القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: خرجت السينما الروائية القصيرة عن طورها الفني الخيالي وباتت تقترب نسبياً من النمط التسجيلي دون أن تحاكي في طرحها ما تقدمه السينما التسجيلية الخالصة، ففي تجارب استثنائية يحدث التزاوج بين الروح الروائية والطبيعة التسجيلية، لا سيما إذا كانت القضية تعبر عن حدث متكرر أو توثق ظاهرة يومية كالموت أو السفر أو الاكتئاب، أو الانتحار كما يعرضه المخرج محمود سليمان في فيلمه اليوم 30 نوفمبر، حيث يوحي العنـــوان بأن هناك حدثا جللا سيقع في هذا اليوم، إذ لا يحتمل التاريخ غير هذا التأويل، الذي يظل المخرج يتــلاعب به في حرفية عالية وكثير من الإثارة والتشويق كي يبقي المشاهد يقظاً طوال الوقت متوقعا حدوث مفاجأة ومتتبعاً لمسيرة البطل باسم سمرة الشاب الذي يحدد يوم 30 نوفمبر لانتحاره فتواجهه صعوبات ويحول القدر دون إتمام المحاولة فيرجيء الأمر للعام القادم من نفس التوقيت، وفي كل مرة يكتب البطل رسالته المعهودة يؤكد فيها أنه أقبل علي الانتحار بمحض إرادته ودون ضغوط، موضحا أن التاريخ المحدد بالرسالة 30 نوفمبر ليس له أية دلالات تهم الآخرين، وإنما تحديده جاء لأسباب شخصية يري أن الإفصاح عنها غير ذات أهمية، ولكنه يصر علي اختيار اليوم ذاته وتسجيله في الخطاب حين يعتزم تنفيذ خطته لنجاح تجربة انتحاره التي تتغير كل عام تبعا لتغير الظروف، فتارة يختار القفز من فوق إحدي العمارات، وتارة أخري يلجأ إلي الوقوف أمام القطار وفي المرة الثالثة يري أن الأنسب هو الموت غرقا، فيظل متأهبا للقفز من فوق كوبري قصر النيل، ولكنه كالعادة يفشل في إقتناص اللحظة الدقيـــقة ليكون بمنأي عن عيون المارة فلا يتم إنقــــــاذه، غير أن هناك خاطرا يزعجه كثيرا وهو التحقيق في حادث انتحاره وما يسببه من اتهامات ومشاكل للآخرين وتمثل هذه الجزئية تحديدا فلسفة البطل وثقافته فهـــــــو شاب يتمتع بتكوين نفسي خاص، لا تفارق وجهه الابتسامة ولا يبدو عليه أي عرض من أعراض الاكتئاب، يقبل علي الناس ويحسن معاملتهم، فضلا عن أنه يحــــــمل ملامح شرقية أصيلة وله بشرة سمراء ويخيل لمن يراه لأول مرة بأنه يعرفه معرفة جيدة، وربما ذلك ما جعله يثير تعاطف المشاهد وتأييده وبالطبع هناك قصدية في اختيار مثل هذه الشخصية يهدف السينـــــاريست والمخرج محمود سليمان من ورائهـــــا إلي أن يصبح علي أو باسم سمرة ممثلا لكل الناس فهو يعيش في نفس الواقع وتنطبق عليه نفس الأحكام الاجتــــــماعية والاقتصادية ولا يتمتع بأي ميزة ولا يعاني من أي نقيصة قد يكون لها تأثير في إصــــراره علي الانتحار فالحياد الذي تبدو عليه الشخصية من حيث الشكل والمظهر والسلوك يؤكد توحدها في الهـــــموم والمأساة وانفصالها او اختلافها في رد الفعـــل، وللتأكيد علي المعني المستهدف يجمع المخرج بين البطل وأشباهه في كدر واحد من خلال سيارة ميكروباص يستقلها عدد من المواطنين ينتمون إلي شريحة اجتماعية واحدة مثل عسكري الأمن المركزي، والمراكبي والعامل البسيط والموظف والشاب والشابة الباحثان عن المتعة بين أربعة جدران بعد يأسهم من إتمام مشــروع الزواج، هذه الأنماط كلها تمثل مفردات التكوين في اللوحة التشكيلية القاتمة التي حاول محمود سليمان استخدامها في ايجاد علاقة إنسانية بين الشاب الباحث عن الموت وأمثاله من الذين يعيـــــشون نفس الواقع وتنقصهم الجرأة للتعبير عن احتجاجهم وتذمرهم المكبوت، إذ يعبر عن احتجاجهم وتذمرهم السلبي باختيار الانسحاب من الحياة بهدوء هو في حد ذاته شجاعة يحسد عليها بالبطل، لذا كان إحساسه بالموت ساخرا ليتماشي مع الفكرة المحورية للأحداث، وفي خضم ما يطرحه الفيلم من إدانات غير مباشرة نراه لا يستثني السُلطة من الهم العام باعتبار أفرادها شركاء في المحنة، فبينما يستعد علي للانتحار نري أحد ضباط الشرطة يقف مرتديا زيه الرسمي وقد تأهب بدوره أيضا لنفس المصير طالبا الخلاص من الحياة، ويحمل هذا المشهد كثيرا من الدلالات أولها إعفاء السُلطة من تهمة ممارسة القهر علي المواطنين بدليل أنها تلجأ لما يلجأون إليه أو أن هناك من بين أفرادها من يتعرض لنفس الأزمات التي يتعرض لها المواطن العادي، وفي هذا نفي لفكرة التميز التي يظنها البعض في رجال الأمن.
كما أن الجملة التي وردت علي لسان المراكبي وأقر فيها بتعدد حالات الانتحار في النيل تجعل من قراءة المشهد علي هذا النحو تفسيرا دقيقا له، حيث يؤكد المخرج علي عدم استثناء أي من العناصر خارج المأساة، ومن هنا يأتي التبرير الدرامي لتجاهل اسم البطل طوال النصف الأول من الفيلم والتركيز علي الشخصية فقط دون الكنية أو الهوية، في استعراض جغرافي للمكان الذي يقطنه علي نلمح ذلك التكوين الاجتماعي المتجانس بين السكان في الفقر والفوضي والعشوائية وإن بدا شيئا من التمييز الطبقي بين الواقع الشخصي لعلي الذي يسكن في عوامة وغيره من بقية السكان الذين يسكنون السطوح والمناور، ولكن ثمة احساسا مشبعا بالحزن نلحظه في عيون الجميع يجعلهم متشابهين في الملامح والطباع وطرق التحايل علي الحياة، وقد التقط المصور هذه اللمحات فعمل علي تعميــــقها باستخدام زوايا خاصة في التصوير تُشعر المشاهد بضيق المساحات وتلاصق المباني، فضلا عن استخدام الإضاءة لمضاعفة الإحساس بالكآبة وتوضيح الفروق الشاسعة بين الأماكن المفتوحة والأماكن المغلقة، وكذلك الفرق بين الليل والنهار، وكلها أدوات أجاد المخرج توظيفها كي تتحقق النتيجة المرجوة، بالإضافة إلي راكور باسم سمرة الذي ظل ثابتا طوال الفيلم ـ البنطلون الجينز والقميص المشجر، عنصر آخر حافظ عليه محمود سليمان أيضا هو إحساس البطل، فلم يتسم بالانفعال أو الهيستريا ولم يخرج عن طبيعته الإنسانية برغم كل ما يحمله من معاناة وألم، كما لو كان يعاني من مرض خبيث لا تظهر أعراضه علي الجسم حتي في أحلك الظروف واقتراب المريض من النهاية!
لقد كان بالفعل فيلم اليوم 30 نوفمبر إشارة الي وجود مرض عضال بالمجتمع يُفقد الإنسان القدرة علي التكيف والحياة فيوضع في مواجهة قسرية بين اختيار الموت أو اختيار العذاب!2