القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: بينما تشهد دور العرض السينمائية كساداً وعزوفاً واضحاً من الجمهور، نتيجة الاضطرابات الأمنية والخوف من احتمال وقوع حوادث وتفجيرات تستهدف الأرواح، تجد البرامج السينمائية في المقابل رواجاً بين جمهور التلفزيون والقنوات الفضائية كنوع من التعويض في المرحلة الحالية. وبخلاف ما يعرض على الشاشة من أفلام روائية طويلة ترتبط موضوعاتها بالفساد والرشاوى والخيانة واستغلال النفوذ، يزداد الاهتمام أيضا بعرض الأفلام التسجيلية والوثائقية والقصيرة وتخصص لها مساحات واسعة على شاشات التلفزيون الرسمي للدولة، لتحقيق ما يمكن أن نسميه بالتعبئة المعنوية، حيث يمثل اختيارها ونوعها عنصراً أساسياً ومهماً لإجازة عرضها، لاسيما بعد عودة البرامج السينمائية المتخصصة في هذا اللون من المصنف الفني، فعلى سبيل المثال استأنفت القناة الأولى إذاعة حلقات البرنامج الشهير ‘سينما لا تكذب ولا تتجمل’ الذي كان ولا يزال يعده الناقد الكبير علي أبو شادي تحت عنوان ‘سينما لا تكذب’ بعد حذف الكلمة الأخيرة إمعاناً في تأكيد الصدق والتخلي عن التيمن بعنوان الفيلم المعروف لأحمد زكي وآثار الحكيم ‘أنا لا أكذب ولكني أتجمل’ المشتق منه اسم البرنامج في سنوات إعداده الأولى، حيث كان واحدا من البرامج ذائعة الصيت التي ينتظرها المشاهد على أحر من الجمر، خاصة محبي السينما وعشاقها، ورغم فترة الغياب التي تجاوزت الثلاث سنوات لم يفقد البرنامج جمهوره ولا صناعه، فالمخرج هو نفسه محمود حسن، الإعلامي المتميز وعضو نقابة السينمائيين، ومقدمة الحلقات ومحاورة الضيوف دعاء عبدالمجيد ابنة القناة الخامسة بالإسكندرية، التي ثبتت أقدامها في القاهرة ونافست كبار المذيعين والمذيعات بفضل هذا البرنامج، ويعود التميز السينمائي ـ الإعلامي الى حرص المخرج بالتعاون مع أبو شادي على التنقيب عما هو مهم ونادر ومفيد من الناحية الفنية والموضوعية حتى لا يكون تكرارا لما قبله ولا صورة باهتة مما تعرضه القنوات الأخرى، وقد ساعد على تحقيق ذلك خبرات الناقد الكبير وإحاطته بالأفلام المهمة الحاصلة على جوائز عالمية من مهرجانات لها سمعتها العالمية، كما زاد من هذه الضمانة تولي المعد المذكور رئاسة المركز القومي للسينما لفترة غير قصيرة، وهو المنجم المليء بأهم الأفلام المنتمية لسينما الظل، فقد استمرت سنوات حبيسة الأدراج قبل ان تشارك في المهرجانات السنوية، مهرجان القاهرة ومهرجان الأفلام الروائية، ولتوافر شروط الجودة والصلاحية احتلت أفلام كثيرة موقعاً متميزا على خريطة الشاشة الصغيرة بالبرنامج ذاته الذي وجهت الدعوة من خلاله لمجموعة متخصصة من النقاد لتحليل الأفلام وتبسيط لغتها المركبة ليسهل على المشاهدين فهمها واستيعابها، فمن بين ما عُرض مؤخرا وتم الاحتفاء به نقدياً ثلاثة أفلام هي ‘هوس العمق’، ‘ليالي القمر’، و’ساعة عصاري’، والأفلام الثلاثة لمخرجين شباب هم أسامة العبد ـ عمر خالد ـ شريف البنداري، وحيث تقوم الفكرة الأساسية على التكثيف والاختزال والتعويض بالصورة عن الحوار فلم يبلغ زمن الفيلم فيها أكثر من 15 دقيقة على الأكثر، مما أعطى أهمية لاحتشاد العناصر الفنية مجتمعة كي تفي بدورها في تقريب المعنى وتوصل المضمون، فـ’هوس العمق’ وهو تجربة ثرية في الأداء لبطلته يسرا اللوزي يتناول بسخرية وبلاغة شديدة الأحكام النقدية لبعض النقاد الأكاديميين المتخصصين في النقد التشكيلي وقسوتهم على المبدعين الشباب، وكيف أن هؤلاء النقاد يتسببون في تشويش الرؤية الأولية عند الدارسين والموهوبين الصغار ويصيبوهم باللوثة الفنية فيظلون يبحثون عن أصول لأحكام النقاد في المراجع بعدما يضلون طريقهم ولا يجدون لفنهم ظلاً في الشهادات النقدية، ويخيل إليهم أن العيوب تكمن في لوحاتهم لغياب الوهم المسمى بالعمق، على حد تسمية من انتقد اللوحة وأصاب صاحبتها بالإحباط والفوبيا وجعلها تفتش في كل لوحة ترسمها عن الشيء المفقود فيها ثم ينتهي بها المطاف بفضل النقد التعسفي الى ترك الفرشاة والألوان نهائياً والدخول في أطوار اكتئابية مرضية!
الفيلم الثاني ‘ليالي القمر’ يردنا الى زمن أم كلثوم ومحمدعبدالوهاب والأيام الخوالي من خلال رجل عجوز يهرب من الواقع الصاخب والضجيج اليومي بالعزلة الإرادية ويلوذ بالماضي فيعيش فيه ايام الصبا والشباب ويرفض الاندماج مع أفراد الأسرة ويفضل قضاء الساعات الطويلة بين أوراق الكوتشينة يقرأ الطالع ويستشرف المستقبل لعله يجد فيه ما يخلصه من وحدته ويعينه على نوائب الدهر، الشخصية الثانية في الفيلم يمثلها شاب يرغب في الهجرة خارج حدود الوطن في خط مواز لهروب العجوز مع اختلاف نوع الهروب وكيفيته، لكن الاثنين يتفقان على رفض الواقع الذي بات مُعلقاً ومؤرقاً، وهذا بالطبع وفق رؤية كتبها السيناريست قبل الثورة وكانت حينها متناغمة مع الشعور العام للغالبية من الشعب المصري، فالكل كان يصبو للخلاص، إما بالهروب أو التمرد، وقد حدث الخيار الأخير وغير الأفراد والجماعات واقعهم بالتمرد والعصيان وانتصرت إرادتهم، ‘ساعة عصاري’ نوع من الجنس السينمائي الراقي يعزف على منوال مشابه وهو مأخوذ عن قصة للكاتب الروائي إبراهيم أصلان بعنوان ‘آخر النهار’ التقط خيوطها شريف البنداري وصاغ منها تفاصيل فيلمه الشجي، فقد ركز على حالة البطل ‘صلاح مرعي’، الموظف المحال الى التقاعد المرهون قيد الانتظار، انتظار مجهول ما، ربما يكون الموت أو يكون واقعا تحت تأثير حالة الأسر التي بات عليها بعد تحديد إقامته بالمنزل لانقضاء مدة الخدمة بالحكومة، فقط هو لا يفعل شيئاً سوى السباحة في التفكير العميق طوال الوقت، إذ يصعب عليه التواصل مع زوجته وابنه الوحيد ‘باسم سمرة’ الذي يزوره من آن لآخر كي يسري عنه ولكن من دون جدوى، لا يوجد ما يتغلب به البطل على وحدته غير فنجان الشاي في ساعة العصاري من النهار الطويل، ولعلها التسمية جاءت من هنا، ولكن السؤال لماذا لم يبق البنداري على العنوان الأصلي للرواية، ‘آخر النهار’؟ لا سيما أنه الأنسب لجو الفيلم والأحداث والحالة المزاجية للأبطال، لم أكن قد شاهدت تلك الرائعة الفنية، وقت حصولها على الجائزة الدولية من مهرجان روتردام، ولكن لم يساورني حينها شك في قدرات المخرج الموهوب الذي اتصور انه آن الأوان لأن يقدم لنا فيلماً روائياً طويلا يتوج نجاحه ويضعه في مصاف مخرجي السينما الكبار، خاصة أنه أفنى وقتاً طويلا في تحصيل الخبرات بالفيلم القصير، أمنية أتمنى أن تتحقق.