تسفي بارئيل
الشاي، القهوة، الذرة، الساندويشات والمشروبات الخفيفة هي الان الفرع الاقتصادي الاكثر جدوى في القاهرة. هذه هي الساعة الجميلة لعشرات الباعة المتجولين الذين يملأون ميدان التحرير ببساطتهم ويعرضون بضائعهم على مئات الاف المتظاهرين، الذين احتشدوا من كل أرجاء الدولة كي يغيروا وجهها. ‘في اليوم العادي أكسب ما لا يقل عن 50 جنيها. أما الان، فالحمد لله الرزق كثير’، قال أحد الباعة المتجولين لمراسلة ‘ايجبت جزيت’. في الايام العادية، حين لا تكون مظاهرات، 50 جنيها مصريا هي نحو 10 في المئة من الدخل المتوسط لذاك البائع المتجول، غير أن الجنيه المصري الذي يتحدث عنه لم يعد ذات الجنيه الذي كان ما قبل الثورة. فهو يباع بأكثر من 6 جنيهات للدولار أكثر من 10 في المئة أقل من قيمته السابقة. إذ أنه كلما كسب الباعة المتجولون في الميدان أكثر، فان الاقتصاد المصري يتقدم أكثر فأكثر نحو شفا الانهيار.
رئيس الوزراء المصري الجديد القديم، كمال الجنزوري الذي عينه في منصبه الاسبوع الماضي المجلس العسكري الاعلى، يعتبر رجل ادارة كفؤا واقتصاديا (شهادة الدكتوراه في الاقتصاد نالها من جامعة ميشغان) حرص على مصلحة قليلي الدخل في مصر. في فترة ولايته السابقة (قبل نحو عشر سنوات) نجح في تطوير مشاريع اقتصادية مهمة، بما فيها حملة الخصخصة التي انتهجت في حينه. ولكن في العرض الاخير اختفى تماما عن الساحة العامة، وفي عمر 78 سيتعين عليه أن يتصدى قبل كل شيء لمسائل دستورية، الاعداد للانتخابات وبالاساس لتشكيل حكومته المؤقتة. فهل يمكن أن يتصدى ايضا للوضع الصعب في مصر، ويعد خطة اقتصادية مناسبة عندما تكون صلاحياته مؤقتة ومحدودة؟
صندوق العملة الاجنبية في مصر آخذ في النفاد. فاذا كان في بداية 2011 يقدر احتياطي العملة الصعبة بنحو 36 مليار دولار، ففي تشرين الاول/اكتوبر هبطت الى 22 مليار دولار، وليس واضحا من اين سيمتلئ. السياح اختفوا تقريبا، والاستثمارات الاجنبية الجديدة لا تأتي، والانتاج المحلي تعرض لضربة قاضية بسبب عدم الاستقرار. هكذا، مثلا، قل انتاج الحديد والفولاذ بنحو 40 في المئة منذ كانون الثاني/يناير، وذلك لان مشاريع جديدة مثل بناء مصافي بترول بحجم 4 مليارات دولار، وبشكل عام البناء والصناعة تجمد. وكلاء العقارات المصريون رووا لصحيفة ‘الشروق’ بانه لا يوجد مشترون للمنازل الجديدة. وبدلا من ذلك يفضل الازواج الشباب استئجار الشقق. ورغم ذلك يمتنع أصحاب المنازل والمقاولون عن تخفيض اسعار الشقق التي ينوون بيعها، على أمل أن تتغير السوق بعد الانتخابات.
في هذه الاثناء سجلت حركة هجرة بالذات من الاحياء الجديدة التي في ضواحي القاهرة، والتي كانت حتى الثورة مناطق سكن مفضلة. والسبب هو أن هذه الاحياء بقيت من دون حماية شرطية، وذلك لان معظم قوات الامن في القاهرة تحتشد في مركز المدينة وفي محيط ميدان التحرير، الواقع الذي يسمح لعصابات الزعران والكاسرين والخالعين بالعمل بحرية في الاحياء الجديدة.
انعدام الامن يخيف، مثلما هو الحال دوما، المستثمرين الاجانب في البورصة ايضا، الذين سحبوا مؤخرا ايداعات بحجم مفزع وأدوا بذلك الى أنه في الشهر الاخير فقط فقدت البورصة نحو ثمانية مليارات دولار. مصر، التي تعيش عجزا في الميزانية بنحو 8 في المئة بالنسبة للانتاج المحلي، ستجد صعوبة أكثر ليس فقط في اقامة مشاريع جديدة بعد اغلاق اكثر من الف مصنع صغير ومتوسط في الاشهر الاخيرة من شأنها ان تتعرض في غضون وقت قصير الى ‘مظاهرات المليون’ لمعوزي العمل والتي ستحل محل مظاهرات محبي الديمقراطية. في الاسبوع الماضي، فهم رؤوساء مؤسسات التمويل والبنوك العربية ايضا ان الثورات الشعبية قد تدفع نحو أزمة اقتصادية عميقة، ليس فقط في الدول التي تجري فيها، بل وفي كل المنطقة. في اجتماع لرؤساء البنوك العربية المهمة، عقد يوم الخميس الماضي في بيروت، حذر جوزيف طربيه، رئيس الاتحاد الدولي للبنوك العربية من انه ‘اذا استمرت الازمة في المنطقة فان الربيع العربي سيصبح شتاء اقتصاديا قارسا’. ولاثبات توقعه القاتم روى بان حجم الاستثمارات الاجنبية في المنطقة كلها هبط بنحو 83 في المئة، من أكثر من 20 مليار دولار الى اقل من 5 مليارات، وان النمو المتوقع في مصر، حسب معطيات البنك الدولي، لن يزيد عن 1.2 في المئة مقابل النمو في فترة مبارك والذي بلغ نحو 5.5 في المئة في السنة في ولايته الاخيرة. وبالتالي فان الثورات اذا ما اضيف الى هذه المعطيات ايضا المصاعب الاقتصادية في تونس، اليمن، سورية وليبيا من شأنها أن تؤدي الى انهيار البنوك في المنطقة. في ضوء هذه التوقعات القاتمة، اقترح طربيه أن تقيم المؤسسات المالية الخاصة صندوق طوارئ لدعم الدول الثورية. الاقتراح مهم وحيوي، ولكن المسألة هي أي بنوك ستوافق على المشاركة في مثل هذا الصندوق. فهل هي البنوك اللبنانية، التي تعيش الان ايضا أزمة خطيرة بسبب الاحداث في سورية؟ هل هي بنوك دول الخليج، التي تفضل القاء عبء المساعدة على حكوماتها؟ على مساعدة البنوك الاوروبية، من الصعب على أي حال الاعتماد، أما الادارة الامريكية فتنتظر أي نظام سيقوم في مصر.
إلى أن يقام مثل هذا الصندوق، هذا اذا قام اصلا، تجتهد مصر لنيل مساعدة عاجلة سواء من صندوق النقد الدولي أم من حكومات عربية، في الوقت نفسه قرر البنك المركزي أن يرفع الاسبوع الماضي معدل الفائدة على الودائع الى 9.25 في المئة والفائدة على القروض الى 10.25 في المئة وذلك في محاولة لان يمنع قليلا التضخم المالي الذي يزيد عن 8 في المئة. يبدو أنه في هذه الاثناء الباعة المتجولون في ميدان التحرير هم الذين سيواصلون إعالة الاقتصاد المصري. هآرتس 29/11/2011