شاشة الملح

حجم الخط
0

شاشة الملح

الياس خوريشاشة الملحصار من الصعب ان اشاهد نشرات الأخبار علي التلفزيون. لم يسبق ان حصل هذا من قبل. كنا نحسد الامريكيين علي السي. ان. ان. ونقول ان الصورة اتخذت شكل سلاح جديد في الحروب. ثم صار لنا نحن العرب صورتنا. وهنا بدأ سوء تفاهمنا معها. اكتشفنا ان السلاح في حاجة الي من يستخدمه ويضع له اهدافا او تصورات. هل نستخدم السلاح ام نحن في خدمته؟ ولماذا السلاح اذا كنا في تيه تاريخي واستراتيجي ولا ندري الي اين نحن ذاهبون؟هل التلفزيون مرآة. هل اري صورتي وصورة بلادي حين اشاهد الفضائيات العربية، مثقلة بالأخبار ومليئة بالجثث، ومحشوة بالكلام الديني الاصولي؟هل هذا نحن، ام ماذا؟تقول لنا الأخبار من فلسطين الي لبنان الي العراق اننا في الفوضي. اتفرج علي الصور واستمع الي السياسيين الذين صاروا اشبه بمقدمي البرامج التلفزيونية، واشك في نفسي. هل انا جالس في البيت امام الشاشة الصغيرة، ام انني في عراء الموت؟ كيف يحق لي ان اتعود علي اشلائي واتابع حياتي كأن شيئا لم يكن؟ ثم لماذا؟قد اقول ان الحق ليس علي التلفزيون، ماذا يستطيع الصحافي المسكين، الذي عليه ان يملأ ساعات النهار والليل بالأخبار والتعليقات، ان يفعل؟ لا خيار امامه سوي ان يملأ الفراغ بين جثة وجثة، بشيخ يعلمنا اصول الدين، او بامرأة تبشر بالحجاب، او بسياسي لا طموح له سوي ان يظهر علي الشاشة كي يقول اي كلام.ليس المهم ما تقول بل المهم ان تقول. انا اقول او انا اظهر علي الشاشة، اذا انا موجود. هذه هي معادلتنا مع الغياب، نملأ الفراغ بالفراغ، ونمضي الي حياتنا العادية، التي هي مجرد استعداد للعودة في المساء الي هذه الدوامة التي تصنعها مرايا التلفزيون.قلت اننا حسدنا الامريكيين علي السي. ان. ان. يوم شنت حرب عاصفة الصحراء ، ويبدو ان الامريكيين حسدوا انفسهم ايضا، فتأسست شبكة اخبار ثانية هي فوكس. وعندما شاهدنا فوكس ندمنا علي نقدنا للسي. ان. ان. واكتشفنا ان الهاوية اليمينية الرجعية التي تمضي اليها امريكا لا قعر لها. حسدناهم فصار لنا فضائياتنا الاخبارية والترفيهية. الاخبار للاصولية او ما يشبهها، والترفيه لفن الاستعراض الذي لا يميز بين المسرح والكاباريه، وبين الدعارة والحياة الاجتماعية. وفي الحالين تأتي صورتنا من خلال الشاشة وكأنها كولاج من العنصرين. الموت والدم والتبشير من جهة، والكبت الذي يصير بورنوغرافيا تلفزيونية من جهة ثانية.نعود الي السؤال، هل هذا نحن؟كلمة نحن صارت تستفزني، في الماضي القريب، سئمنا من النحن القومية، لكن السأم لا يغير الأمور. بدل ان تستبدل النحن القومية بالأنا الذاتية، مثلما حلم الحداثيون، استبدلت بالنحن الأصولية. وهذا يعني ان النحن لا تزال حاجة عارمة لا تقاوم. لا تستطيع ان تختبئ خلف وهم الذات حين تكون البلاد كلها تحت الدم. ففي مواجهة الموت الجماعي الوحشي لا مهرب من نحن جماعية تجعل الناس قادرين علي تقبل فكرة الموت والتعايش معها. ما يفعله التلفزيون هو تحويل النحن الي واقع افتراضي. وهذا يريح الذات ويجعلها مستعدة لتقبل فكرة ان يموت الآخرون من دون ان يرتب ذلك عليها اي مهمة اخلاقية. اي نكتفي من النحن بالتفرج علي موت النحن من دون ان نشعر بالخطر. المتفرج الخليجي علي حرب اسرائيل علي لبنان لم يكن مطالبا سوي بالتفرج، وبعدها يتابع برنامجا دينيا، ثم يرفه عن نفسه بمشهد مطربة تغني بجسدها لأنها لا تملك صوتا، ثم ينام مرتاح الضمير. وهذا حال المتفرجين في بقية ديار العرب ولا فضل لعربي علي عربي الا في نوع التلفزيون وحجم الشاشة التي يقتنيها.النحن الضائعة هي لعبة الاخبار علي شاشات الملح العربية. وبذا تحققت رؤية عبدالرحمن منيف، ولو علي عكس ما اراد الكاتب. مؤرخ مدن الملح العربية اراد من ملحه ان يكون صيحة انذار واسما لواقع يجب تغييره، لكنها تتحول في زمن النحن الضائعة الي ما يشبه النبوءة، بحيث يصير كل شيء ملحا وخرابا.استقالة النحن الوطنية و/او هزيمتها، تقود العرب الي هذا الخراب في الهوية الجماعية، بحيث تتحول الاخبار شاشات من الملح، غارقة في المال النفطي وفي الاستسلام للديكتاتورية، وباحثة عن ملهاة الدم.كان السؤال خاطئا.قبل ان نسأل عن صورتنا في المرآة او علي شاشة الملح، علينا ان نسأل ارواحنا عن عبور صحراء الموت هذه.مع هذا القرن الجديد يجد العالم العربي ان عليه عبور صحراء الهزيمة من جديد.والسؤال هو عن مقاومة الهزيمة وليس عن صور اشلائنا علي التلفزيون.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية