سيناريوهات مختلفة وارتدادات ضخمة متوقعة لمساعي إغلاق ثالث أكبر حزب في البرلمان التركي

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول- “القدس العربي”: عقب سنوات من الاتهامات للحزب بالتعاون مع تنظيم “بي كا كا” المصنف إرهابياً في تركيا وأوروبا وأمريكا، رفع الادعاء العام في تركيا إلى المحكمة الدستورية العليا طلباً بإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي، أكبر الأحزاب الممثلة للأكراد في البلاد، وثالث أكبر حزب في البرلمان التركي، في خطوة تفتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة وارتدادات ضخمة قد تغير تركيبة الخريطة السياسية في البلاد، وتؤثر على علاقات تركيا مع الكثير من الأطراف الدولية لا سيما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

ومنذ سنوات تتهم الحكومة التركية والرئيس رجب طيب أردوغان حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بأنه يمثل “الواجهة السياسية لتنظيم بي كا كا”، حيث شنت قوى الأمن التركية حملات واسعة شملت اعتقال الآلاف من أنصار الحزب، وتجريد عشرات رؤساء البلديات التابعين له من مناصبهم، إلى جانب إسقاط عضوية البرلمان عن عدد من نوابه بتهم مختلفة تتمحور جميعها حول دعم الإرهاب والارتباط بتنظيم “بي كا كا”.

ومنذ 2016، جرى إسقاط عضوية البرلمان عن قرابة 15 نائباً للحزب، كان آخرهم النائب “فاروق جارجالي أوغلو” الذي أعلن رئيس البرلمان، الأربعاء، إسقاط عضويته لصدور حكم قضائي بحقه بالحبس بسبب تغريدة اعتبرت بمثابة دعم لتنظيم “بي كا كا”، وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات أدت إلى خفض عدد نواب الحزب في البرلمان إلى 55 نائب من أصل 60، إلا أنه ما زال يتمتع بثالث أكبر كتلة برلمانية بعد حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة.

لكن التطور الأهم جاء الأربعاء، عندما قدّم مدع عام تركي التماساً إلى المحكمة الدستورية العليا، طلب فيه حظر الشعوب الديمقراطي، مقدماً سلسلة طويلة من المبررات الدستورية تتمحور جميعها حول اتهام الحزب بدعم الإرهاب و”محاولة المساس بالدستور ووحدة الأراضي والأمة التركية”.

ملف حساس

على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية هما من يدفعان بطريقة أو بأخرى باتجاه إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي، إلا أن الطلب لم يقدم من أي من الحزبين، وإنما تقدم به مدعٍ عام جمع ملفات للاتهامات الموجهة للحزب، حيث تخشى الأحزاب أن يحسب عليها أنها هي من دفعت بشكل مباشر من أجل إغلاق حزب سياسي ممثل في البرلمان، وهو انطباع سلبي في الحياة السياسية التركية يعيد الذاكرة إلى فترة الحزب الواحد، وما أعقبها من حقب التدخل العسكري وحظر الأحزاب السياسية.

هذه الحقبة عانى منها بدرجة أساسية الأحزاب المحافظة التي تعرضت للإغلاق والحظر والملاحقة القانونية، وهو نفس السيناريو الذي لاحق حزب العدالة والتنمية الحاكم، حيث تحولت تهم “المساس بأسس علمانية الجمهورية” إلى سيف مسلط على رقبة الأحزاب المحافظة، وكانت آخر دعوى قضائية لإغلاق حزب سياسي في البلاد استهدفت العدالة والتنمية عام 2008، وهو ما يضفي مزيداً من الإحراج على العدالة والتنمية في هذه القضية.

ورغم أن العدالة والتنمية اتهم مراراً حزب الشعوب الديمقراطي بأنه “الواجهة السياسية لتنظيم بي كا كا” فيما طالب زعيم الحركة القومية علناً بإغلاق الحزب، إلا أن الحزبين لم يرغبا على الإطلاق في تقديم الدعوى ضد الحزب، وينفيان أي علاقة لهما بهذه القضية عبر التأكيد المتواصل على أن ما يجري هي عملية مستقلة يقودها القضاء التركي الذي سيقرر هو بشأن قبول الدعوى أم لا.

سيناريوهات مختلفة

تقديم الدعوى التي تطالب بإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي لا يعني بالطبع قبولها، حيث سيكون أمام المحكمة الدستورية متسع من الوقت للنظر في القضية واتخاذ قرار نهائي بشأنها دون وجود سقف زمني لذلك، حيث تدور مجموعة من السيناريوهات التي تتنوع بين قبول الدعوى وإصدار قرار بإغلاق الحزب، أو رفضها، أو اتخاذ إجراءات وسطية ضد الحزب.

بموجب الدستور التركي، فإن قرار إغلاق حزب سياسي يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء المحكمة الدستورية المكونة من 15 عضواً، وبالتالي فإنه في حال حضور كافة أعضاء المحكمة يتوجب تصويت 10 من أعضائها على القرار، أو ثلثي عدد الحاضرين، وهي أغلبية كبيرة لا يسهل توفرها في قضايا شائكة بهذا القدر. وللمفارقة فإن حزب العدالة والتنمية هو من قاد سلسلة من التعديلات الدستورية في العقد الماضي من أجل تصعيب إجراءات إغلاق الأحزاب السياسية، كونه كان مستهدفاً بهذه الحملات في تلك الفترة، ويتفاخر أنه هو من قدم هذا الإنجاز للحياة السياسية التركية.

وما بين قبول الدعوى وصدور قرار بإغلاق الحزب، أو رفضها بشكل مطلق، توجد مجموعة من السناريوهات الوسطية التي تتعلق بإمكانية صدور قرار بحرمان الحزب بشكل كلي أو جزئي من حصته من الدعم الذي تحصل عليه الأحزاب من خزينة الدولة، أو صدور قرارات قضائية بحق مجموعة من قادة الحزب ونوابه الذين يوجد بحقهم اتهامات وأدلة كافية، دون المساس بالحزب بهيكله العام.

ارتدادات ضخمة

نظر المحكمة الدستورية أعلى مستوى قضائي بالبلاد في حظر حزب الشعوب الديمقراطي لا يعتبر حدثاً عادياً في البلاد، حيث يتمتع الحزب بثقل في حسابات السياسية داخل وخارج تركيا، وصدور أي قرار نهائي بإغلاقه من شأنه أن يولد ارتدادات ضخمة قد تصل إلى حد ما يمكن تسميته “زلزالا سياسيا” في البلاد.

الارتدادات قد تصل لمستوى “زلزال سياسي” في البلاد

ففي السنوات الأخيرة، بات الحزب يعتبر مثل عامل الحسم في الانتخابات التركية، وذلك بعد انقسام الأحزاب السياسية بين تحالفين للمولاة والمعارضة، وبات بينهما الشعوب الديمقراطي الذي من شأن أصواته أن تحسم فوز أحد الطرفين، وهو ما جرى إثباته بالفعل في الانتخابات البلدية الأخيرة. حيث ساهم دعم الشعوب الديمقراطي للمعارضة في فوزها بعدد من البلديات الكبرى في البلاد، وتعول عليه المعارضة في أن يساعدها في إنهاء حكم أردوغان والعدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة عام 2023.

وعلى الرغم من أن الحزب يؤكد أن لديه الخطط والاستعدادات الكاملة للتعامل مع قرار بحظره، ومنها تشكيل حزب جديد والانطلاق منه مجدداً، إلا أن السيناريوهات تتأرجح بين إمكانية أن يؤدي الحظر إلى تشتيت أصوات مناصريه وتفكيك تحالف المعارضة ومساعدة أردوغان بحسم الانتخابات المقبلة، وبين سيناريوهات أخرى مخالفة تماماً تتوقع أن يدفع أي حظر لزيادة أصوات الحزب وتكتل المعارضة بشكل عام، لكن ذلك يبقى في حال لم يشمل قرار الإغلاق -في حال صدوره- منع 600 من أبرز قياداته من ممارسة العمل السياسي، بحسب ما تطلب المذكرة التي قدمها المدعي للمحكمة الدستورية.

وعلى الصعيد الدولي، سوف يؤدي أي قرار بحظر الحزب لموجة كبيرة من الانتقادات الدولية لتركيا، وسيؤدي إلى مواجهة مفتوحة بين تركيا والاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية في ملف الحريات السياسية وحقوق الإنسان والديمقراطية، وهو ما من شأنه أن يدفع البلاد نحو تحديات سياسية واقتصادية كبيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية