فــاروق وادي
لا يروي الوالد لطفلته حكاية خرافيّة، لكنه يحكي حكاية وطن كان حُراً وثرياً. وعندما جاءه المستعمرون، نهبوا كلّ ثرواته، فغدا فقيراً ومُعدماً.
الرجلّ العسكري الذي واجه المستعمر، ثمّ أسهم في مفاوضة أعداء بلادة وانتزاع استقلالها من الاستعمار البريطاني، الحالم بالديمقراطيّة تعمّ وطنه المحرّر، يُمطره الانقلابيون العسكريون بالرّصاص ويتركونه جثّة هامدة، ولكنه يبقى رمزاً وطنياً حاضراً في وجدان شعبه.
تكبر الطفلة في الوطن، ثمّ تغادر إلى لندن، لتتزوّج هناك أكاديمياً بريطانياً، وتهيىء نفسها لتكون ربّة بيت وأماً نموذجيّة لولديها. لكن الظروف التي تدعوها لزيارة بلدها أواخر الثمانينيات لمعاودة أمها المريضة، جعلتها تصطدم بالمَشاهد الدمويّة اليوميّة لحكم العسكر هناك. قمع وحشي للمظاهرات الطلابيّة؛ الدّم يملأ الشوارع والموت يصول في كلّ مكان؛ انتهاك للمستشفيات وممارسة القتل الأعمى للمصابين؛ مسيرات احتجاجيّة ترى نفسها في قلبها. وكأنما شعبها الذي يستحضر صورة والدها الشهيد، قد عثر في تلك المرأة على قائده المفتقَد لتحقيق حلم التحرُّر من سطوة الحكم العسكري البغيض، فيرتفع بها إلى مستوى الأمل والرجاء. والمرأة التي لم تواجه جمهوراً من قبل، تجد نفسها منطلقة، بطاقة وردها المزروع في شعرها، تُعبِّر عن أفكار ومشاعر نحو مليون من البشر كانوا يملؤون الميدان! ***هكذا أصبحت ‘أونغ سان سو تشي’ زعيمة للمعارضة السلميّة في ‘بورما’، ما قادها في 1991 إلى انتزاع جائزة نوبل للسلام، لنضالاتها التي لم تخمد في سبيل إشاعة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في بلادها، دون أن تتمكّن من حضور حفل تسلمها الجائزة، لخضوعها للإقامة الإجباريّة التي يفرضها الحكم العسكري عليها داخل بيتها.
قصّة هذه المرأة الحديديّة المسالمة، هي ما يدور حوله فيلم ‘السيِّدة’ للمخرج الفرنسي لوك بيسون. لكن قصّة النضال السياسي لهذه المرأة، تبسط خلفها حكاية حبّ وإخلاص ساطعة وعميقة لتك المرأة مع زوجها البريطاني الدكتور مايكل أريس، وملحمة كفاح إنساني خاضتها الإثنان معاً، وبدرجة هائلة من الوفاء وإنكار الذات الذي أبداه الزوج خاصّة، وبلا حدود، وإن كان يعاني من سرطان لن يمهله كثيراً. حتّى أن الزوجين يفشلان في تحقيق اللقاء بينهما فيما الزوج يلفظ أنفاسه الأخيرة بعيداً، وهي تعاني من فرض الإقامة الإجباريّة عليها، والذي تواصل لسنوات طويلة دون انقطاع.
ثمّة مشاهد لا تنسى في الفيلم. واحد من أجملها، عندما تُفاجأ السيِّدة بالجيش المدجّج والمهيّأ وقد سدّ عليها وعلى رفاقها الطريق بفوهات الرشاشات الموجهة نحو صدورهم. تتقدّم المرأة بهدوء وسلامٍ وثقة، لتخترق غابة البنادق بجسدها الناحل الواثق ونظراتها المتقدة، فتحول دون انطلاق مطر الرصاص من سلاح يصاب بالشلل والعجز اللحظيّ. فيختزل المشهد بذلك خطاب المواجهة السلميّة اللاعنفيّة التي تملك الحقّ، فتنجح في كثير من الأحيان في تحدي قوّة سلاح الباطل، المدجّج بالعنف والحديد والبارود.
في مشهد آخر، ثمّة مسيرة تطوف العاصمة البورميّة يقوم بها الرهبان البوذيون، بملابسهم الحمراء الداكنة، هم الذين وجدوا أنفسهم، ورغماً عنهم، جزءاً من الحياة السياسيّة في بلادهم ومن الحركة المناهضة لحكم عسكري أفضى بالبلاد إلى أقصى درجات القمع والقتل والجوع. وعندما تبلغ المسيرة بيت السيِّدة، تخرج إليهم بكامل وردها، لتؤكد النهاية على تواصل المعركة واستمراريتها.. حتى سقوط حكم العسكر. وينغلق الفيلم على نداء مكتوب تدعو فيه أون سان سو تشي أحرار العالم للوقوف إلى جانب قضيّة شعبها، الذي ما زال يعاني من ظلم حكم عسكري يمارس القمع ومصادرة الحريّات: ‘ نرجو أن تستخدموا حريتكم للدفاع عن حريتنا’.***لا يقف فيلم ‘السيِّدة’ عند رصد وتوثيق تجربة امرأة من بورما نذرت نفسها لحريّة شعبها ومواجهة حكم العسكر في بلادها، ولكنه يحكي عن نساء كثيرات يفعلن ذلك في بلادهن، فيواجهن الطغمة العسكريّة أينما حلّت وحكمت.
لقد كان لافتاً أن سلاح النكتة لم يغب أيضاً في المواجهة الشعبيّة. يتساءل أحد المعارضين السّاخرين المُحرِّضين في الفيلم: ما هو الشيء الأسوأ من جنرال؟
ويجيب على سؤاله قائلاً:
ـ جنرالين!
في واقعنا العربي، العدد يختلف. فثمّة ما هو أسوأ من جنرالين: تسعة عشر جنرالاً، على سبيل المثال[email protected]