سينما الشباب في مهرجان الإسماعيلية: عدسة ترصد العزلة والقلق والاغتراب

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: عند مشاهدة أفلام الطلبة التي عُرضت في مسابقة النجوم الجديدة بمهرجان «الإسماعيلية»، يصعب تجاهل الطابع السوداوي الذي يسيطر على معظمها. تهيمن مشاعر القلق، العزلة، وانعدام الأمل على السرديات المطروحة، وكأنها انعكاس لحالة وجدانية عامة تسود بين الشباب المصري اليوم. فما الذي يجعل هذا الجيل يعبّر عن نفسه بهذه النبرة القاتمة؟
هذه النزعة نحو التشاؤم ليست مجرد اختيار جمالي أو ميل فني، بل تبدو أقرب إلى شهادة بصرية على واقع اجتماعي ضاغط. من الضغوط الاقتصادية وانعدام الاستقرار إلى القلق الوجودي الذي يعصف بأحلامهم، يجد الشباب أنفسهم عالقين في واقع يبدو غير مبشّر، فتتحول الكاميرا إلى أداة لرصد هذا الاغتراب. الأفلام، التي يُفترض أن تعكس تطلعات الجيل، أصبحت أشبه بمرايا تعكس إحباطاته، مخاوفه، وربما إحساسه المتزايد بأن الأفق يضيق أكثر فأكثر.
ومن بين هذه الأفلام التي عبّرت بوضوح عن هذه الحالة، برز فيلم «داجن» للمخرج يوسف إمام، الذي حصل على تنويه خاص في المهرجان. الفيلم يلتقط لحظة حميمة بين رجل بائع في كشك متواضع خلال ساعات الليل المتأخرة، حيث تتكشف مشاعر الحنين العميق للأب تجاه ابنته الغائبة. في هذا اللقاء العابر، يصبح الحوار بين الشخصيتين وسيلة لاستكشاف الوحدة والرغبة في التواصل، فيما تلعب أجواء الليل والمكان دورًا في تعميق هذا الشعور بالاغتراب. ما يميز الفيلم هو كسره للقواعد السينمائية التقليدية، لكن هذا الكسر لم يكن مجرد استعراض، بل جاء من خلال فهم عميق لهذه القواعد، ما جعله ملائما للتعبير عن فكرته الجوهرية، ليعكس حالة الاغتراب النفسي التي يعيشها أبطاله. الفيلم مشروع تخرج من معهد السينما بالإسكندرية تحت إشراف الدكتور علي شوقي.
من بين مشاريع تخرج معهد الاسكندرية أيضا، شارك فيلم «عوء» للمخرج أحمد عصام، الذي ينقل نبض الحياة في حي شعبي حيث تتشابك مصائر السكان في لوحة حياتية تعكس تعقيدات الواقع الاجتماعي. في هذه المساحة المزدحمة، نرى الأطفال يملأون الشوارع بلعبهم، وكبار السن يغرقون في ألعاب الطاولة بالمقاهي، بينما آخرون ينخرطون في تسجيل أغنية أو يتعاطون المخدرات. هذا النسيج اليومي، رغم عاديته الظاهرة، ينفجر تدريجيًا ليكشف عن حالة من الجنون الجماعي التي تجتاح الحي، وكأن الفيلم يحاول استكشاف الحدود الفاصلة بين الحياة اليومية والانهيار النفسي.

أفضل فيلم روائي قصير

في سياق مشابه، يأتي فيلم «أربعة أيام»، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم روائي قصير في المسابقة، وهو أيضا مشروع تخرج الطالب اسماعيل جميعي من معهد السينما بالإسكندرية، ليقدم قصة شريف، الشاب الذي يعاني من الاكتئاب ويقرر إنهاء حياته في يوم ميلاده. لكن، وقبل تنفيذ خطته، يواجه أحداثًا غير متوقعة مع زميلة له في العمل، فيتغير مسار الأحداث، ويصبح الفيلم رحلة داخلية تعكس صراعات الجيل مع العزلة والقلق الوجودي. اللافت أن الفيلم يوظف الذكاء الاصطناعي في الحبكة، حيث يظهر شريف مدعومًا بصديق روبوتي «ChatGPT» يساعده على التنقل بين تعقيدات التواصل الإنساني، في تفاعل يبرز مفارقة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في حل مشكلات نفسية متجذرة. هذا الطرح يتماشى مع القلق والتشاؤم الذي أشرت إليه في المقدمة، حيث يعكس الفيلم كيف يمكن للخواء النفسي أن يدفع الإنسان إلى استبدال العلاقات البشرية بأخرى مصطنعة، ما يزيد من الإحساس بالعزلة والفراغ الوجودي.
أما فيلم «ماما»، الذي حصد جائزة لجنة التحكيم، فيقدّم رؤية شخصية عميقة من خلال الأرشيف العائلي للمخرجة سمر الفقي، التي تحاول التقاط الأصوات السامة التي تنتقل عبر الأجيال من الأم إلى الابنة تحت غطاء الحب. في هذا الفيلم، تتداخل العلاقة بين الحميمي والمؤلم، حيث يصبح الماضي المسجل على أشرطة الفيديو وسيلة لفهم كيف تُنقل الصراعات النفسية والتوقعات الاجتماعية من جيل إلى آخر. الفيلم يسلط الضوء على فكرة حب الأهل الذي يتحول إلى انتقادات مستمرة، حيث تنتقد الأم ابنتها في كل شيء، بدءًا من شكلها إلى شعرها وملابسها، ما يؤدي إلى تآكل ثقة الفتاة بنفسها ويترك آثارًا نفسية عميقة قد تأتي بنتائج عكسية تمامًا.
وفي السياق التسجيلي، جاء فيلم «السعودية رايح بس» للمخرجة سلمى سطوحي، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم تسجيلي، ليسلط الضوء على معاناة النساء في المناطق الفقيرة بمصر. عبر قصة نشوى، التي تضطر إلى مغادرة أسرتها والسفر إلى زوج لم تره من قبل، يطرح الفيلم قضية الضغوط الاجتماعية التي تُفرض على المرأة تحت مسميات التقاليد والعادات. من خلال سرد دقيق وحميمي، يعكس الفيلم تجارب نسائية غالبًا ما تبقى غير مرئية في الخطاب العام. ما يميز الفيلم هو قدرة المخرجة على نقل التفاصيل والمشاعر بصدق شديد، مما يجعل المشاهد يعيش التجربة بكامل أبعادها، ويتأثر بمعاناة البطلة وكأنها جزء من حياته الشخصية.

مساحة للتعبير
عن أزمات وجودية

من خلال هذه الأفلام، يبدو واضحًا أن سينما الطلاب في مصر لم تعد مجرد تمرين تقني أو فرصة لإثبات المهارة، بل تحولت إلى مساحة للتعبير عن أزمات وجودية عميقة.
لا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز من دون التوقف عند الدور البارز لمعهد السينما في الإسكندرية، باعتباره منارة أكاديمية تمنح الفرصة لشباب المدينة لصقل مواهبهم السينمائية وتعلّم أصول الصناعة على أسس علمية ومهنية. فالإسكندرية، التي كانت أول مدينة مصرية تشهد عرضًا سينمائيًا في أواخر القرن التاسع عشر، لطالما شكّلت حاضنة طبيعية للفن والإبداع، حيث خرج من بين أحيائها العديد من المخرجين والمصورين والكتّاب الذين تركوا بصماتهم في تاريخ السينما المصرية والعربية. ومع مرور الزمن، ظلت المدينة ولّادة للأجيال الجديدة من المبدعين، وهو ما عززه تأسيس معهد السينما بالإسكندرية، الذي يوفّر بيئة تعليمية ثرية تُساعد الشباب على خوض غمار التجربة السينمائية باحترافية، مستفيدين من تراث مدينتهم العريق، ومعبّرين عن هويتهم وتطلعاتهم بأسلوب بصري متفرّد.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الدور المحوري الذي يلعبه الدكتور علي شوقي، المشرف على أفلام طلبة المعهد، في دعم هؤلاء السينمائيين الشباب ومنحهم الحرية الكاملة للتعبير عن أفكارهم وتجاربهم بحرية دون قيود. فقد أسهم إشرافه في خلق مناخ إبداعي يسمح للطلاب بإنتاج أعمال سينمائية تعكس رؤيتهم الخاصة وتبتعد عن التكرار والتقليد، وهو ما تجلّى في تميّز أفلامهم. وقد تُوج هذا الجهد بفوز هذه الأفلام بثلاث جوائزمن أصل خمس، من بينها جائزة أفضل فيلم روائي قصير، وهو إنجاز يؤكد نجاح هذه التجربة الطموحة التي تسعى إلى تفكيك الواقع وإعادة تأطيره سينمائيًا بجرأة ووعي فني. بفضل هذه الرؤية الداعمة، استطاعت أعمال طلاب المعهد أن تطرح تساؤلات جوهرية تعبّر بصدق عن هواجس وتطلعات جيل بأكمله، لترسم ملامح سينما مصرية شابة، تسعى للتحرر من القيود، وتمتلك الجرأة الكافية لمواجهة الأسئلة الكبرى والتعبير عن قضاياها بلغة بصرية متميزة. وهكذا، يصبح معهد السينما في الإسكندرية ليس مجرد مؤسسة أكاديمية، بل نقطة انطلاق لحركة سينمائية ناشئة ترفد السينما المصرية بمواهب جديدة، تحمل روح المدينة الساحلية المتمردة، وتسعى إلى التجديد والانفتاح على آفاق إبداعية أرحب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية