شاة لا يُسمح لها بالخروج من القطيع

حجم الخط
0

كانت أول مرة دخلت فيها لأرى صور خالي المغترب منذ أكثر من ثلاث سنوات، التي بعثها لي على ايميلي برابط يوصلني الى الفيس بوك، الذي طلب أن أسجل فيه حتى أرى الصور، وكعادة العرب في حسن الظن نوفر معلوماتنا الشخصية، ما لم نكن ننتحل شخصية أو اسما مستعارا، التي نوفرها للمواقع الأخرى والاحصائيات والعرائض الالكترونية والمنتديات حتى أصبحت أوراقنا الشخصية أكثر من مكشوفة لمن يود أن يعرف عنا بحق أو بغير حق! وانقطعت عن الفيس بوك بعد تلك المرة لكثرة ما سمعته عن سلبياته التي قيل فيها ما يقال عن معظم المواقع الأخرى ومحركات البحث من كونه موقعا استخباراتيا. ولكن دخول الحمام ليس مثل خروجه! فقد بدأ الأصدقاء بلومي لماذا تجاهلت دعواتهم لي على الفيس بوك وأنا لا أعرف الطبخة! فكان لا بد من الدخول مرة أخرى وإظهار اللياقة وإضافة الاصدقاء وأصدقاء الأصدقاء وكل من يعرفني ولا أعرفه، وهو في البداية لا ريب شعور جميل بالأهمية، فكلما زاد عدد أصدقائك زادت شعبيتك، وهي فرصة للتعارف وتوثيق العلاقات، وكان هذا الطعم الذي جر القدم كالذي يجرب المخدر لأول مرة اما أن يهرب وينفذ بجلده، واما أن ينتشي ويعود أكثر طلبا وحرصا وشراهة! لا يعرف جاذبية أن تعرف أخبار أهلك وأصدقائك على امتداد الكرة الأرضية وترى صورهم وتجلس الى أصحابك كما لو كانوا أمامك على مدى الأربع والعشرين ساعة، الا من ذاق حلاوة هذا الأمر، وقد حل اللقاء عبر الفيس بوك والكتابة من خلاله محل الرسالة الورقية والمكالمة الهاتفية والرسائل النصية والزيارات وأصبحنا نصبح ونمسي ونهنئ ونعزي ونغضب ونفرح ونمارس نشاطنا الفكري والدعوي والثوري والإبداعي عبر الفيس بوك، وبدل أن تنفتح العوالم من حولنا أصبحت تضيق وتحتل وسطا الكترونيا افتراضيا قد يتملكك الى درجة الإدمان والهوس، وبدل أن تزداد مشاعرنا انتقلت الينا برودة الثقافات الأخرى، وأصبحت الرسالة على الفيس بوك تقوم مقام البسمة الصادقة واليد الممتدة والكتف الحانية وحتى هذه صنعوا لها أشكالا لتعبر عن الحالات النفسية للبشر في السعادة والحزن! نحن مجتمعات استهلاكية من الدرجة الأولى لا ندقق في مكان الصنع ولا المكونات ولا الصلاحية أو طريقة الاستعمال، وكي نداري خيبتنا وجهلنا في ميدان الانتاج نستشهد بالحديث الضعيف ‘الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها’، ونسارع لإعطاء المنتجات وجها عربيا بإضافات وتعديلات هنا وهناك، ولكن ماذا تستطيع الماشطة أن تفعل بالوجه العكر؟ ماذا عن إيماننا بأن الله طيب لا يقبل الا طيبا، وأن الكلمة الخبيثة من شجرة خبيثة لا يمكن أن تزهر وردا أو تعطي ثمرا يكون فيه منفعة العرب والمسلمين؟ من من العرب المعجبين بالفيس بوك يعرف كيف خرجت فكرته الى الدنيا التي بدأت بثأر شاب من جامعة هارفرد هو مارك زوكربيرغ، أمريكي يهودي، من فتاة اسمها اريكا البرايت رفضت مصاحبته لهوسه بالانضمام الى نوادي المتميزين والنخبة في الجامعة، فقرر معاقبتها بنشر معلومات خاطئة عنها في مدونته، ثم قرر الانتقام من جميع الفتيات في الجامعة فدخل بالقرصنة الى قاعدة بيانات الجامعة وحمل صور الفتيات وبعثها لجميع طلاب الجامعة على شكل مسابقة لاختيار الصورة الأجمل، وكانت هذه بداية الفيس بوك الذي أصبح أشهر شبكة اتصال اجتماعي، اذ يضم 500 مليون مشترك في أكثر من 210 دول باستثناء سورية وباكستان وكوريا الشمالية والصين، والمستغرب أن الصين، وهي التنين الاقتصادي المهول تمنع مواطنيها من الفيس بوك، الذي يعرف أيضا في أوساط العمل بأكثر المواقع مضيعة للوقت، لذا يتم حجبه في كثير من الشركات. ومؤخرا صدر فيلم (الشكبة الاجتماعية) الذي يروي قصة زوكربيرغ وأصدقائه، وغالبيتهم من اليهود، والمعارك التي حصلت بينهم وحولت أصدقاء الأمس الى أعداء اليوم بعد نجاح الفيس بوك وانتشاره، وأبشع وأغرب ما في الفيلم أنه يبين مستوى طلبة جامعة هارفرد، وهي من أعرق وأقدم الجامعات عالميا، المنحط أخلاقيا لدرجة الغثيان لدرجة تجعل المشاهد يستغرب كيف يمكن أن تصدر عنهم هذه الأفكار والنجاحات؟ أم هل المجتمع الأمريكي مجتمع نخبوي يقوم على ظهور القلة وتعب البعض بينما الباقون حثالة لا خير فيهم؟ والفيلم يذكر أن نقاشات فكرة الفيس بوك والعمل عليه كانت بين أصدقاء من الأخوية اليهودية، وهذا يجعلنا نتساءل ماذا أنتجت الأخوية والقومية والوحدة العربية والاسلامية، وهل استطاعت الجامعة العربية أن تقلل من فرقة العرب وتشرذمهم؟ لماذا عندما يشرق نجم في السماء العربية كموقع مكتوب نسارع بعرضه في سوق النخاسة لنقف دائما تحت المظلة الغربية التي لا تسمح لنا بالصدارة أو الريادة أو حتى الانتشار والتجذر في دولنا، ونحن نقبل بذلك مقابل بضعة ملايين لا تعني شيئا في سوق العالم الالكتروني! ماذا عن المنافسة والانضمام للسباق العالمي في هذا الميدان أم أن هذا بعيد عن منطقنا؟ فكل شيء في بلادنا خاضع للبيع والشراء كالعقل والذمة والكرامة وأمام الدولار الأخضر لا تصمد الشجاعة ولا ينفع الالتزام! والنساء العربيات يغزين الفيس بوك يشعر المرء بالاشمئزاز عند سماع ادواردو سافرين، وهو برازيلي يهودي، وشريك في تأسيس الفيس بوك يقول لزوكربيرغ: أتعلم أنا أحب النساء الآسيويات فهن جميلات ومشتعلات ورائعات في العلاقات وهن لسن يهوديات! هكذا بصريح العبارة يا ترى هل انتقل منطقه هذا في الحياة ووجهة نظره في النساء وفكرة الأغيار أو الجوييم بأن كل ما هو غير يهودي مستباح ولا حرمة له الى الفيس بوك الذي يعج بصورنا وحكايانا وتفاصيل حياتنا؟ لقد حقق زوكربيرغ حلمه بالانضمام الى النوادي المتميزة، وأصبح من الشخصيات المؤثرة حول العالم، ففي أي النوادي دخلنا نحن العرب؟ وأي بيت طاعة يحوينا، وأي قدم تدوس على رؤوسنا، وأي عصى تسوقنا وراءها كالقطيع؟ ماذا عن المواقع والمجموعات والصفحات التي يعج بها الفيس بوك والتي تنال من الاسلام والعرب وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقضايانا؟ لماذا لم نقاطع الفيس بوك كما قاطعنا الدنمارك عندما نشرت الرسوم المسيئة؟ أم أننا نعاني من الانفصام ولا نستطيع الحكم على الأشياء المتشابهة بنفس الميزان؟ هذه قصة النشأة والقائمين على الفيس بوك وأهدافه فهل وجدنا كمستخدمين أنفسنا في أي منها حتى نتمسك بالفيس بوك؟ لكل هذه الأسباب فكرت بالخروج من الفيس بوك، ولكن الفيس بوك لا يسمح لي بذلك، فخياراته تسمح فقط بإيقاف النشاط، ويمكن للمشترك أن يعود في أي وقت وصفحته في انتظاره كما تركها، وهذه ليست خطوة بريئة لمصلحة المشترك، بل للحفاظ عليه ضمن احصائية المستخدمين للموقع الذين ربما غابوا لسبب ما ومن المتوقع عودتهم، وهذا يزيد في احصائيات شعبية الموقع وإيراداته من الإعلانات، سياسة الباب المفتوح من جهة واحدة هذه تذكر بسياسة المحافل الماسونية التي لا يخرج منها الداخل الا لقبره! نفست حنقي من الفيس بوك في ابنتي التي أرادت أن أفتح لها صفحة على الفيس بوك للعب بالمزرعة Farm Ville ولم أفعل والقيت عليها خطبة عصماء مستخدمة ما أعرف من وسائل البرمجة اللغوية العصبية بأن عليها أن تفكر وتدرس جاهدة لتخترع شيئا يفيد العرب والمسلمين، فكان جوابها بسؤالها البريء أن ماذا تستطيع أن تفعل وهي طفلة؟ نفس منطق العجز الذي كنت أرد به على أمي فتقول لي ‘كلمة ما بعرف بتريح’! لماذا يا ترى نفكر نحن العرب بالموانع والعوائق دائما حتى نقلنا ذلك لأطفالنا؟ لماذا لم يفكر زوكربيرغ وأصدقاؤه بمثل هذا المنطق من عوائق العمر والمال والرعاية الموجود والمفقود مما نفكر به نحن العرب، ولو فكروا بطريقتنا هل كان سيخرج الفيس بوك الى الوجود؟ وهل كانت أمريكا ستبقى أمريكا؟ يجب أن نساير روح العصر والشباب هذا ما سيقوله المعترضون، ولكن نظرة صادقة الى أحوالنا ستجدنا نكثر التنازلات باسم التواصل مع الشباب وهم يزدادون عنا بعدا، ولا يبدو أننا في أي مرحلة قادمة سيُسمح لنا بإدراك روح العصر! إن خروجي من الفيس بوك لن يقيم الدين في مالطا كما قد يقول المثبطون، فما اهمية شخص واحد من 500 مليون شخص؟ أو على رأي اخواننا المصريين (على بال مين يللي بترقص في العتمة) ولكن حجرا واحدا في بركة آسنة من الخضوع والتبعية وفقدان الهوية ربما يحرك الركود. سأفتقد التواصل الدائم مع الأهل والأصدقاء ولكن تبقى الطرق الأخرى أقل كلفة من كرامتنا، وصلة الرحم وحفظ ود الصداقة طريق باتجاهين يحتاج الى خطوات من الطرفين للالتقاء في منتصف الطريق بمكالمة تسمعك صوتا حيا يشتاق أو يحتاج لك، أو يد تقرع باب بيتك لإنسان يحبك ويحترمك، فلنساعد بعضنا على البر حتى تبقى المودة حرارة تنبض بها القلوب، لا رموزا والكترونات واشعاعات وموجات يحملها الفضاء الى حيث قد تجد صدى أو تضيع عبثا في الهواء.

د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية