منذ اللحظة الأولى التي تجاوز فيها فيروس كورونا المجال الترابي الصيني، قبل إعلانه وباء عالمياً، مروراً بإعلانه وباءً عالمياً وانتشاره على مدى واسع في أرجاء المعمورة، وصولاً إلى اليوم، وخرجات عُلماء الاجتماع بخاصة، وغيرهم مِن الباحثين في مجالات العلُوم الاجتماعية بعامّة، لا تنفكّ عن التوقّف، سواء عندنا في المغرب والعالم العربي أو عند غيرنا في الغرب.
مُجمل ومُعظم هذه الخَرجات كانت في البداية بمثابة خرجات صحافية في هذا المنبر أو ذاك، مرئية ومسموعة كانت، أم صحافية مكتوبة، التي أخذت في الغالب شكل حوار صحافي. إلى أنْ تتطوّر لاحقاً إلى مقالات أكاديميّة في العديد من مراكز الأبحاث والدراسات، وفي العديد مِن المجلاّت التي خصّصت أعداداً خاصة بالجائحة المعنية. إلى درجة تأليف بضعة كُتب خاصّة بهذه الجائحة مِن تأليف باحثين يُراد لهم أنْ يكونوا عُلماء اجتماع. بغض النظر عن تنظيم لقاءات وندوات افتراضية، و«لاَيْفَاتْ» يومية في الوسائط الإعلامية الجديدة، كما هو حال فيسبوك على سبيل المثال، مِن طرف هذه الجهة أو تلك، مِن طرف هذا الباحث أو ذاك.
ما هذا التهافت؟ متى كانت السُّوسيولوجيا مُتهافِتة إلى هذه الدرجة… على المُستعجل والطارئ والسريع والجاهز؟ هل يُراد للسُّوسيولوجيا أنْ تكون عِلماً للمستعجلات؟ هذا إذا سلّمنا فعلاً بسوسيولوجية (عِلمية وموضوعية) تلك الخرجات والمواقف- المشبوهة علمياً- الخاصّة بكورونا.
هناك الكثير من الكلام قيل بخصوص التداعيات والانعكاسات الاجتماعية لفيروس كورونا المُستجد. وهو كلام محسوب على باحثين يُسجّلون انخراطهم في مجالات معرفية خِصبة، لها قواعدها الإبستيمولوجية الرصينة، وصرامتها المنهجية اللازمة، في أيّ تشخيص أو بالأحرى في أي كلمة تقال باسم هذا التخصص العِلمي أو ذاك. فهذا يُحدّثنا عن تداعيات كورونا على الرابط الاجتماعي، وذاك عن التضامن الاجتماعي، وآخرون عن المابعديات «ما بعد كورونا»، وغيرهم عن الدولة الوطنية والدولة الاجتماعية، وهناك مَن يتحدث عن «النوع الاجتماعي»، ومجتمع المخاطر، والخطاب، إلخ. وبغض النظر عن الإسقاطات القاتلة للاجتماعي بكل أشكاله وألوانه، في ما يُسمى صحافياً بـ«زمن كورونا».
كلّ هذا التهافت المُعمَّم قد يكون مفهوماً إلى حدّ ما كآراء وانطباعات منفصلة عن أصحابها، ومجالات تخصُّصهم العِلمي، إذا ما نحن استحضرنا وَقع كورونا على البشرية برمَّتها، فضلاً عن العنف الذي يُمارسه علينا الراهن باستمرار: عنف الراهن.
كلام كثير وفضفاض يَلبس لباساً سوسيولوجياً مُلغماً، قد ينفجرعلى أصحابه في أيّ لحظة، قد يمنحنا انطباعاً مغلوطاً، يُمكن أنْ يفضي بنا إلى الاعتقاد بأنّ كورونا ابتلعت العالَم الاجتماعي، ماذا تعتقدون، هل تعتقدون أنكم ابتلعتم العالَم الاجتماعي؟
كلّ هذا التهافت المُعمَّم قد يكون مفهوماً إلى حدّ ما كآراء وانطباعات منفصلة عن أصحابها، ومجالات تخصُّصهم العِلمي، إذا ما نحن استحضرنا وَقع كورونا على البشرية برمَّتها، فضلاً عن العنف الذي يُمارسه علينا الراهن باستمرار: عنف الراهن. الأمر الذي يفرض على المرء نوعاً مِن المواكبة والراهنية، أيْ المراهنة على كلّ ما هو راهني وجديد، مِن طرف الإعلام والعُلماء والمثقفين والمفكرين، بتعدّد مشاربهم وانتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والمعرفية، في رصد الوضع الراهن ومجرياته المتدفِّقة، فضلاً عن كون كورونا اليوم يُمكن أنْ يَعنينا أكثر من أيّ شيء آخر. قد يدقّ على بابنا في أيّ لحظة، مهدّداً لوجودنا وكينونتنا، منتزعاً لحيواتنا، خاصّة إذا أخذنا في الحُسبان أنّ الأمر يتعلّق بجائحة عالمية اجتاحت الكثير مِن الأجساد، وانتزعت الكثير مِن الحيوات الإنسانية مِن مجتمعات ودول وطبقات وسياقات ووضعيات مختلفة. لكن ينبغي أن لا يُسقطنا ذلك التهافت المبرّر إلى حدّ ما، بالخوف مِن المجهول(كورونا، الموت) حتى في أكثر المجتمعات تديناً أو بعنف الراهن، في الارتجالية المعرفية، أو سذاجة الحسّ المشترك، أو بلاهة القول (الأفكار الجاهزة). ومن ثمّ المُساهمة في توليد وعي زائف.. باسم تخصُّصات علميّة مخصوصة، كما هو شأن العُلوم الاجتماعية.
تخصُّصات عِلمية، تتطلّب الكثير مِن الحذر الإبستيمولوجي والمسافة المنهجية الضرورية للتعاطي العلمي الرصين، مع واقعة لا تزال جارية.. لم تكتمل معالِمها بعد، حتى لا نسقط في مطبّ وَهم الفهم والتفسير، عوض الفهم والتفسير الحقيقييْن، اللذين يفرضان نوعاً مِن الممارسة الإمبريقية الاستقرائية. وهو أمر متعذر حالياً لكوننا بصدد واقعة لم تُصغ بعد، كما أسلفنا الذكر. ماذا عن التنبُّؤ، هل يُمكن للعلوم الاجتماعية بعامّة والسوسيولوجيا بخاصّة، أنْ تمنحنا إمكانية التنبّؤ بالمفعولات والانعكاسات الاجتماعية لكورونا؟ الجواب قطعاً هو لا. فعلى عكس العُلوم الطبيعية، فإنّ التنبّؤ غير ممكن إبيستيمولوجياً في مجالات العلوم الاجتماعية. ما الذي يُمكننا فعله؟ لا نملك في الوقت الراهن إلاّ التفكير، ولا شيء غير التفكير. من خلال استشكال كورونا، وطرح الأسئلة بصددها، مع صياغة فرضيات أو أجوبة احتمالية ومؤقتة، يمكنها أنْ تساعدنا بشكل أو بآخر على الاستفهام والفهم، الاستفسار والتفسير، وبالتالي المساهمة في وضع أسس وبرامج وخطاطات لمشاريع بحثية ممكنة في الأفق.
قد نتفهم هذا التهافت، إذا نحن أخذنا بعين الاعتبار الطلب الاجتماعي المتمثل في فهم ما يجري ويُعتمل اجتماعياً ومجتمعياً، جراء انتشار وباء كورونا، لكن لا ينبغي على ذلك أنْ يُسقطنا في سوسيولوجيا الجاهز والطارئ والمستعجل. ومن ثمّ رمي السوسيولوجيا في مستعجلات كورونا، فتصبح السوسيولوجيا، نتيجة لذلك في قبضة كورونا عوض أنْ تصير كورونا في قبضة السوسيولوجيا. فتغدو السوسيولوجيا، بمثابة سوسيولوجيا للمستعجلات، سوسيولوجيا مُتهافتة.
كاتب مغربي