع مستوى المحادثات بين تركيا وسوريا إلى مستوى الحوار السياسي وإخراج التنظيمات الإرهابية مرشح ليكون أحد الملفات المطروحة على الأجندة السياسية، بل وإنه يستحق التفكير الجاد”، معتبراً أن خطوات تركيا في هذا الإطار “دقيقة ومدروسة”.

في السياق ذاته، وفي تصريح ربما يعتبر “الأجرأ”، لم يستبعد حياتي يازجي، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، إمكانية إجراء لقاء بين أردوغان والأسد، بشكل قطعي. وقال يازجي رداً على سؤال حول إمكانية حصول لقاء على مستوى القادة: “لست في وضع يسمح لي بالقول إن ذلك لن يحدث على الإطلاق، الأمور تبدأ من مكان ما، وأنا آمل أن يتم إحراز تقدم في هذا الشأن”، لافتاً إلى أن “قنوات الحوار هي العامل الأكثر أهمية في المشكلات في العلاقات الدولية، وتكون إما مباشرة أو غير مباشرة، وحتى الآن تجري اتصالات غير مباشرة (مع النظام السوري)”.

توضيحات “مبهمة” 

كما عاد وزير الخارجية جاويش أوغلو لتوضيح تصريحاته مجدداً، الثلاثاء، مشيراً إلى أن “البعض داخل سوريا وتركيا سعى لإخراج التصريحات التي أدلى بها سابقا حول سوريا في اجتماعات المؤتمر الـ13 للسفراء الأتراك، عن سياقها، وأنهم يعلمون الجهات التي تقف وراء ذلك”، مؤكداً أن “التصريحات التي أدلى بها حول سوريا سابقا، تعبّر تماما عن الجهود الحثيثة التي تبذلها تركيا لوقف الحرب في سوريا”.

والجمعة الماضية، أصدر المتحدث باسم الخارجية التركية، تانجو بيلغيتش بياناً اعتُبر بمثابة “رد على الأخبار المتداولة في وسائل إعلام بخصوص مقاربة تركيا تجاه النزاع في سوريا”، وهو ما اعتبر بمثابة محاولة لتوضيح تصريحات وزير الخارجية التي اعتبرت مصادر تركية أنها “أُخرجت من سياقها وجرى ترويجها بشكل خاطئ”.

وقال المتحدث باسم الخارجية: “تركيا ومنذ بداية النزاع في سوريا هي أكثر دولة بذلت جهودا لإيجاد حل للأزمة بما يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري”، مذكراً بأن “تركيا لعبت دورا رياديا في الحفاظ على وقف إطلاق النار في الميدان، وتأسيس اللجنة الدستورية عبر مساري أستانة وجنيف”، مؤكداً أن أنقرة ستواصل تقديم “الدعم الكامل للمعارضة السورية وهيئة التفاوض وستواصل تضامنها مع الشعب السوري”.  وأضاف: “المسار السياسي لا يشهد تقدما حاليا بسبب مماطلة النظام”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية