من أجمل الحوارات التي دارت بيني وبين بعض الاسلاميين، ذلك الحوار الهادئ في معظمه مع الأستاذ محمد طلبة، من مؤسسى سَلِفيوُ كوستا. طبعا هذا الاسم من وحي المكان والبيئة التي اتفقوا فيها على تأسيس هذه الجماعة أو الحركة أو المنظمة، في أوائل أيام ثورة 25 يناير 2013، كما فهمت من الأستاذ طلبة. النشأة في محل كوستا، بميدان التحرير في القاهرة.
الحوار جاء ضمن البرنامج الذي يقدمه الاعلامة البارز يسري فودة لقناة أون.تي.في عن الدستور، وعادة ما يجري بين طرفي نقيض، احد المشاركين يكون مقتنعا بالتصويت بـ’نعم’ ويدافع عن ذلك، والآخر يكون مقتنعا بـ’لا’ ويدافع عن ذلك. وكل من الطرفين له أن يستشهد بسبعة محاور من مشروع الدستور ليدلل بها على صواب رأيه، وقد يشمل كل محور مادة أو أكثر، ولكن أصعب شيء هو أن يشرح المتحدث المحور للمشاهدين في دقيقة ونصف الدقيقة، ويكون للطرف الآخر الحق في تفنيد ذلك المحور في دقيقة ونصف الدقيقة، قبل أن يعقب المتحدث تعقيبا أخيرا مدته دقيقة واحدة عن ذلك المحور.
اختار الاستاذ طلبة المحور الأول متمثلا في المادة 73 بشأن تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات بإخطار على النحو الذي ينظمه القانون وحق الاجتماع الخاص مكفول سلميا، بدون الحاجة الى إخطار سابق، واختار المحور الثاني ممثلا في المادة 141 والمادة 164. وهاتان المادتان تتحدثان عن شروط الترشح لرئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، واعتبر الأستاذ طلبة أن بعض تلك الشروط، خصوصا شرط الجنسية الاجنبية وأداء الخدمة العسكرية تمييزا بين المصريين. شرحت له أن هذه شروط شغل الوظيفة ولا تدخل في إطار التمييز. اختار أيضا المادة 145 والمادة 166 كمحور ثالث، وهما تتحدثان عن تحديد راتب رئيس الجمهورية وتفرغه للعمل، وعن إقرارات الذمة المالية عند توليه المنصب وفي نهاية كل عام، وكذلك تحديد مرتب رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة.
وقع اختيار الأستاذ طلبة على المادة 241 بشأن إصدار قانون العدالة الاجتماعية لكشف الحقيقة والمحاسبة كمحور رابع، واقتراح أطر المصالحة الوطنية وتعويض الضحايا وفقا للمعايير الدولية، كما اختار المادة 212 والمادة 216 كمحور خامس، وهما المادتان اللتان تتعلقان بالهيئة الوطنية للصحافة وإدارتها للمؤسسات الصحافية المملوكة للدولة وتشكيل الهيئات والأجهزة الرقابية. كان يرى محاورنا الموقر أن الدول المتقدمة لا تملك إعلاماً رسميا، ونسي أن بي بي سي نفسها، كانت جزءاً من الخارجية البريطانية.
أما المحور السادس الذي وقع اختياره عليه للتدليل على رفضه مشروع الدستور والتصويت بـ’لا’، فيتمثل في المادة 146 التي تتناول تشكيل الحكومة بتكليف من الرئيس مباشرة أو بترشيح من الحزب أو الأئتلاف الحائز أكثرية مقاعد مجلس النواب، واعتبار المجلس منحلا إذا لم تحصل أي من الحكومتين على ثقة البرلمان، ثم اختار محاورنا السلفي الكوستاوي المحور السابع في ما سماه، الحجة المطلقة، ويعني بذلك خطأ اختيار هذا التوقيت لإعداد وثيقة هذا الدستور.
وقد اخترت المحاور السبعة، التي استشهد بها على ضرورة التصويت بـ’نعم’ على وثيقة الدستور يومي 14، 15 كانون الثاني/يناير 2014، من المواد الحاكمة في باب الدولة والمقومات الأساسية، وهي المادة الأولى التي تحدد هوية الدولة، وموقع الشعب المصري باعتباره جزءاً من الأمة العربية ومن العالم الاسلامي والانتماء للقارة الأفريقيـــــة والامتداد الآسيوي.
واخترت المادة الثانية التي تؤكد دستوريا، أن الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، واخترت المادة الثالثة بشأن شرائع المصريين من المسيحيين واليهود، ثم اخترت المادة الرابعة كمحور رابع، وهي مادة حاكمة جامعة تقوم كدستور وحدها، لأنها تنص على أن السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ويصون وحدته الوطنية التي تقوم على مبادئ المساواة والعدل، وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، على الوجه المبين في الدستور.
وقد اخترت المحور الخامس للنقاش والحوار، متمثلا في المادة الحاكمة الخامسة التي توضح معالم النظام السياسي وقيامه على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة، واحترام حقوق الانسان وحرياته، على الوجة المبين في الدستور. وهذه المادة الخامسة مع المادة الرابعة السابقة، تلخص كثيرا من مواد الدستور والقيم الاسلامية والانسانية.
أما المادة (11) فكانت هي عمود الحوار في المحور السادس، وهي التي تتناول موضوع تحقيق المساوة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور.
وهنا جاء دور المادة او المواد التي تدلف بنا الى المحور السابع والأخير، وهنا وقع اختياري على المادة (78) التي تشير الى كفالة الدولة لحق المواطن في المسكن الملائم والآمن والصحي، بما يحفظ الكرامة الانسانية وبما يحقق العدالة الاجتماعية.
ثم جاء تعليقي الأخير في دقيقتــــين، حسب الوقت المحدد قبل ختام المناظرة في أن تلك المنــــاظرة التي كانت بين ســلفي كوستاوي وبين إخواني سابــــق خطوة على طــــريق النمـــذجة، وليتنا في كل المناظــــرات والحوارات والنقــــاش، وهو امر لم يعد ترفاً بل واجباً، نسير في طـــريق النمــــذجة، فتكـــون طريقتنــــا نموذجا في الحوار أمام الآخرين في الداخل والخارج، مهما كانت حساسية الموضـــوعات التي هي موضـــع المناظـــــرة، وتبقى بعد ذلك كله وقبله، قضية بناء الانسان المصري فكريا، وثقافيا، ودينيا وسطيا، واجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا، حتى يدرك معنى الإنصاف والموضوعية والعدل تحقيقا لقول الله تعالى ‘وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ’، ويدرك معنى قوله تعالى ‘وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفي بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا’.
وعليه أن يدرك أيضا ان ‘من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ‘، وأن يدرك عندما يحكم بين الناس أو يصوت على الدستور معنى قوله تعالى ‘فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ’.
كانت فلسفتي وراء اختيار هذه المواد 1، 2، 3، 4، 5، 11، 78، كمحاور للنقاش في تلك المناظرة، تنبع من إدراكي أن أي سبع مواد من أي باب من أبواب الدستور، تصلح أن تكون دليلا على صحة التصويت بـ’نعم’، وحتى المواد التي يختارها للحوار من يريدون البرهنة على أن التصويت يجب أن يكون بـ’لا’، فإنها أيضا مواد تؤكد قيما ومبادئ وأسسا يصعب الطعن فيها، وإن كان الدستور كله يقبل التحسن من حين لآخر. أنا ممن يرون صواب قول الأصفهاني ‘إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه، فلو نظر فيه في غده، لقال: لو زيد هذا لكان احسن، ولو نقص هذا لكان يستحسن’، وهذا من أجَّل العبر، ودليل استيلاء النقص على جملة البشر.
تمنيت ودعوت في لقاءاتي العديدة بشأن الدستور في القاهرة، وفي الاسكندرية والمنوفية والشرقية وكفر الشيخ وكفر الدوار وأسيوط وغيرها، وفي البرامج الاذاعية والتلفازية، أبناء الشعب جميعا ممن لهم حق التصويت الى الخروج يوم الاستفتاء الى الصناديق والتصويت بـ’نعم’، لما في هذا الدستور من أسس وقيم ومبادئ لا يستغني عنها الشعب المصري في تقدمه، تحقيقا لأهداف الثورتين وأكثر، وكما قلت في بعض المناسبات انني أقسم بالله العظيم صادقا غير حانث لو كنت قد وجدت في هذا الدستور ما يخالف أو يضاد الدين أو الوطنية لدست عليه بالحذاء، ولخرجت من لجنة الخمسين التي أدت عملها بنزاهة وحب وتطوع في خدمة هذا الوطن الجميل مصر، وحبَّا في هذا الشعب الطيب الذي قام بثورتين في سنتين ونصف السنة ووضع بذلك رئيسين اثنين في القفص، وقد تكون هذه سابقة لا مثيل لها بين الشعوب. ليس هناك أي مادة أو أي جزء من مادة في هذا الدستور يدعو إلى الخروج على أي من الأخلاق والأعراف الجميلة للشعب المصري. هناك من سيقول ‘لا’ وهذا حق المواطن، ولكن يجب أن يكون ذلك القول بناء على فهم الوضع بأكمله وليس تبعا لشيخ القبيلة الذي قد يكون رئيس حزب سياسي أو عمدة بلد أو رئيس حركة إسلامية أو اشتراكية على سبيل المثال لا الحصر.
‘ كاتب مصري