الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يلقي خطابًا في المجمع الرئاسي في أنقرة (أ ف ب)
دمشق – «القدس العربي» : واصلت «هيئة تحرير الشام» التي تقودها جبهة النصرة تقدمها على حساب الجيش الحر المتمثل بالجبهة الوطنية للتحرير المدعوم من أنقرة، في مناطق «سهل الغاب» في ريف حماة وجبل شحشبو بريف إدلب، كما عقدت تفاهماً مع الجبهة الوطنية لحل أحد تشكيلاتها في سهل الغاب شمال غربي سوريا ينص على سبعة بنود أهمها إخضاع المنطقة لحكومة الإنقاذ التي تديرها النصرة، وذلك بعد بسط الأخيرة سيطرتها على نحو 18 بلدة وقرية في ارياف «حلب الغربية، في حماة الشمالية وإدلب الجنوبية» وتعزيز نفوذها على المناطق الحيوية والاستراتيجية، التي تشمل الطرق الدولية دمشق – حلب، اللاذقية – حلب، في يحين يتوقع صدور ردود أفعال تركية – روسية مشتركة عقب القمة الرئاسية المرتقبة بين الجانبين في موسكو.
خبير تركي لـ «القدس العربي»: ضغوط روسية – أمريكية على أنقرة لـ«مقايضة» بين منبج وشرقي الفرات
وأعلن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف أمس الأربعاء، أن التحضير جار لزيارة الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان إلى روسيا في القريب العاجل، في حين كان المكتب الصحافي للرئيس التركي قد أعلن، قبل أيام، أن اردوغان يعتزم زيارة روسيا الشهر الجاري. وقال المكتب الصحافي، لوكالة «سبوتنيك»: «رئيسنا سيزور روسيا خلال شهر يناير/ كانون الثاني الحالي، ولم يتم تحديد الموعد بعد» وذلك لمناقشة ملفات سورية عدة على رأسها منبج وتسيير دوريات روسية في المدينة.
المحلل السياسي التركي بكير أتاجان رجح لـ«القدس العربي» تدخلا عسكرياً تركياً – روسياً مشتركاً ضد هيئة تحرير الشام، وابعادها عن المناطق الاستراتيجية وفق الاتفاق الدولي بين الجانبين، وقال اتاجان «تركيا إلى الان لم تتدخل ولكن هذا لا يعني أنها لن تتدخل في الأيام المقبلة، وهناك خطط لتدخل عسكري بالتنسيق مع روسيا خلال القمة المرتقبة في الايام المقبلة». مرجحاً القيام بـ «عمل مشترك يجبر النصرة على الانسحاب من الطرق الدولية ام 4 – ام 5»، وقال «لا يمكن ان تدير هيئة تحرير الشام هذه الطرق الدولية حسب التفاهم التركي – الروسي الذي ينص على افراغ المنطقة الاستراتيجية من جميع التنظيمات» مرجحًا ان يحسم لقاء بوتين – اردوغان التطورات المتسارعة.
مقايضة على منبج
ونتيجة لاتفاق أمريكي روسي، قالت وكالة أنباء روسية، امس إن الشرطة العسكرية الروسية بدأت بتسيير دوريات في منطقة منبج بريف منبج الشرقي، على مقربة من الحدود التركية، وذلك بالتنسيق مع الوحدات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي «ب ي د»، الذي يسيطر على المدينة عبر قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
ونقلت وكالة سبوتنيك الروسية عن المتحدث باسم الشرطة الروسية في سوريا، يوسوب ماماتوف، قوله إن «وحدات الشرطة العسكرية الروسية بدأت اليوم، بتسيير دورياتها في المناطق الآمنة بأحياء منبج وضواحيها»، مشيراً إلى أن مهمة الشرطة «تتمثل بضمان الأمن في المناطق الواقعة ضمن مسؤوليتها، فضلاً عن رصد مواقع وتحركات التشكيلات المسلحة». وأوضح أن «وحدات الشرطة العسكرية قطعت 10 كيلومترات في الجزء الشمالي من المحافظة عبر مدن ميلمييران وعجمي وإلانلي وإليابافار وستغير مسارها بانتظام في المستقبل».
وتشير المعطيات إلى ان منبج لا تزال خاضعة لدوائر التفاوض حيث تسعى كل الأطراف لتحسين تموضعها في هذا الاتفاق، وقد يكون تسيير الدوريات الروسية حسب مراقبين مؤشراً لانتقال مصير المدينة إلى تفاهمات جديدة ودخولها ضمن مناطق «الضامن التركي»؛ فيما يبدو ان واشنطن لاتزال البوصلة المتحكمة حتى الآن في مصير المنطقة، وكل ما نشهده من معطيات هي هوامش للتأثير على شكل الاتفاق التي تسعى واشنطن لفرضه مع تركيا.
تمدد النصرة
وامام هذه التطورات، قال المحلل السياسي التركي، ان ملف منبج سيكون اهم الملفات الساخنة على طاولة المباحثات الرئاسية، مؤكدًا «وجود خطة روسية – أمريكية للضغط على أنقرة من اجل التنازل عن شرقي الفرات مقابل منبج» وأضاف، ستتبلور تفاهمات جديدة بشأن إدلب ومنبج بعد هذا اللقاء وخاصة في ظل التطورات الأخيرة وتوسع سيطرة هيئة التحرير الموضوعة على قائمة الارهاب لدى تركيا وروسيا.
وقال بكير أتاجان، إن الخطة الروسية اتفق عليها منذ شباط الماضي وهي تسير برضا أمريكي من اجل تقسيم سوريا، وجعل شرقي الفرات تحت حكم ذاتي تديره الميليشيات الكردية، فيما يبقى البحر المتوسط وحمص ودمشق تحت سيطرة الروس، بما في ذلك الاستفادة من مصادر النفط والغاز والمياه.
ويقرأ مراقبون الموقف التركي حيال تمدد هيئة تحرير الشام ووصولها إلى مناطق سيطرة حلفائها من الجهة العسكرية؛ في ظل المعطيات الراهنة، إلى أن ما حدث يعد خلافاً لرؤيتها لتفكيك الهيئة التي كانت قائمة على ثلاث ركائز: الأولى التوافق مع اتفاق المنطقة العازلة ثم تفكيك بنيتها عبر عزل الجانب الأجنبي عن السوري ثم محاصرة خياراتها وضربها عسكرياً.
وقال الباحث السياسي معن طلاع إن الاحداث الأخيرة ستجعل من مؤشرات الانزلاق العسكري في ادلب واحتمال انتقاله لمستويات مواجهة متعددة بحكم الفواعل المنتشرة حول ادلب أو بحكم النقاش الذي سيتبع التدخل حول مستقبل المنطقة. اما من الجهة السياسية، فقال طلاع، تريد انقرة أن يكون تدخلها العسكري نتاج تفاهم تركي – أمريكي وما يعنيه من تقويض محتمل لخيارات «قسد» وتغييراً في تموضعها العسكري والأمني في الخارطة السورية؛ ونتاجاً لتفاهم تركي – روسي ضمن تفاهمات الاستانة التي ستشهد إعادة تعريف لغاياتها ريثما يتضح شكل الانسحاب العسكري الأمريكي ومدلولاته. ورأى المتحدث ان تمدد النصرة نابع من رغبة ذاتية للهيئة جاء بعد ادراكها صعوبة خياراتها المستقبلية وضرورة تحسين تموضعها العسكري والاداري والأمني.
سيناريوهات محتملة
وتتراوح الخيارات في الشمال السوري بين السيناريو العسكري، حسب الباحث السوري، الذي رجح وجود احتمال ضئيل لحصول اتفاق امريكي – تركي للقضاء على الهيئة وهذا يستلزم اتفاقاً سياسياً حول «إدلب ما بعد الهيئة»؛ مقابل خيار المواجهة الجزئية مع النظام مدعومة بالقوات الروسية او الإيرانية للسيطرة على الطرق ام 4 و ام 5، أو اعادة تعويم قوى المعارضة والدخول في معركة استنزاف طويلة.
وقال طلاع: «يعد تمدد هيئة التحرير الشام الأخير بمثابة «الانتقال الاستراتيجي» إلى مراحل متقدمة في التمكين المحلي وانهاء أي صيغ لتوازع السلطة في تلك المنطقة؛ خاصة مع تعدد المؤشرات الدالة على إعادة التفاهم الدولي حول إدلب بعد الإعلان الأمريكي حول نيته الانسحاب العسكري من سوريا وما سيمليه من إعادة الاتفاق حول ادلب ضمن محور استانة وهو ما يجعل بكل الأحوال مستقبل «الهيئة» أمام سيناريوهات لا تمتلك فيها شروط تفاوض بحكم قلة الخيارات المتاحة لها، وهذا ما سيتيحه لها تمددها الأخير ناهيك عن مركزة قرار تلك المنطقة بيدها؛ فهي من جهة أولى ستعزز شروطها في أي مفاوضات محتملة في حال لجوء الفواعل الدولية والمحلية إلى خيار المفاوضات والتباحث عن صيغ ما دون عسكرية؛ ومن جهة ثانية سيجعلها صاحبة القرار الاوحد في الجانب التخطيطي والتكتيكي في حال اللجوء إلى خيارات عسكرية.
المرصد السوري لحقوق الانسان قال ان هيئة تحرير الشام تغلبت على الجبهة الوطنية للتحرير، التي لم تتمكن من الصمود أمام الضربات المتتالية وعمليات التقدم المتلاحقة، حيث وسعت الهيئة نطاق سيطرة داخل ما تبقى للفصائل المقاتلة والإسلامية في محافظة إدلب والأرياف المتصلة بها من المحافظات المجاورة، لتصل سيطرة تحرير الشام إلى نحو 80% من مناطق بمساحة نحو 7200 كلم مربع، من أصل نحو 8937 كلم مربعاً، بنسبة نحو 4.8% من مساحة الأراضي السورية كانت تسيطر عليها الفصائل الإسلامية و»الجهادية» والمقاتلة في إدلب وحماة وحلب واللاذقية.