رواء النجار تتفقد ورودها داخل دفيئة زراعية
خان يونس – الأناضول: لم تجد الشابة الفلسطينية رواء النجار، عملا في مجال تخصصها الأكاديمي. لكنها لم تستسلم، واختارت أن تتحدى واقعها الملغوم بأشواك البطالة، بزراعة الورود وغيرها من الأزهار.
ومنذ تخرج رواء (22 عاما) قبل عامين من كلية للتمريض، لم تعثر على عمل في مجالها، فقررت قلب تخصصها 180 درجة، لتتوجه من العناية بالمرضى إلى العناية بالورود والزهور، من خلال إقامة مشتل لزراعتها.
قرار لم يكن هيّنا في بلدتها الحدودية «بني سهيلا» الواقعة إلى الشرق من مدينة خان يونس، حيث لا تزال الزراعة بأنواعها حكرا على الرجال، أو هكذا يُنظر إليها نظرا لما تتطلبه من جهد بدني.
ومنذ أشهر، تقضي معظم يومها في المشتل البالغة مساحته 100 متر مربع داخل دفيئةٍ زراعيةٍ صغيرة. وهي لا تملك، بل تستأجر، المشتل الذي تزرع فيه أكثر من 20 صنفًا من الزهور والورود .
وداخل المشتل الذي غدا سريعا عالمها الخاص، تتنقل رواء بين نباتاتها يوميًا بعناية فائقة، آملةً أن تُصبح حديقةً جميلةً عما قريب، تتويجًا لمشروع تحلم بأن يخلصها من الواقع الذي يمر به أمثالها في قطاع غزة.
ولم يكُن من السّهل على فتاةٍ العمل في مهنةٍ تعتبر في المجتمع الفلسطيني حكرًا على الرجل لحاجتها لجهدٍ بدني كبير. وتقضي رواء أكثر من 6 ساعات يوميًا داخل تلك الدفيئة الزراعية مرتفعة الحرارة، في ري الزهور والورود، وإزالة الأعشاب والحشائش الضارة، وزراعة بذور وشتلات أصناف جديدة.
وتُمسك رواء بغالون بلاستيكي صغير مُمتلئ بالماء، وتروي به زهورها وورودها، بينها الجوري، والصبار بأنواعه، والبتونيا، والكرتون بألوانه، إلى جانب عرف الديك والأسترا، وزهور النخيل الأصفر والأحمر؛ فيما تسعى لجلب أصناف إضافية لاحقًا.
ورغم أن بيئة المجتمع الفلسطيني لا تتقبل كثيرًا أن ترى المرأة في مكانٍ كالذي اختارته، لكن رواء تعتزم إثبات عكس تلك الصورة النمطية، خصوصا في ظلّ التطور والتقدم الذي أتاح للفتاة الانخراط في سوق العمل في مجالات مختلفة، فيما تستند على تشجيع أهلها لها، ودعمهم لها في الاستمرار في هذا المشروع.
وتختلط يدا رواء بتربةٍ طينيةٍ حمراء خاصة بزراعة الورود والزهور، فيما تتوسط عشرات الأكياس الممتلئة بالتربة والفارغة التي تستعد لتعبئتها في تلك اللحظة، لوضع بذور وشتلات أتت بها للتو، في مسعى لتوسيع الكميات والأنواع المتوفرة لديها، بعد أن أزهر معظمها بألوانٍ زاهية.
وتحدثت في مقابلة، والعرق يتصبب من جبينها لشدة الحرارة داخل دفيئتها، عن مشروعها وبداياته وعن كل ما يحف به من إشكالات وآمال أيضا.
وقالت ان الحكاية بدأت حين عثرت بالصدفة في يوليو/ تموز الماضي على رابط لـ»مؤسسة إنقاذ المستقبل الشبابي» غير الحكومية، على «فيسبوك»، حول التسجيل للراغبين بفكرة مشروع بيئي زراعي.
لم تتردد رواء، وسجّلت مشروع مشتل ورود وزهور، ومعها الآلاف من الخريجين ممن سجلوا بدورهم لمشاريع مختلفة، قبل أن يتم قبول حوالي 50 شخصا من الجنسين.
وتضيف «بعد شهر وصلني قبول لمشروعي، وتلقيت دورةً تدريبيةً، للتعرف على الأساسيات في الزراعة، وكيفية زراعة الورود والزهور والتعامل معها. ومكثت حوالي شهرين أجري دراسة جدوى، وتفاصيل المشروع الدقيقة، والتجول في المشاتل للتعرف على أنواع وأسماء النباتات اللازمة وأسعارها وطرق زراعتها».
وفي ما يتعلق بالتمويل، قالت ان «قيمة المنحة المالية المقدمة للمشروع من المؤسسة بلغت حوالي 4 آلاف يورو، تلقيت النصف منها حتى الآن، وقمت باستئجار الأرض، وشراء الدفيئة والزهور والمعدات التي أحتاجها، بكلفة توازي حجم المبلغ الذي تلقيته».
وتخطط الفتاة الفلسطينية لزراعة أشتال الحمضيات في المساحة الفارغة المحيطة بالدفيئة، وأعشاب توابل خضراء في شهر رمضان المقبل.
وحول مقاربتها في التعامل مع إمكانياتها المالية، قالت أنها تركز على شراء بذور الزهور والورود من الأصناف منخفضة الثمن والرائجة بين الناس، بما يتناسب مع المبلغ المتوفر لديها، ويسهل عليها الترويج والبيع بربح معقول.
وبخصوص التسويق، لفتت رواء إلى أنها تستغل صفحتها الشخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما ستدشّن صفحات أخرى لنفس الغرض.
مشروع بسيط، لكنه يحمل في طياته كل أحلام رواء، بل هي تحمّله كل آمالها بغد أفضل.
ويوميا، تباشر عملها من الساعة الثامنة أو التاسعة صباحًا حتى الرابعة بعد الظهر، وتمضي ما بينهما في الاعتناء بمشتلها، فيما تستعد وفق تقديرها للبيع بعد نحو شهر من الآن. وحاليا، تعكف على وضع ديكور خشبي يحيط بالدفيئة وآخر يتوسطها، لوضع قوارير الورد فيه بشكلٍ يشد الانتباه، ويضفي جمالاً على المكان.
ومع أن رواء تعمل لوحدها دون مساعدة أحد، غير أنها تصر على مواصلة جهدها حتى تحقق نجاحًا تتمناه وتسعى له، مشيرة أن المؤسسة الممولة للمشروع ستشرف وستتابع بين فترة وأخرى عملها، لتطويره وتزويده بأي شيء ينقصه، حتى بلوغ ثلاث سنوات.
وبعد هذه المدة، تكمل رواء العمل في مشتلها دون مرافقة من المؤسسة، لتستكمل لوحدها مشوارها وحلمها.