شارلو مر من هنا: على هامش انعقاد الدورة 15 لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة

حجم الخط
0

خريبكة من ادريس حافظ المطلبي: في الحديث عن السينما كخلطة سحرية توائم بين الفن والتقنية لا بد أن تستنفر كل معارفك لتفكيك وخلخلة عدة مفاهيم لإدراك مفهوم واحد قد يحيلك على المعنى المرغوب، ومادامت السينما مجرد شاشة تعرض صورا متحركة وفق منظور تقني معين لابد أن تتساءل عمن رواء هذا الاختراع العجيب الذي مازال عالما ساحرا مثيرا لكل من عرفه وخبره عن قرب.. أحيانا كثيرة يتصور البعض أن السينما مجرد صور متعاقبة ومتوالية في الزمن تعرض على شاشة بيضاء وينتهي الأمر… وليس ترسانة من الأفكار والتخطيط المسبق والتدبير المحكم والإبداع الخلاق وطاقات بشرية مؤهلة والمال الوفير.. لكي نوصل خطابا لجهة معلومة أو مجهولة أو لرصد ظاهرة أو إعادة تناول حدث ما أو إعادة تشكيل معالم تكون قد اختفت منذ حين… مهما حاولنا رصد العوامل المشكلة للسينما لن نستطيع أن نحيط بكل عوالمها وغاياتها.. اعتبارا لتداخلها.. ولكن ليس مستحيلا إذا ما قبلنا التحدي وراهنا على تشريح وظائفها والجدوى من وجودها.. وإذا كانت السينما فعلا جماهيريا في الأساس لأنها خلقت من ولأجل من يشاهد لابد لها من سوق للترويج: فضاءات / قاعات / مهرجانات / جمهور / أسواق للترويج../ متابعات.

فأن تتحدث عن تظاهرة بحجم مهرجان مدينة خريبكة السينمائي بشكل يقترب من الموضوعية وبمنأى عن كل أنانية فذلك من قبيل الكلام عن شيء تعرفه بكل تفاصيله- ألم يقولوا أن الشيطان يكمن في التفاصيل.. ولكنه هذه المرة شيطان مؤمن بالسينما كأداة في إرشاد الضال نحو هدف فني أسمى ومعرفة بعوالم أخرى -… قوته / ضعفه.. دون الإيغال في مكامن الجرح…. ستكون مياه كثيرة قد مرت تحت جسر الحب والوله والعلاقة بين الذات والمهرجان لتصل إلى جلد الذات اعترافا وبوحا جميلا… أليس للمهرجان أفضال كثيرة على كثير من الناس؟ أليس المهرجان نقطة ضوء نرى من خلالها ذواتنا والآخر في تمازج عجيب: جنوب جنوب.. من خلال مناقشات تجمع المخرج السينغالي بالممثل المغربي بحضور الناقد التونسي والكاتب المصري والشغوف بالفن السابع في لحظة امتزاج تكون اللغة رسولها وكرم الضيافة عنوانها وتلاقح التجارب هدفها الأسمى؟

؟ أليس المهرجان نقطة التقاء قلة من جمعويين آمنوا أنه مناسبة لبسط خبراتهم في التسيير والتدبير من خلال تواجدهم في لجانه الوظيفية التي غالبا ما يتبثون للآخر أن المدينة تتوفر على طاقات خبيئة تحتاج إلى صقل وإلى من يزيل عنها غبار التهميش؟

؟ ولنا في تجارب النشرات اليومية للمهرجان خير دليل.. أليس المهرجان موسما لبعث دينامية ولو محدودة في الزمن في الدورة الاقتصادية للمدينة وبنياتها وبعض مقاولاتها وأناسها من خلال ما يبقى بالمدينة من رصيد مالي؟

؟ أليس المهرجان سوقا للأفلام الإفريقية التي تبقى شاشات خريبكة الوحيدة إلى جانب شاشات قليلة ونادرة عبر العالم تتكفل بعرضها لاعتبارات غير تجارية…. أوليس المهرجان فضاء للترفيه وممارسة الشغب الجميل والتمتع بفرجة قلما نجد نظيرها في أماكن اخرى.

فكرونولوجيا يكون مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة قد سلخ 35 سنة من عمره بكل آلامها وآمالها وبكل إحباطاتها ونجاحاتها وبكل نشوة في اقتبال أسماء لامعة ونجوم ساطعة قد لا يعرفها البعض لأنها أسماء غير رائجة عالميا ولكن إبداعيا وسينمائيا تشكل استثناء سينمائيا… ولكن الإعلام ظل يواريها عن أنظار عشاق الفرجة إلى حين لأسباب واعتبارات غير معلومة… على الأقل خلال تغطياته / تعرياته السريعة للمهرجان. قد تكون سنة 1977 نقطة انطلاق للمهرجان في شكله الجنيني ولكن الفكرة الحارقة ستكون قد نضجت في عقول البعض واختمرت في أذهانهم قبل ذلك… ولكن لابد من تاريخ ميلاد معلوم لمخلوق معلوم في الزمن والمكان.. واللوجيستيك المعلوم أيضا.. هي ضربة حظ أو خفقة قلب إذن أن يكون لخريبكة العمالية وفي سبعينيات القرن الماضي بكل ماكانت تمور به الساحة الدولية آنذاك من أحداث حارقة أيضا ومخاض وتحولات وصراعات… ملتقى للسينما تستطيع من خلاله أن تطل على عالم آخر وأن تتصالح مع جنوب القارة ولو من باب الفن وتعيد ربط الصلة التاريخية ولو بإحياء قوافل أخرى لن تحمل بالضرورة ملحا أو ذهبا ولكن بكارات تسجل هموم الشعوب وتطلعاتها للتحرر.. قوافل موسومة بأسماء نحتت أسماءها في عالم الفن السابع بحرفية نادرة من عيار أوسمان سامبين والطاهر شريعة وصلاح توفيق وأنيت مباي فريد بوغدير كاستون كابوري سليمان سيسي وغيرهم كثير كثير.. ألم تكن خريبكة مدينة السينما بامتياز في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي ألم يكن أحد الإغريقيين ويدعى HIRACLIDES Dimitri(LES HELLENES DU MAROC) هو مسير سينما بلاص palace وبعده المغربي الملقب بشارلو- تأملوا اللقب المتماهي مع عراب السينما الصامتة شارلي شابلن.. ولو على مستوى الذاكرة الشعبية.. إلى جانب تواجد سينما أخرى تحت اسم colis’e بخريبكة وسط المدينة… هي إذن رائحة العقل وقوة المنطق طافت بأرض ورديغة منذ القدم.. فمن يحاول الآن أن يطمس رائحة العقل بعد لأي من الزمن؟ ثم قاعات لوكس وميتيور و(الأفراح) م.

ش.

ف ومولاي يوسف مع التنويه أنه كان بالإمكان لو سارت الأمور كما سطرأنذاك ولو توافرت الإرادة والتتبع.. أن يكون للمدينة اليوم مركبا سينمائيا بمواصفات معلومة(المركز الإفريقي للثقافة والسينما) سبق وأن أعلن عنه أكثر من مرة وسبق أن وضع حجره الأساسي أكثر من مرة من طرف مسؤولين حكوميين بارزين (حجر أساسي قرب سوق المغطاة بحي الحبوب وحجر أساسي قرب المركب الثقافي بالغابة المخزنية).. خلال أواسط تسعينيات القرن الماضي/ 1994 ولكن النوايا الحسنة دائما تبلط الطريق نحو جهنم.. قد تختلف أسباب اللا إنجاز ولكن حرقة/ لعنة النسيان/ التذكر تطارد كل عاشق للفن السابع إلى حدود اللحظة؟.. فرغم قلة الإنتاج أنذاك ظل الملتقى يحافظ على انتظامية إقامته بفعل هيمنة الهاجس النضالي/ الثقافي آنذاك لتتوالى الدورات ولو أن تيرمومتره كان يتأرجح بين النجاح المتوسط والإخفاق الوشيك أمام قلة الإمكانيات وقلة الإيمان بجدوائية مهرجان للسينما في مدينة قدرها إخراج التراب وكفى وليس التطلع نحو شاشة محرضة.. شاشة تجعل العالم ملك طرفك لتقارن بين ماهو كائن وماينبغي أن يكون وألا يكون.. ومع ذلك تنتصر إرادة البقاء على مكر التاريخ لفائدة المهرجان الذي استطاع أن يتغلغل في قلوب عشاقه وأن ينفذ إلى جيوب بعض الداعمين عن طواعية لضمان بقائه إلى حين…. إلى حين استكمال الترسانة القانونية والحصول على أوراقه التبوثية لإبراء ذمته في الوجود ونحت اسمه بين مهرجانات مماثلة: من ملتقى إلى مهرجان إلى جمعية إلى مؤسسة… وبالموازات خلق تراكما كميا ورصيدا وثائقيا استطاع بواسطته أن يفرض وجوده على الساحة الوطنية والدولية.. ويحاول كل سنة أن يتجاوز بعض الهنات التنظيمية الناتجة أساسا عن قلة البنيات التحتية الموازية لإقامة مهرجان إفريقي في حجم مهرجان خريبكة – ونوعية ضيوفه وكذا رصيد مالي مناسب لتغطية كل مصاريفه الضرورية – مناسب / مماثل لمهرجانات وملتقيات مشابهة.. وهذا ما يعكسه جدول الداعمين الأوفياء الذي ظل يتأرجح بين قلة قليلة من الجهات العمومية والتي ظلت تضخ مبالغ مهمة في ميزانية المهرجان المنهكة أصلا لكي يواجه بعض أعبائه التنظيمية القليلة: الإقامة /التغذية / النقل /الجوائز /الحوافز / ونزر قليل من مستشهرين يبدون في غالب الأحيان كومضات خاطفة ويتغيرون مع كل دورة حسب الأمزجة ونوعية العلاقة التي تربطهم بالمهرجان وبالأشخاص؟

وبعد أن تخطى المهرجان كبوات التواجد في أحايين كثيرة بمعجزات تفلته من الوأد والإجهاض بفضل مبادرات ونوايا حسنة… وبعد 35 سنة من الوجود والتواجد هل من قيمة إضافية للمهرجان على الخريطة السينمائية الوطنية والدولية؟

؟ وخاصة الجانب المتعلق بالتسيير الذاتي وعلاقات التوأمة والإنتاج المشترك أي مامدى تحويل الأهداف المعلنة والتي تظل طوباوية إلى أجل غير مسمى؟

؟ ؟ وجعلها مقياسا لنجاح أو فشل المهرجان ومن خلاله المؤسسة في جعل أهدافها والتي أحدثت من أجلها قاطرة تجر المهرجان وتحقق أحلامه في النهوض بالسينما بشكل عام: إنتاج افلام/ إحداث ستوديوهات تصوير / خلق شعب/ مسالك خاصة للتكوين في المهن السينمائية بشراكة مع مراكز التكوين المهني وغيرها من المصالح الأخرى ذات الصلة./التفكير في حيازة ماتبقى من قاعات سينمائية مهددة بالهدم والزحف العقاري: قيساريات… إنشاء معهد للسينما بالمدينة لتكوين جيل متعلم وملم بالسينما يعهد بإنشائه لمجمع الشريف للفوسفاط بشراكة مع فاعلين آخرين… تخصيص قاعة سينما تعرض الأفلام الإفريقية لاغير.. محاولة إحداث متحف بالمتعلقات الإفريقية وخاصة الأفلام والأزياء و.. بعث دينامية جديدة من خلال سياحة سينمائية.. التفكير في جمع خلاصات وتوصيات الندوات الفكرية التي تنظم كل دورة – اعتبارا لجدة وجودة مواضيعها المطروقة والأسماء التي شكلت مداخلاتها استثناء فكريا في المواضيع ذات الصلة بالسينما منذ 1977: ندوات: السينما بالمغرب/السينما الإفريقية /الأندية السينمائية /السينما والهجرة /مهرجان قرطاج /الكات والاستثناء الثقافي: ريجيس دوبري / السينما والتربية / حياة وموت الصورة / السينما والهجرة هنا وهناك الرؤية الحديثة والرؤية الجمالية /الصورة والثقافات المحلية الإفريقية / القرصنة في السينما / السينما بإفريقيا تعاون جنوب جنوب /آفاق السينما بإفريقيا إلى جانب الكم الهائل من ثمرات المطابع التي أبدع في كتابتها أسماء وازنة على ساحة النقد الفني بالمغرب… التفكير في جمعها وإخراجها في كتيب ينتفع به ويكون بمثابة دليل للباحثين من الطلبة وغيرهم.. حتى لايظل المهرجان مجرد أيام عابرة في شهر عابر في سنة عابرة: لقاء فكلام فافتراق وتواعد على لقاء… المهرجان يجب أن يتحول إلى سوق فني لتسويق نفسه أولا على المستوى الإعلامي وتسويق صورة المدينة النمطية: قاطرات التراب وأشياء أخرى… على المهرجان أن يسهم بعد أن تعدى سن الرشد القانوني والفني بكثير أن يتحول فعلا إلى منارة إفريقية تسهم بواسطة الفن في جلب الاستثمار إلى المدينة والإقليم والجهة.. أليست المؤسسة مكونا ضمن مكونات المجتمع المدني المعول عليه مستقبلا في بعث دينامية في كل مجالات الحياة؟.. ما دام الحديث يروج بكثرة عن دوره في مايسمى بالجهوية الموسعة؟… هل قام المهرجان بدوره الفعلي في رفع مؤشر الديبلوماسية الشعبية بالموازاة مع الجهد الذي تبذله الجهات الرسمية من خلال دعوة الأفارقة الذين يحضرون كل دورة إلى المهرجان في إطار لقاءات مفتوحة مع السكان والفاعلين الجمعويين..- وتحسيسهم بالقضايا المؤرقة المشتركة طبعا وعلى رأسها: القضية الوطنية… قد يقول قائل بأن مربع المهرجان هو السينما وليس السياسة… ولكن أجازف بالجواب للقول من يجرؤ على فصل السينما عن واقعها فهو واهم أو واهم.. هل قام المجتمع المدني كقوة اقتراحية بدوره في تعضيد المؤسسة من خلال إنشاء جمعيات موازية تسانده وتخفف من أعبائه في البحث عن مصار دعم إضافية وتقوم مقامه في التعريف بالمهرجان لدى المصالح والشركات والداعمين والرعاة… ؟ مع محاولة تدبير بعض الاختلافات في الرؤية والمنظور والغايات… بعقلانية يكون فيها الاحتكام لصوت المنطق لا غير… أليس دور السينما هو التعريف والنبش والتحريض وإعادة التشكيل والوصف وصف الظواهر مع إمكانية إعطاء الحلول الممكنة.. لأن الممكن ممكن وغير الممكن غير ممكن والحيلة في ترك الحيل… قد لا يتسع هامش للقول للدخول في ثنايا المهرجان منذ تشكله أول مرة إلى حدود اللحظة بكل التفاصيل الجميلة والوجوه الخيرة التي تشجمت وعثاء السفر لعبور القارات والمدن البعيدة والأفكار النيرة والعناوين الكبرى لندواته وسخونة نقاشاته الليلية وما يتم تحصيله من ورشاته وأفلامه التي تنقلك إلى آخر كوخ بقرية إفريقية بائسة لتشركك هم قد لا تعرفه. والتعب الجميل للحظات الاستعداد المبكر في إعداد برنامج يراعي كل الحساسيات والأجيال والأفكار ليوائم بين فكرة ترى ألا فائدة من انعقاده بدعوى أنه مجرد هدر للجهد والمال وبين فئة تدافع عنه كوليد شرعي للمدينة خرج من صلبها.. ترى أنه الكوة الوحيدة التي تطل منها المدينة على بقية العالم.. ترى لمن ستكون الغلبة في نهاية الشريط هل للخير أم للعدم حتى لانقول الشر؟ أم النهاية ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات في ظل مستجدات الساحة وما تمور به من أحداث في الأفق المنظور؟

ألم يقولوا أن الصورة أبلغ من ألف كلمة للتعبير عن موقف ما ولكن أين الصورة التي تختزل مانود قوله على الأقل في المرحلة الحالية..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية