سيمفونية إسطنبول هي السيمفونية رقم 1 في أعمال الموسيقار التركي العالمي فاضل ساي، الذي يعد من أهم وأشهر المؤلفين الموسيقيين وعازفي البيانو المعاصرين في زمننا الحالي. قدم ساي العديد من المؤلفات الموسيقية الرفيعة، في قوالب كلاسيكية مختلفة كالسيمفونية والكونشيرتو والأوراتوريو وغيرها من القوالب والأشكال الفنية. ولد فاضل ساي في العاصمة التركية أنقرة عام 1970، وبدأ يتلقى دروس البيانو منذ أن كان في الثالثة من عمره، ثم تابع دراساته الموسيقية وعلوم التأليف في معهد الموسيقى في أنقرة، وألف أولى مقطوعاته الموسيقية، عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، وكانت تلك المقطوعة في قالب الكونشيرتو، وحصل بعد ذلك على منحة لاستكمال دراسته الموسيقية في ألمانيا، وهناك بدأت مسيرته العالمية، وعزفت أعماله على أهم مسارح العالم، بواسطة أقوى الفرق الأوركسترالية. في موسيقى فاضل ساي نجد حضوراً كبيراً لتركيا بطبيعة الحال، ولا يقتصر الأمر على الحضور العادي لوطنِ فنانٍ ما في فنه، فلدى ساي اهتمام كبير يرتبط ببحث وتأمل عميقين في تاريخ الوطن، وربما يذهب ذلك التأمل إلى بعض المراجعة والمساءلة أيضاً، كما أنه يبرز الثقافة التركية ويقدمها للعالم من خلال لغة الموسيقى الكلاسيكية، ويدمج ألحان بلاده المحلية بسماتها الخاصة وروحها الشرقية، بالموسيقى السيمفونية وقواعدها الغربية الخالصة. وفي عمله الكبير «أوراتوريو ناظم» قدم بشكل رائع قصائد ناظم حكمت شاعر الأمة التركية في قالب الأوراتوريو المهيب، الذي يجمع بين الموسيقى والإلقاء الشعري.
إسطنبول بين الماضي والحاضر
لا شك في أن إسطنبول هي المدينة التركية الأشهر، وتكاد تكون العلامة البصرية الأولى لتركيا، وهي مدينة تشتهر بأماكنها التاريخية ومعالمها السياحية ومناظرها الطبيعية الخلابة، وتأتي في مقدمة المدن السياحية في تركيا، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المدن ذات الشأن السياحي الكبير. لطالما ألهمت هذه المدينة العديد من المبدعين داخل تركيا وخارجها، بتاريخها العريق الممتد الضارب بجذوره في أعماق الماضي، وتحولاتها بين أزمنة وأحداث مختلفة، حيث أخذت تراكم الحضارة من قرن إلى آخر، فتركز فيها عبق التاريخ كأنها مدينة فوق مدينة، أو فوق عدة مدن. يصحبنا الموسيقار فاضل ساي، من خلال سيمفونية إسطنبول في رحلة داخل هذه المدينة، والرحلة ليست في المكان وحسب، ولكنها رحلة في الزمان أيضاً، حيث يبحر الفنان التركي في مدينة يتركز فيها جزء كبير من تاريخ بلاده، ويتأملها بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب، بين الأصالة والحداثة. أراد فاضل ساي أن يرسم لوحة موسيقية للمدينة، وأن يضمّن تلك اللوحة بعضاً من أجواء إسطنبول وملامحها، وصفحات من تاريخها الهائل ومشاهد من الحياة اليومية فيها، تم تأليف السيمفونية عام 2008 وهي مؤلفة للأوركسترا الكاملة في شكلها الكلاسيكي المعروف، ثم أضاف إليها ساي مجموعة من الآلات الشرقية التركية، كالناي والقانون والدربوكة والدف والكودوم. يستغرق عزف السيمفونية خمسين دقيقة تقريباً، وتتكون من سبع حركات، كل حركة تمثل وجها من وجوه المدينة الآسرة، واختار لها الموسيقار عنواناً دالاً على موضوع الحركة ومصدر إلهامها، وما تعبر عنه، وعناوين الحركات هي: الحنين، النظام الديني، جامع السلطان أحمد، رحلة الفتيات الجميلات على السفينة المتجهة إلى جزر الأميرات، المسافرون من محطة حيدر باشا إلى الأناضول، ليلة شرقية، خاتمة.
تبدأ السيمفونية بمحاكاة صوتية لأمواج البحر، يتداخل معها عزف الوتريات بجمل موسيقية بطيئة، تتلاحق هذه الجمل الموسيقية وتتوالى كموجات هادئة سرعان ما تنحسر. يدخل الناي دخولاً جريئاً واثقاً، يفرض حضوره وشخصيته بقوة، ويحدد أجواء السيمفونية مبكراً منذ لحظاتها الأولى، ويعلن عن الطابع الشرقي للموسيقى الذي تتضمنه هذه السيمفونية، وأنها ليست سيمفونية كلاسيكية خالصة، أو مخلصة بالكامل للقواعد الغربية الصارمة، وإنما هي مزيج بين الشرق والغرب، تماما كمدينة إسطنبول موضوع العمل. يمكن القول إن الناي هو بطل هذه السيمفونية، وليست البطولة بكثافة الحضور وطول مدته، أو بانفراداته الكثيرة، لكن البطولة هنا نابعة من الشعور بأن صوت الناي يمثل الشخصية الرئيسية، والتعبير الأصفى عن صوت المدينة في صورته الأصيلة. كما أن الناي يصحبنا منذ البداية وينتقل بنا من حركة إلى أخرى بحضور مختلف وتعبيرات جديدة، ويكون الصوت الأخير الذي يختتم العمل هو صوت الناي، الذي يترك الأثر النهائي في نفس المتلقي.
في الحركة الأولى يؤكد الناي موضوع الحنين بتقاسيمه وارتجالاته الشجية، ويتضاعف الحنين بانضمام القانون أيضاً بأنغامه ذات التعبيرات الحزينة. الحركة بطيئة في قسمها الأول، لكنها تضطرب بعد ذلك وتضطرم أنغامها بصوت الآلات الإيقاعية والنحاسية، وتتصاعد نحو ذروة قوية تؤدي إلى لحن سريع صاخب، في إشارة إلى ما خاضته هذه المدينة من صراعات وحروب على مرّ الأزمنة، حيث الإيقاع شبه العسكري والالتحام الهائل بين آلات الأوركسترا، الذي يستمر إلى أن تخفت الموسيقى تدريجياً، ويكون ختام الحركة مع صوت الناي الحزين.
الجانب المظلم والجانب المضيء للحضارة الإسلامية
الحركة الثانية من الحركات المثيرة في هذا العمل فكرة وتنفيذاً موسيقياً، حيث تعد نظرة ناقدة من الموسيقار للتاريخ الديني في مدينة إسطنبول، وتعكس الحركة الجانب المظلم من الثقافة الإسلامية، الجانب الأيديولوجي المتطرف، والسلطة الدينية والتشدد العقائدي، والتعصب والقمع، والشعور بالأفضلية والتفوق الذي قاد إلى ما يعرف بالفتوحات الإسلامية والخلافة والرغبة أو الشعور بالأحقية في امتلاك وحكم بلدان الآخرين واحتلالها باسم الدين الإسلامي. أجواء الحركة قاتمة والأنغام ثقيلة بما يلائم الموضوع المراد التعبير عنه، تقوم الأوركسترا بالعزف بكل مجموعات الآلات الغربية تقريباً، ويتم الاعتماد على الآلات الإيقاعية والنحاسيات من أجل خلق الشعور بالقلق والخوف والخطر والقوة الهائلة، التي لا يمكن الوقوف أمامها. بعد أن يعرض فاضل ساي الجانب الظلامي للحضارة الإسلامية في الحركة الثانية، يقوم في الحركة الثالثة وعلى العكس تماماً بعرض الجانب المضيء المشرق من الحضارة الإسلامية ذاتها، في المدينة نفسها وفوق الأرض نفسها. وكما كانت الحركة الثانية رائعة ومدهشة في تعبيراتها الموسيقية، فيمكن القول، إن الحركة الثالثة أكثر روعة وأشد إدهاشاً للسامع الذي يجد نفسه في مواجهة جمال موسيقي هائل يفيض ويحيط به من كل جانب. «جامع السلطان أحمد» هو عنوان الحركة وموضوعها الذي استلهم منه الموسيقار فاضل ساي هذه الحركة البديعة الآسرة، التي يميزها التشابك الموسيقي المعقد المصاغ بدقة شديدة، كما لو أنه تشابك وتعقيد ودقة العمارة الإسلامية. في الحركة نستمع إلى ضربات الآلات الإيقاعية التركية، التي ترافق صوت الناي وتقاسيمه وعزفه الارتجالي، تعكس هذه الحركة الجانب الحضاري من الثقافة الإسلامية، وتعبر عن الصفاء الروحي والجمال المعماري بفنيته العالية، تشعر الأذن في أنغام الناي بنفس صوفي تأملي، وتجد زخارف ومنمنمات موسيقية دقيقة. تم توظيف الآلات الإيقاعية التركية لتدعم اللحن وتعطي إحساساً بأن النغم يتجلى ويتردد في فضاء الجامع الكبير، تنمو الحركة تدريجياً ويكون السامع في إحساس مستمر بالصعود نحو الأعلى، إلى أن تصل الموسيقى إلى ذروة قوية مهيبة تمثل عظمة العمارة الإسلامية وجلال المكانة الدينية للجامع.
الحركة الرابعة «رحلة الفتيات الجميلات على السفينة المتجهة إلى جزر الأميرات»، تمثل الاسكرتسو في هذه السيمفونية، وهي الحركة اللطيفة ذات الموضوع الموسيقي المرح والأفكار الموسيقية الخفيفة والراقصة إلى حد ما، فنحن في هذه الحركة نكون مع يوم جميل ونزهة بحرية تقوم بها فتيات جميلات، نحو جزر جميلة، فنجد الثيمات الموسيقية الناعمة والتعبير الموسيقي عن الشباب والجمال والماء والنسيم والمرح والسعادة. تكون البداية مع النغمات الرشيقة للفلوت والباصون والأوبوا والكورنيه الإنكليزي، يقطعها من حين إلى آخر صوت آلة التوبا الغليظ الذي يحاكي صافرة السفينة، بينما تعبر الوتريات والهارب عن انسيابية المياه، ويكون القانون سعيداً هذه المرة بأنغامه المنطلقة، مع إيقاع الدربوكة الشرقي الراقص، وتختتم الحركة بصيحة التوبا التي ربما كانت إعلاناً عن الوصول.
في الحركة الخامسة «المسافرون من محطة حيدر باشا إلى الأناضول» نكون مع رحلة أخرى يعبر عنها ساي بإيقاع منتظم كأنه صوت سير القطار على السكة، وخطوط لحنية تتقدم إلى الأمام، بمرافقة لحنية من الناي والقانون. تتداخل الآلات الموسيقية بديناميكية قوية ربما تعبر عن تغير وتبدل المشاهد المتلاحقة، ويبرز في هذه الحركة الدف الكبير. أما الحركة السادسة «ليلة شرقية» فيبرز فيها القانون بتقاسيم وأنغام رقيقة تلامس القلب برهافتها، وبما يقيمه من حوار مع الأوركسترا، ثم تدخل الآلات الإيقاعية التركية لتنشر الأجواء الراقصة، ودقات الرقص الشرقي المعروفة. تعكس الحركة أجواء الليل والجمال الغامض وسحر الشرق في إسطنبول، ويطلق ساي العنان للتأثيرات الموسيقية الشرقية، كما لو أننا في سهرة ليلية نابضة بالحياة، نستمع إلى الموسيقى ونشاهد الراقصات في مقاهي إسطنبول. الحركة السابعة عنونها الموسيقار بالخاتمة، وهي لا تتناول موضوعاً بعينه، وإنما تعود إلى الموضوع الأول «الحنين»، وتعيد ثيمته الرئيسية ما يمنح العمل شكلاً دائرياً، كما تجمع بعضاً من عناصر وثيمات الحركات السابقة، تبدأ الحركة بذروة يعقبها الناي، ثم ذروة يعقبها الناي، ثم ذروة يعقبها الناي، بعدها يعود الناي بلحن البداية، وتنتهي الحركة والناي يطلق صيحات الحنين وأنات الاشتياق.

كاتبة مصرية