سيناريو في رواية: من خان الخليلي إلى المعادي، أحياء القاهرة بين السينما والأدب

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: حي المعادي من الأحياء التي ورد ذكرها عرضاً في بعض الأعمال الأدبية والفنية باعتبارها محل إقامة البطل أو البطلة أو مسرحاً لأحداث جزء من الرواية أو الفيلم، ولكنها لم تحتل موقع الصدارة كما حدث لحي خان الخليلي الذي كتب عنه عميد الرواية العربية نجيب محفوظ رواية كاملة تحمل نفس الاسم رصد من خلالها سيرة المكان والشخصيات على خلفية تاريخية أخذت ابعاداً اجتماعية كاشفة لتفاصيل كثيرة عن العادات والتقاليد والطبيعة الإنسانية والقصص العاطفية التي لم تكتمل جراء ظروف ابطالها الصحية والموت الذي كان لهم بالمرصاد لينهي حياتهم نهاية مأساوية فاجعة ويضع عناوين عبثية جديدة بأن يقف أمامها الإنسان عاجزاً ومشدوهاً!!. تمضي الأيام وتتوالى السنوات ليأتي الدور على المعادي لتدخل التاريخ الروائي عبر بوابة واسعة يفتحها الكاتب الصحفي محمد غزلان فتكون جواز المرور إلى عالم مليء بالحكايات والتفاصيل والصخب على عكس ما عهدناه عن الحي الهادىء، وربما العنوان الذي اختاره غزلان لروايته أو كاتب المقدمة الأديب المعروف يوسف الشاروني كان دالاً على ذلك وإن كان بمقدور الكاتب أن يستوحي عدة عناوين أخرى غير عنوانها المباشر ‘المعادي حدوتة’، لكن لا بأس فما تضمنه المتن كان أكثر ثراء من الإشارة إليه بأي مسمى، فليس صحيحاً أن ‘الجواب يقرأ من عنوانه’ فهذه مقولة خاطئة لأنها ليست جائزة طوال الوقت أو على الأقل لا تنطبق على كل الجوابات ومن ثم الإبداعات أيضاً، كتب غزلان بشكل تقريري في الصفحات الأولى من الرواية واضعاً تعريفات للشخصيات التي يتعرض لها متبنياً أسلوب السرد بطريقة رأسية، فقد قطع شوطاً طويلاً في إدراك ما وراء كل شخصية وأسهب في التمهيد للحدث مما خلق نوعا من الملل في بادىء الأمر، إلا أن اقتراب الدخول في التفاصيل الجوهرية قد أنقذ الرواية من هذا الوهم وشجع المتعطش لما سيأتي بعد ذلك على القراءة، ويمكن القول أن هذه الحيلة التي قد تكون مقصودة من الكاتب نجحت في تشبث القارىء بالرواية حتى نقطة النهاية، وللنهاية خصوصية في ‘المعادي حدوتة’، أنها مثلت قمة التراجيديا، فالبطل لقمان القاضي الذي يمكن اعتباره العمود الفقري للأحداث والبطل الرئيسي للرواية مات فجأة إثر تعرضه لذبحة صدرية وهو الذي كان يملأ الدنيا مرحاً ويضفي جوا من البهجة والأنس على كل جلسات السهر والسمر التي طالما عايشنا فيها محمد غزلان وجعلنا ضمن شخوصها المحوريين، فوزي الحلاق، والسفير قابيل وعبده الساعاتي والدكتور رجائي وغيرهم، فثمة علاقة تربط القارىء بهؤلاء بعد الدخول في عمق الرواية والتغلغل داخل سطورها واكتشاف مواطن القوة والضعف والإطلاع على الغريب والمثير في حياتهم وواقعهم.

غير أن الملابسات المحيطة بالأبطال وما يتمتعون به من خصال تحتم عليهم تجاوز خلافاتهم الصغيرة في الملمات كفيل بأن يُدفع القارىء للإصرار على تتبع سيرهم ومسيراتهم لاكتشاف المزيد من عجائب الدنيا، لا سيما أن المفارقات الواضحة في واقعهم وحياتهم الشخصية مفرطة في الغرابة فأم بوسة بائعة الجبن والزبد والبيض وهي إمرأة فائقة الجمال والدلال تتعفف عما يزيد عن لمسة اليد ونظرات الإعجاب التي تتلقاها في صمت وتبدي عزوفا كاملا عن الطامعين من الرجال في أنوثتها الطاغية تفاجئنا بزواجها العرض من فوزي الحلاق، ذلك الرجل المرفوض من غالبية الشلة وعلى رأسهم لقمان القاضي لتورطه في علاقة مريبة مع أم سوسو يهودية الأصل، فضلا عن شبهات أخرى هو ليس بمنأى عنها، وليست هذه هي المفارقة الوحيدة وإنما هناك ‘جمالات’ الشابة الفاتنة التي أدركتها العنوسة ولكنها لحقت بآخر عربة في قطار الزواج، بارتباطها من دبلوماسي سوداني عاشت معه سنوات قليلة قبل أن يرحل ويترك لها ميراثاً إضافياً تضمه إلى ميراث أبوها وأمها الراحلين في وقت مبكر فيغريها الثراء باستثمار أموالها في الحرام وتقديمها قروضاً بالربا لمن يرغب من أهل المعادي فتكون النتيجة مصرعها بشكل غامض دون أن تتوصل جهات التحقيق إلى الجاني، أشياء أخرى وملامح غائبة عن التقسيمات الجغرافية والطبقية لسكان المعادي القديمة يرصدها كاتب الرواية محمد غزلان الذي يعود بنا إلى تاريخ إنشاء الحي موضحاً أن اسم المعادي مشتق أساساً من أرض الميعاد وهو الاسم الذي رغب بعض أعضاء الجالية اليهودية إطلاقة على المنطقة السكنية الجديدة آنذاك لولا تصدي بعض الشخصيات الوطنية التي حالت دون تأسيس وطن آخر لليهود في مصر فتم تغيير الإسم إلى ‘الميعاد’ فقط بعد حذف الجزء الأول ثم تحريفه مع مرور الأيام إلى ‘المعادي’ ليظل هو الاسم المشهور والمعروف لدى الخاصة والعامة، كما وردت إشارات أخرى ساقها الكاتب ليدلل بها على عراقة موطنه المحلي متمثلة في أحد المعالم الرئيسية ‘كوبري ظلموه’ الذي غنى عليه الفنان عبدالحليم حافظ أغنيته الشهيرة ‘ظلموه’ للفنانة ماجدة الصباحي في فيلم ‘بنات اليوم’ مؤكدا أن الكوبري صار بعد عرض هذا الفيلم في خمسينيات القرن العشرين رمزاً للرومانسية يرتاده العشاق تيمناً بالبطلين السينمائيين العندليب الأسمر وماجدة ومن يومها سمي بهذا الاسم المشتق من اسم الأغنية.

ولم ينس غزلان صاحب الكتابة المدققة تبصيرنا بما طرأ على المعادي من متغيرات طمست وجهها الحضاري وشكلها المعماري الهندسي الذي صممه نخبة من المعماريين الخواجات ممن وضعوا خرائط الأرض للعمار وجعلوا لها أشجاراً للزينة وأشجاراً لطرد الناموس تم استيرادها من أوروبا خصيصا لهذا الغرض، فضلا عن مزايا أخرى كانت من نصيب المعادي وقت إنشائها وحتى سنوات ليست ببعيدة طالما استمتع بها سكانها الأصليون قبل نزوج الوافدين والمهاجرين إليها من كل حدب وصوب ومن تسببوا في تقسيمها على نحو عشوائي باتساع رقعتها والانتساب إليها قسراً لاكتساب وجاهة اجتماعية ليست لهم، نلحظ في حكايات الكاتب العذبة والمسلية استهجانا واضحا لممارسات الغوغاء من المتطفلين على حيه الراقي وموطنه المفضل، إذ يسوق دائماً على لسان بطلة لقمان القاضي عبارات السخرية بوصفه من السكان الأوائل وصاحب الحق المطلق في التأريخ للمعادي دون غيره، فدائماً ما يشغل البطل نفسه بتصنيف أهل المنطقة وتفنيدهم فهو أعلم العالمين بشعاب دولته السكنية التي باتت مترامية الأطراف بفضل الامتدادات المعمارية التي لا تنتهي وهو كلام يحمل في سياقه شهادات موثقة بالتواريخ بما يعني صدقها أو اقترابها من الصدق.

لقد أناب محمد غزلان عن لقمان في توصيل ما خفي من معلومات عن العامة وبرز نوع من التأييد في الانحياز لمعظم ما ورد على لسانه بالتصريح أو التلميح، بيد أنه في كثير من الأحيان يتحفظ والإشارة هنا للكاتب في إبداء ملاحظاته على الشخصيات ويتحرى الأدب في رسمة لها فهو على سبيل المثال يذكر بحياء شديد مواطن الفتنة عند أم بوسة ويكتفي فقط بالتغزل في عنقها الأبيض الناصع والمسافة المنحسر عنها ثوبها الريفي أعلى الصدور ليست هذه هي الشخصية الوحيدة التي يفتتن بها غزلان ولا يتكلم عنها إلا رمزاً، فجمالات أيضاً يصفها وصفاً مبتورا وكأنه يرمقها بعد وهو ما يتنافى إبداعياً وأسلوبياً مع الأدب الذي إذا أمعن كاتبه في التأدب ففقدت الكتابة رونقها وجمالها وباتت محض سرد لا يعدو كونه ثرثرة، وهذا ما لم يقع فيه بالطبع صاحب الرواية لكونه تحرر من الخوف في كثير من المواقف وصاغ شخصياته بحرفية ومهارة تضعه في مصاف الروائيين الكبار ولو تحرر أكثر لزاد تمكنه واتسع أفق إبداعه، فقليل من الجرأة لا يفسد الفن ولا يسمم الرواية.

ت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية