القاهرة ـ «القدس العربي»: انتهت أحداث الجزء الأول من فيلم «الجزيرة» الذي عرض عام 2007 بالقبض على منصور الحفني أحد أشهر وأخطر تجار المخدرات في مصر. الشخصية التي قدمها الفنان أحمد السقا في ذلك الوقت كانت عن واقعة حقيقية لشخصية تاجرالمخدرات الشهيرعزت حنفي الذي استولى على 280 فدانا في جزيرة النخيلة بصعيد مصر، وقام بزراعة عشرات الأفدنة بالمخدرات. وبعد عملية اقتحام كبيرة للشرطة على الجزيرة تم القبض عليه وحكم عليه بالإعدام، حيث انتهى الجزء الأول من الفيلم، الذي كتب له السيناريو محمد دياب بمشاركة المخرج شريف عرفه.
القصة انتهت مع القبض على منصور ومحاكمتة، بينما عاد فريق الفيلم من جديد لاستثمار الرواية على نطاق سينمائي أوسع من الواقع وربطها بالأحداث الجارية. الجزء الثاني من الفيلم خيالي حتى في عرض الأحداث الواقعية التي اعاد المؤلف محمد دياب صياغتها، فهي لا تعبر سوى عن رؤية سينمائية لأحداث ثورة يناير/كانون الثاني وما تبعها من تفاصيل كثيرة لتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في مصر، حيث بادر كاتب العمل بالتنحي عن إعلان وجهة نظره مما يحدث والاستناد الى التفاصيل العامة التي نشرت في الصحف، لكن دياب لم يتخل نهائياً عن الإشارة إلى موقفه مما يحدث حيث غلف كل هذه الأحداث بالسخرية التي تعبر في الواقع عن رفضه ككاتب لما يتم طرحه في الإعلام .
يفتتح الجزء الثاني من «الجزيرة 2» بمشهد اقتحام أحد السجون المصرية واقتحام المتظاهرين الغاضبين لمراكز ومديريات الشرطة في مصر، وتعيد الأحداث توجيه الاتهام الذي أطلقته وسائل الإعلام إلى عناصر حماس في قضية اقتحام السجون، حيث نرى مشهد قصف أسوار وبوابات السجن بمدافع ثقيلة، ونشر الفوضى وإثارة العنف واقتحام مديريات الأمن. ربما هذا من أكثر المشاهد التي وضعت محمد دياب مؤلف الفيلم في موقف حرج مع الصحافة التي صادرت الأحداث واجتزأت منها هذا المشهد الذي يسخر فيه دياب من الواقع، الأحداث جميعها تسخر مما آلت إليه الأوضاع الأمنية بعد الثورة، وتشير بشكل صريح إلى انتشار السلاح في مصر وتقاعس رجال الشرطة وانسحابهم من المشهد نكاية في الشعب الذي تفجر غضبه من السلطة الأمنية وعبر عن هذا الغضب بعنف وإحراق الاقسام والمديريات والسيارات التابعة لوزارة الداخلية، فالثورة لم تقم على حاكم فقط بل على نظام بأكمله لم يكن يحمي الشعب بقدر ما كان يحمي سلطة الحاكم.
يعود منصور الحفني إلى الجزيرة بعد هروبه من السجن مع عدد من اتباعه ليقاوم تمرد ابنه الذي يرفض العودة معه إلى الجزيرة واستعادة أرضه ومجده معاً والانتقام ممن قتلوا زوجته في الجزء الأول، يعود منصور ليقف مرة أخرى حائراً بين قلبه ورغبته في الانتقام ليجد كريمة التي تقوم بدورها الفنانة هند صبري أصبحت هي «الكبيرة» التي تحكم في شعب الجزيرة بعد مقتل جميع أخوانها الذكور. كلما مرت الأحداث تزداد رقعة الخيال عن المؤلف، معظم الأحداث وربما جميعها لا تتماس مع الواقع ولا ترتبط به ولكن فعل المبالغة في السينما يثير عادة انبهار الجمهور بالعمل الفني، وهو نوع مقبول فنياً إلى الحد الذي لا يؤثر فيه علي ايقاع العمل ككل. في صعيد مصر فلا يوجد هذا النموذج الذي يتشابه مع شخصية كريمة ولا يوجد هذا النموذج للمجتمع الشديد التعصب والمنغلق الذي يقبل ان تحكمه امرأه بل وتتحكم بمصادره الاقتصادية ولكنه يظل نموذجا متخيلا مقبولا سينمائياً.
تطل كريمة وكأنها لوحة سينمائية خرجت للتو من فيلم المومياء للمخرج الراحل شادي عبد السلام، تتجلي بانبهار تلك الملامح الصعيدية الأصيلة التي تعكس قوتها الخارجية التي تستمدها من ملابسها السوداء كي تخفي خلفها ضعفا وقهرا إنسانيا عانت منه طوال العشر سنوات التي أكلت شبابها وهي تنتظر المصير المجهول للحبيب الذي حكم عليه بالإعدام. ويعود منصور إلى الجزيرة ليختار هذه المرة رجاحة العقل عن القلب وينافس كريمة على مقعد «الكبير»، بواسطة تحالفات ومؤامرات يحيكها الاثنان كل ضد الآخر مع قوى أخرى أكثر شيطانية وعدوانية، وهي العناصر الدينية المتطرفة التي استفحلت بعد سقوط نظام مبارك واصبحت تمارس العنف المفضوح تحت أعين الأجهزة الأمنية .
يفضح الفيلم تلك التحالفات الثلاثية الأبعاد بين العناصر الأمنية وبين هؤلاء المتطرفين وبين تجار المخدرات ويضع الفيلم في النهاية الأقطاب الثلاثة في بؤرة وأحدة، فهم أحد أهم اسباب انتشار الفوضى والعنف في مصر بعد الثورة، ويترك الفيلم في النهاية الباب مفتوحا على عدة تساؤلات. هل يمكن للأجهزة الأمنية التي أطلقت هذا الوحش من زجاجته ان تعيده إليها مرة أخرى خاصة وان السحر انقلب على الساحر وأصبح هذا المارد يمثل تهديدا حقيقيا وخطرا على هذه الأجهزة أكثر من الخطر الذي يمثله على الشعب.
يختم الفيلم أحداثه حيث ينهار الجبل فوق رؤس أضلع المثلث الثلاثة، منصور الحفني تاجر المخدرات الهارب من حكم بالإعدام، ورشدي «خالد الصاوي» لؤاء الشرطة الذي ينجو من قضية قتل المتظاهرين في مهرجان البراءة للجميع ويعود ليتحالف ضد منصور مع زعيم الجماعة الدينية المتطرفة جعفر وهو آخر أدوار الفنان الراحل خالد صالح وأحد أهم الأدوار التي قدمها علي شاشة السينما، لكن جعفر يغدر به ويقتل زوجته وأولاده ويستولي على الجزيرة بواسطة كريمة وينشر قوانينه على سكانها، فيعود رشدي إلى صف منصور ضد جعفر الذي ينقلب على الجميع بمن فيهم كريمة ويحاول قتلها هي وأهلها.
يعرض الجزء الثاني من فيلم الجزيرة في موسم عيد الأضحى إلى جانب 8 أفلام أخرى لكنه يظل الفيلم الأوحد بينهما الذي خطف ايرادات شباك التذاكر منذ بداية عرضه الاسبوع الماضي حيث تجاوزت ايرداته حتى الان 3 ونصف ملايين جنيه، ليس فقط لأن الفيلم يجمع العديد من النجوم، لكن عناصر الإبهار في التصوير وتوظيف الموسيقي والإضاءة والديكور شكلا داعما رئيسيا لعوامل نجاح صورة الفيلم، حيث شكلت أنقاض البيت القديم المهدوم لعائلة منصور إصراره على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، لكنه لا يعود أبدا، بالإضافة إلى استناد منتج الفيلم على نجاح الجزء الأول في التوزيع، بينما مثل وجود الفنان أحمد السقا إلى جانب الفنانة هند صبري وخالد الصاوي والراحل خالد صالح، وهم جميعهم نجوم الصف الأول، مبارزة في الأداء كانت النتيجة لصالح المشاهد.
رانيا يوسف