شارون وتركته هما الحاضر الغائب في المعركة الانتخابية
كديما سيقود اسرائيل نحو التغيير المنشود مع حزب العمل أو من دونهشارون وتركته هما الحاضر الغائب في المعركة الانتخابية المفاجأة التي ينتظرها الجميع حتي اليوم قد حدثت في واقع الأمر. ليست مجرد مفاجأة عادية وانما هزة ارضية. الليكود الذي كان في الحكم طوال 25 عاما موجود في وضع مترد اذا لم نقل انه علي شفا الانهيار. حزب كامل قوامه 14 عضو كنيست واسمه شينوي اختفي وكأن الارض قد انشقت وابتلعته. حزب العمل الذي بدا خلال سنوات طوال ميتا يمشي علي الأقدام نهض حيا يُرزق برئاسة قائد هو الأقل توقعا ليقوم بفتح الأبواب أمام القيادة الشرقية بدلا من أن يقف طالبا الصفح باسم حركة المباي من الشرقيين جميعا.ولكن ما يحول هذا التقلب الي هزة ارضية هو ظهور حزب لم يكن في الحكم في أي وقت من الاوقات، ولم يكن موجودا أبدا مثله مثل قارة جديدة ظهرت فجأة من أعماق المحيطات ملقية بظلال واسعة علي كل الخارطة السياسة. كديما حزب من دون مؤسسات مع بعض الاعضاء غير المعروفين، تحول بين ليلة وضحاها الي حزب الحكم الأكبر في الدولة. ربما يحصل اليوم علي أصوات أقل مما كان يتوقعه، ولكنه سيبقي الحزب المسيطر في كل الاحوال سواء كانت لديه كتلة مانعة في اسوأ الاحوال، أو اذا تحالف مع حزب العمل الجديد في أحسن الاحوال. هذا حزب يهدف الي وضع نهاية للاحتلال وللسيطرة علي شعب آخر. وهي المرة الاولي التي يظهر فيها حزب يعبر بصورة قاطعة عن تطلعات اغلبية الجمهور الطامح الي الوصول الي السكينة والهدوء.في نظرة الي الوراء يمكن القول إنه لم يظهر قائد كبير مهما كان قدره، بمن فيهم دافيد بن غوريون أو مناحيم بيغن، استمر بعد تنحيه في التأثير علي حزبه كما يؤثر ارييل شارون علي الجهاز السياسي بصفته حاضرا ـ غائبا. أنا أجد صعوبة حتي اليوم في نسيان المشاعر المختلطة التي ثارت في نفسي عندما كشف شارون النقاب أمامي في المحادثة التي جرت بيننا في الثالث من شباط (فبراير) 2004، عن خطته لاخلاء مستوطنات قطاع غزة بسكانها الـ 7.500 نسمة والرحيل عن المكان. لم أكن متأكدا اذا كان ذلك مجرد مناورة شارونية كما تعودنا منه، أم أنه انقلاب قيادي حقيقي. الجلبة التي أُثيرت في الليكود بعد نشري لمضمون الخطة حملت في طياتها الرد علي حيرتي: شارون قرر وخطط وأمر ونفذ.في الخامس عشر من ايلول (سبتمبر) الماضي قال في خطاب تاريخي ألقاه بالعبرية من علي منصة الامم المتحدة: حق شعب اسرائيل علي ارضه لا يعني تجاهل حق الآخرين علي تلك الارض. الفلسطينيون سيكونون جيراننا الي الأبد. نحن نحترمهم وليس لدينا أي تطلع للسيطرة عليهم. هم يستحقون نيل الحرية القومية والوجود السيادي في دولة خاصة بهم . هذا كان بالنسبة لشارون بمثابة وعد بلفور للفلسطينيين. شارون لم يترك أدني شك في أنه يسعي الي وضع حد للاحتلال عندما صرح في مركز الليكود عن تأييده لحل الدولتين لشعبين .من هنا ولاحقا، كانت الدوامة السياسية والتراجيديا الشخصية سريعتين جدا. في الواحد والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) انسحب شارون من الليكود وشكل حزبا أطلق عليه اسم كديما. في التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) قررت لجنة الكنيست تقديم موعد الانتخابات، وفي الثامن عشر من كانون الاول (ديسمبر) أصيب شارون بالجلطة الدماغية الاولي، وفي الرابع من كانون الثاني (يناير) من هذه السنة دخل في غيبوبته النهائية. القائم بأعمال رئيس الوزراء أصبح قائدا لكديما وسار في ظل القائد الحاضر الغائب ليتقدم هذا الحزب الصفوف بصفته الحزب الحاكم القادم.ليس صدفة أن تعطي الناس لكديما 44 مقعدا في الاستطلاعات التي تلت اعلان اطباء شارون عن وضعه. هذا العدد يماثل ما حصل عليه مناحيم بيغن إبان السلام مع مصر ورابين إبان اوسلو. 40 هو الرقم الأضخم الذي يوفر للحزب الكتلة الأساسية الحاسمة للقيام بخطوات كبيرة. شارون الذي اجترح الانقلاب اجتاز هذا الطور المذهل مستندا الي 40 نائبا ليكوديا. المتمردون والمتآمرون وعلي رأسهم نتنياهو، وأخيرا الجلطة الدماغية ـ تسببوا جميعا في قطع حبل التواصل هذا، إلا أنهم لم يقطعوا تركة شارون.كل اولئك الذين يقولون أننا سنحدد مصيرنا بأيدينا وأن أحدا لن يُملي علينا ذلك، حالمون بأحلام اليقظة. كل تأخير في السير الي الأمام يتمخض عن مصيبة جديدة. الآن لدينا حماس، فما الذي سيأتينا اذا لم نواصل المبادرات؟ هناك حاجة الي اغلبية قوية للقيام بأعمال كبيرة وشجاعة. اليوم سيقرر الناخب في أية دولة يرغب أن يعيش.يوئيل ماركوسكاتب رئيسي في الصحيفة(هآرتس) 28/3/2006