رسم كروكي لخريطة الإبداع الجديدةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: فور إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية بفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين د. محمد مرسي بدأت حسابات المثقفين من أهل الفن والفكر، فقد حاول كل منهم استقراء الواقع الجديد برغم أنهم لم يعلقوا على النتيجة سلباً أو إيجاباً، ولكنهم فقط فكروا في البدائل حال تخلي رئيس الجمهورية عن تطميناته بعدم تغيير الخريطة الثقافية والإبداعية.
بعد المؤسسات والجمعيات السينمائية جمدت نشاطها لحين استبيان المشهد ومعرفة اتجاه البوصلة فهناك عدد ن المهرجانات كان مقررا انطلاق دوراتها في موعدها ولكن غلبة الاهتمام السياسي أدت الى التأجيل والإرجاء، حيث مهرجان القاهرة السينمائي على سبيل المثال لم يعين له رئيساً حتى الآن منذ استقالة عزت أبو عوف الذي ترأسه لفترة طويلة في عهد وزير الثقافة فاروق حسني، وكذلك المهرجان القومي للسينما الروائية الذي يترأسه حسب آخر دورة على أبو شادي، الناقد السينمائي المعروف، المهرجان لا يزال مصيره غامضاً حتى الآن ومعلقاً على ما إذا كان وزير الثقافة الحالي محمد صابر عرب سيتغير مع الوزارة الجديدة أم لا؟ والحال نفسه ينطبق على العديد من الأنشطة كمهرجان الموسيقى العربية ومهرجان القلعة ومهرجان المسرح التجريبي، إلى آخر ما لم يعترف به الإخوان من حداثة فنية وما لم تتنامى أهميته الفنية والثقافية إلى علم الرئيس الجديد الآتي بمرجعية مختلفة يغلب عليها الطابع الإسلامي وإن كان لم يبدر منه ما يشي بتغيير شامل في العقل الإبداعي المصري، وإنما تكمن المخاوف كلها في من حوله من مستشارين، يرفض بعضهم الفن جملة وتفصيلا وتعتبره حرام!
هذا فقط فيما يتعلق ببعض المهرجانات والنشاط الحالي لمؤسسات السينما، أما ما يخص المتاحف ومدى أهميتها وضرورة فتحها للزائرين فهذا أيضاً في علم الغيب ولم تصدر بشأنه أية قرارات وإن بدت مخاوف كثيرة تتسرب إلى البعض عبر شائعات ترى أن الحكومة القادمة ستركز عملها في الأولويات كالاقتصاد والبطالة والصحة والتعليم ولن تعتني بقضايا تعد في حسبان الكثيرين مجرد ترفيه والدليل ان هناك من الأصوات من يعتبر دعم السينما إهدار للمال العام والإنفاق على المسرح أولى به ترميم المساجد. غير أن من هؤلاء من يحرم الموسيقى ويطالب بإغلاق معاهد الموسيقى العربية والكونسرفتوار وكلية التربية الموسيقية ومعهد الباليه وغيرها.
وفي تطور آخر للشائعات والظنون نجد من يتوقع اختيار وزير ثقافة بمواصفات خاصة ومزاج فكري معين يبتعد تماماً عن الأهواء الفنية ويلتزم بتكريس ثقافة التفقه في الدين، بمعنى أن يزيد من عدد المكتبات ويهتم بكتب التراث، ويدلل من يقول ذلك أن تركيز وزير الثقافة الجديد سيكون منصب على تفعيل دار الكتب والهيئة العامة للكتاب وسيجعل دار الكتب والهيئة العامة للكتاب وسيجعل دار الأوبرا المصرية مجرد مؤسسة احتفالية تقام فيها المناسبات وتستغل مسارحها وقاعاتها لإلقاء الخطب وبعض العروض المسرحية الإسلامية إن وجدت.
وقد تجاوزت التصورات الحد بافتراض وجود بروتوكولات تعاون ثقافي بين مصر ودولة عربية لها ذات المرجعية الدينية.
تتم بموجبها إقامة أنشطة تأخذ من حيث الشكل الطابع الثقافي، بينما تكون في واقع الحال حرث جديد للتربة الثقافية المصرية وإعادة صياغة كاملة للأفكار السابقة، وسوف تتم الاستفادة من الجوانب الايجابية لدى برامج وزارة الثقافة في العهود السابقة التي كان على قمة الوزارة فيها قيادات كبرى مثل د. عبدالحميد رضوان ود. أحمد هيكل ود. ثروت عكاشة، قضية معرض الكتاب هي القضية الوحيدة التي لم يختلف عليها فالكثير ممن ينتمون الى الثقافة الإسلامية يرون أن إقامة المعرض سنوياً نوع من التعزيز الثقافي للفكرة النهضوية بخطوطها المختلفة، لما يمثله المعرض من فرصة ثمينة للحشد والتعبئة، وهو ما تم خلال السنوات الماضية وشكل منظومة كبرى وقاعدة عريضة من المثقفين الإسلاميين اعتمدت في تأثيرها على تقنيات الاتصال الحديثة ودور النشر الإلكتروني التي أتاحت لنسبة كبيرة من المبدعين والكتاب المجال لنشر كتبهم دون تكلفة مما أدى إلى توطيد العلاقة بأصحاب الإبداع والرأي واجتذاب قطاعات عديدة من المواهب الشابة.
لهذه الأسباب يصبح لمعرض القاهرة الدولي للكتاب أهمية قصوى في أجندة وزير الثقافة المختار للمرحلة المقبلة، لا سيما ابتعاد الكتاب كمصنف إبداعي عن شبهة الحرام باستثناء الكتاب الرخيصة والروايات الإباحية التي تشبه رواية ‘وليمة لأعشاب البحر’ للكاتب الروائي حيدر حيدر، فمثلها هو المرفوض لكونها تجرأت على المقدسات، ما لم يذكره المشرعون الثقافيون أو من يرسمون الخطوط ‘الكروكية’ لمعرض القاهرة للكتاب أن بين الأنشطة المهمة به عروض أفلام سينمائية حديثة وعروض مسرحية وندوات يحضرها النجوم من الممثلين والممثلات فكيف إذاً يتم التعامل مع هذا الجانب، وهل يعتبر هذا الشق كسراً لقواعد الالتزام لو أن نجمة حضرت إلى الندوة بملابس مكشوفة أو تحدثت عن ضرورة دعم السينما والمسرح وعرجت هي وغيرها على قضايا الانتاج الدرامي بالتليفزيون وطالبت كما هي العادة بزيادة الأجور أو زيادة مساحة الحرية؟
المفترض حسب السياق المحافظ لكل شيء وأي شيء فإن عقوبة ما ستوقع على هذه النجمة أبسطها أن تحرم من المشاركة مرة أخرى في أي من الاحتفاليات!
يبقى أن نشير إلى ملف الإعلام الرسمي وقنوات التليفزيون التي لابد وأن تتأثر بالمتغيرات ذاتها، خاصة أن التليفزيون يحفل بكمية ضخمة من المشاكل التي تمس سياساته الإعلامية ومصادر تمويله وديونه المتراكمة منذ عشرات السنين والعمالة الهائلة التابعة لقلعة ماسبيرو والبالغة نحو أربعين ألف نسمة تدخل وتخرج يومياً المبنى العريق وتتقاضى أجور دون عمل حقيقي اللهم إذا ذراً للرماد في العيون.