أثارت إعادة كنيسة/ متحف أيا صوفيا إلى وضعها الأول كمسجد، العديد من ردود الأفعال. وتمت إعادة الأمر إلى ما كان عليه، باعتبار أن دخول القسطنطينية من قبل جيوش محمد الفاتح كان عنوة، وبالتالي يصبح المكان وما عليه ملكا له، بخلاف ما إذا كان الدخول «صلحا» كما حدث في القدس عندما دخلها عمر بن الخطاب ، ولم يشأ الصلاة في كنيسة القيامة، فضلا عن أن يحولها إلى مسجد. واختلف المتتبعون للحدث بين مؤيد ومعارض.
والتأييد كما يبدو لي، لا يمكن أن يجعل السياسة التركية ولا أردوغان منزهين عن النقد، وخصوصا في ما يتعلق بحرية التعبير وسجن الصحافيين وبعض المعارضين. صحيح أن محاولة الانقلاب العسكري كانت وصمة عار على جبين من قاموا بها وفشلوا، وأن الانقلاب مرفوض لأنه يعارض مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، لكن أيضا المبالغة في تكريسه في الوعي لتبرير الاعتقالات، أمر مرفوض لأن الشعوب تروم العيش تحت كنف دولة القانون والحرية وكرامة الإنسان.
كما إن معارضة إعادة متحف آيا صوفيا إلى كونه مسجدا، لا تبرر الهجوم غير المبرر على شخص أردوغان، وبعض رموز الدولة التركية وتاريخها، لا تبرر النقد الذي ينزل حقيقة دون مستوى العقل وإنسانية الإنسان، لأن اختلافنا مع من نفترق معه في الانتماء الأيديولوجي أو العقدي أو الفكري، لا يدفعنا إلى الشطط في تسفيهه وتحقيره فقط، لأن ما يقوم به أو ما يعتقده لا نؤمن به، وهذا ما كان حقيقة من أمر بلال فضل، الذي يعتبر وزنا إبداعيا وفكريا مرموقا، وبرنامجه «عصير الكتب» شاهد على ذلك، نختلف أو نتفق معه ذلك مستوى آخر للتفكير في المشكلة، والواقع إن شيوخا معممين كشفوا عن ضحالة تفكيرهم في رفض مسعى أردوغان، وراحوا يدللون بسذاجة وسطحية، على عدم جواز ذلك، وبالتالي الصلاة باطلة في آيا صوفيا، لأنه ملك مغصوب، ونسوا أن مصر التي تكلموا منها دخلها الفتح الإسلامي عنوة.
إن منشور بلال فضل حول قضية «آيا صوفيا»، كان ـ على الأقل بالنسبة لي ـ مخيبا للآمال بالطريقة التي ورد بها، وربما اختلط الأمر عليه ظانا أنه يكتب سيناريو أو رواية، فتركيب صورة على تلك الشاكلة لأردوغان، أو علي أرباش يعتبر في الشعور العربي والإسلامي مخالفا للذوق العام، بله هذا الشعور، أظن أنه في الإحساس الإبداعي الذي يرنو إلى الحرية والجمال والعدل، في توزيع الخيال على صور الأشياء، يبدو سلوك بلال فضل مناقضا تماما لما يدعو إليه، خصوصا إن الأمر يتعلق بالدولة التركية، التي لها مطلق الحرية في التصرف في ما تملكه، وأيدت رئيسة الوزراء السابقة تانسو تشيلر، قائدة حزب الطريق القويم، أردوغان واعتبرت ما قام به يتطلب جرأة كبيرة وشجاعة.
حدود النقد تتحدد بالمجتمع وخصوصيته والعناصر الناظمة لحركته، فاللحظة لم تكن خارج الوجدان الإسلامي، ولم تكن فريدة في التاريخ، ولم تكن تجاوزا كيانيا للمبنى، فمساجد غرناطة وبعض مساجد فلسطين حوّلت إلى مراقص وإسطبلات وغيرها أهمل تماما.
إن الصورة التي وضع فيها علي أرباش بين سيخي شوارمة، لم تضف شيئا إلى الإبداع أو النقد، سوى أنها أحالت ذاتها على من زيفها، وأصبحت هناك شاورمة لبلال فضل، كما أن لأرباش سيفا ولأردوغان مصحفا، فالصورة اليوم تكرس وتديم وضع صاحبها، انطلاقا من تداولها بشكل كبير ومكثف عبر وسائل الإعلام المتعددة. إن الأمر لا يعدو أن يكون مناكفة أيديولوجية زادت في مستوى معارضتها للمبدأ المشترك الحاضن للهوية الأم، ومن ثمة كان النقد شرسا وخارجا عن أدب الاختلاف، ليس لأن الشخصين فوق النقد، ولكن لأن حدود النقد تتحدد بالمجتمع وخصوصيته والعناصر الناظمة لحركته، فاللحظة لم تكن خارج الوجدان الإسلامي، ولم تكن فريدة في التاريخ، ولم تكن تجاوزا كيانيا للمبنى، فمساجد غرناطة وبعض مساجد فلسطين حوّلت إلى مراقص وإسطبلات وغيرها أهمل تماما.
إن الأمة تعاني مآسي وآلاما وجروحا عميقة، تستدعي من أناسها، على الأقل، ألا يساهموا في إعمال المبضع في الجرح والمساهمة في اتساعه، المصحف هو عنوان وهوية، هو الدلالة الباقية على تماسك – إن كان هناك من تماسك – لحمة هذه الأمة المشتتة، والسيف لم يرفع على أحد، بل هو سيف محمد الفاتح الذي دخل القسطنطينية واشترى الكنيسة، رغم إنه كان قادرا على أخذها، طبقا لقوانين الحرب والسلام، ولماذا نقبل بصورة رامبو وهو يحتضن الرشاش الذكي، الذي يعبر عن سوبرمانية الأمريكي الغاصب لحرية الشعوب، والمنتهك لحرماتها، لماذا نذعن لرموزهم ونتعدى على رموزنا، لقد أكد القس اليوناني لامبروس فوتوبولوس على أن أردوغان أعاد العبادة إلى آيا صوفيا، وهو فهم عميق لقضية التواصل مع الله في العقائد الثلاث.
في حقيقة الأمر أن المتحف لم يكن لائقا بالوضع التعبدي للمكان، وتحويله إلى مسجد جعله في أبسط مستويات التفكير الحضارية فضاء لتحقيق العبودية لله، وحسب المسؤولين الأتراك، سوف لن يُمنع المسيحيون من الزيارة، إذن على أقل تقدير أصبح المسجد حاضنا للحوار الثقافي الرمزي، الذي تدعو له الاتجاهات الثقافية العلمانية المتطرفة، ولا تفكر في التصورات المستقبلية الممكنة التي تحققه إلا بما تراه. نفكر هامشيا حين نستبعد عناصر المرجعية والأطر التاريخية التي تحكم الوعي الإسلامي في تناوله للقضايا التي تهم مصير الجماعة الحضارية العربية والمسلمة، لأن الظروف التاريخية لتطور الوضع الاجتماعي الحضاري، تختلف اختلافا جذريا عن السياق التاريخي لأوروبا والغرب عموما، فإذا جازت صورة كتلك التي وضعها بلال فضل، لكل من أردوغان وأرباش، وكانت سوف تمر بدون أي اكتراث بها هناك، بالعكس، فهي تثير وبالضروة كل ما أثارته هنا، لأن المرجعيات تختلف والسياقات أيضا، فالحسم مع الدين وإقصاؤه كعنصر معيق في الغرب، وبالتالي تحييد الكنيسة، جعل من الوضع الثقافي هناك متحررا من أي ارتباط بالعقيدة والدين، رغم أنه في المواعيد الحساسة ينتفض مارد الدين، لأنه فطرة جُبِل الإنسان عليها، كما حدث مع فيلمي «الإغواء الأخير للمسيح» لمارتن سكورسيزي (1988)، الذي أثار جدلا واسعا وتم منعه في العديد من الدول، وفيلم «شغف المسيح» (2004) الذي أخرجه ميل غيبسون، والذي اتهم بسببه من قبل الجماعات اليهودية بمعاداته للسامية، وغير هذه الأفلام كثير.
ليست المرجعية ضربا من ضروب العودة إلى الخلف، وليست شكلا من أشكال الرجعية في مقابل التقدمية، إنها الحالة التي يتم بها تمييز الوضع الحضاري العربي الإسلامي عن غيره، في مواجهة اللحظة الحضارية بمحمولاتها الدينية، كما أثبتها إدغار موران في كتابه المشترك مع طارق رمضان المعنون «في خطر الأفكار»، ويصبح تجاهل هذا العامل سببا في توسيع الهوة بين إمكانية النهوض والارتكاس المرير في التخلف، «فإذا كان ثمة تمزق، فذلك لأن تأثيرا ضاغطا جديدا قد أحدث تفرعا ثنائيا في الفكر والحساسية، تمزق لم يرافقه وعي بالوجود وبالانتماء»، كما يقول المفكر أنور عبد الملك في كتابه «الفكر العربي في معركة النهضة».
إذن القضية أكبر من مجرد حرية النقد، وعدم تنزيه الأشخاص عن ذلك، لأن المقابل سوف يكون التقديس، وهو ما لا يتوافق مع الدولة المدنية والرغبة في تحقيق العدالة والتداول السلمي على السلطة والحركة نحو الأمام، القضية أعمق من ذلك، لأنها تتعلق بمرجعيات ثابتة وتاريخية فعلا، نشأت في أحضان الدين واستمرت وفق نموذج لم يمس فيه الدين الإطار الحضاري، الذي فكر فيه العقل العربي/المسلم، فلماذا يقلق وضع أردوغان وهو يقرأ القرآن، أو اتكاء أرباش على سيف الخلافة، هل لأن مفهوم الخليفة أصبح يقلق إلى درجة أننا ننسلخ من تاريخ معين بمفاهيمه وأدواته وعناصره الحضارية، تقليد الأتراك في حمل السيف قديم يعود إلى سقوط الخلافة، وبالتالي يحملون في وعيهم هم استعادة الدولة العثمانية، التي كانت مشتركا بين المسلمين في العديد من الأوطان، ولعبت دورا مهما في الحفاظ على الكيان الإسلامي لقرون، مع ما كان لها من أخطاء وزلات، لكن ما يبقى مكرسا في الوعي يستمر بتجلياته لحفر صورة للذات داخل الإطار الحضاري، الذي لا يتحمل الوعي الجمعي المساس به، فهو الهوية وهو المسار.
٭ كاتب من الجزائر