شاشة للرئيس أم شاشتان؟ ‘بي بي سي’ في عرين الأسد

حجم الخط
0

فلاح آل ياس ‘ وسائل إعلام كثيرة دخل صحفيوها منذ بدء الثورة ليصوروا بالسر بداية، ثم في المناطق التي يسيطر عليها الثوار لاحقا، ومن بينها قناة البي بي سي البريطانية، والسي إن إن الأمريكية، فضلا عن غيرهما من القنوات العربية والأجنبية الأخرى. لكن لم نر أي قناة دخلت عرين الأسد لتوثق بموافقة وزارة الإعلام السورية، سوى قنوات من دول محسوبة على النظام السوري وتتبنى راوية النظام السوري. هذا الكلام بقي كذلك إلى أن جاء يوم الرابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول 2012، حيث بثت قناة البي بي سي عربي فيلما وثائقيا، قالت إنها لم تحصل على الموافقة على تصويره إلا ‘بعد أشهر من المفاوضات بين بي بي سي ووزارة الإعلام السورية’.وهنا لكم أن تتخيلوا الشروط التي فرضتها وزارة ‘البروباغاندا’ السورية للسماح بتصوير الفيلم، وكما يقول المثل السوري: ‘حارتنا ضيقة وبنعرف بعض’.’شاشة للرئيس’، فكرته لمن لم يشاهده، هو فيلم ‘يحاول تسليط الضوء على ما يجري في كواليس الإعلام الرسمي السوري الذي أخذ على عاتقه التصدي للحرب الإعلامية المفترضة’، كما جاء على موقع بي بي سي. والشخصيات الرئيسية في الفيلم كانت عماد سارة، مدير عام قناة الإخبارية الذي عُين فيها بعد عمله في قناة أخرى مملوكة لرجل أعمال له صلات بشقيق الرئيس السوري، وربى الحجلي إحدى أبرز وجوه شاشة الإخبارية، والصحفية يارا صالح التي رافقت جنودا حكوميين خلال عمليات ميدانية، والمصور الإخباري فادي يعقوب، الذي ادعى ويارا بأنهما اختطفا لدى ما أسمياهما بـ ‘العصابات الارهابية’ وأن ‘بواسل الجيش العربي السوري’ قاموا بتحريرهما، لتستفيض يارا في عرض رواية رومانسية عن كيفية تخليص الجنود وحملهم لها.أين ‘القرصة’؟ولو توقفنا عند حادثة الاختطاف هذه، فقد عرض الفيلم لقطات مأخوذة من أرشيف الاخبارية السورية، لكنها كانت منتقاة، ولم يأخذ لقطة ‘القرصة’ الشهيرة التي ظهرت على الهواء على شاشة الإخبارية السورية، والكل شاهد التناقض بين روايتي فادي يعقوب ويارا صالح، وهو ما ينسف ما قالاه. إن تغاضي فيلم ‘شاشة للرئيس’ عن تلك اللقطة يصيب مصداقية الفيلم بمقتل.وهذا الأمر ليس الوحيد الذي يؤخذ على الفيلم، بل هناك ماهو أفدح؛ فالقائمون على الفيلم، ذكروا بأن طرفي الصراع كليهما يواجهان اتهامات بفبركة وقائع وأحداث. ولكن هذا الكلام هو مساواة بين الضحية والجلاد. هل يعقل أن نقارن بين الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون التي تمتلك جيشا من الموظفين والإعلاميين وإمكانيات كبيرة، بجهود شباب يصورون بكاميرات بسيطة وبهواتفهم ثم يرفعون ماصوروه على اليوتيوب ليراه العالم، ناهيك عن استهدافهم منذ بداية الثورة من قبل الجيش النظامي. أليس من مهمة الصحافة أن تعرض أقوال الطرفين ليرى العالم مايجري؟ثم ألا يكفي الإعلام السوري إدانة أنه ينقل وجهة نظر السلطة فقط، غير عابئ بتطلعات الملايين من أبناء الشعب، الذين دفعوا طوال سنوات رواتب العاملين فيه من قوت أطفالهم. ذاك الإعلام، وخاصة التلفزيوني منه، لا يمكن أن يعمل فيه إلا من يقول ‘نعم’، وقاموسه يخلو من كلمة ‘لا’. وبعد عرض الفيلم بأيام قليلة فقط، انضم ثلاثة إعلاميين سوريين بارزين لقائمة الإعلاميين الذي انشقوا عن آلة الدعاية الحكومية، لتختزل إحداهم المشهد بأسره بالقول: مهمة صحافيي النظام في سوريا هي ‘القتل بالكلمة’.فضيحة أخلاقيةلكن الأدهى والرسالة الأقسى التي حاول فيلم ‘شاشة للرئيس’ إيصالها هي ‘أنسنة’ الإعلام السوري. موسيقى ولقطات إنسانية وكمية كبيرة من المشاهد الحميمية – وكثير منها مصطنع وتمثيلي – تضع الفيلم بامتياز في خانة التسويق والترويج لإعلام النظام. الطفلة التي تنتظر أمها التي تعمل مذيعة وحياتها مستهدفة، وعرض فرحة الطفلة بعودة أمها والتركيز على ذلك. أو ليس هناك آلاف وآلاف من الأمهات السوريات اللواتي يعانين من كذب هذه المذيعة ووصفها لأبناء تلك الأمهات بالإرهابيين والمرتزقة والعملاء. كم من معتقل في سجون النظام لا تعلم عنه أمه شي؟ وكم من مُهجَر يعيش في المنفى منذ عقود لرأي سياسي، بينما أمه في الداخل تنتظره؟ وكم من طفل ينتظر أباه الذي قتله رصاص النظام فقط لخروجه بمظاهرة؟ أليس هؤلاء ببشر؟كل الطغاة لديهم ‘غوبلز’حتى هتلر كان لديه قتلى يسميهم شهداء وكان لهؤلاء أقارب يبكونهم؛ وكان لديه مؤيدون وآلة إعلامية جبارة، قادها غوبلز، وضمت فريقا كبيرا من الصحافيين الذين كانوا أيضا بشرا ولديهم أطفال ينتظرونهم، كما هو حال المذيعة في فيلم البي بي سي الذي نحن بصدده.ولكن هل يعد كل هذا مبررا للتعاطف مع هتلر ونظامه؟ أو مع تشاوشيسكو ونظامه؟ أو مع القذافي وكتابه الأخضر؟ أو مع الذين يعملون مع هؤلاء الطغاة؟كان حريا بالفيلم أن يعرض إلى جانب صورة الأم المذيعة التي تحتضن طفلتها، صور أمهات مجازر الحولة والقبير والإعدامات الميدانية في كل بقعة من سوريا.ما سيتكشف بعد سقوط النظام سيذهل العالم، أو بالأحرى الشرفاء في هذا العالم، حين يرون فضائح لا تصدق وطريقة عمل فظيعة وتنسيق مباشر ودائم وسيطرة مطلقة للمخابرات السورية على الإعلام.الأمر المستفز هو أن تنبري وسلية إعلامية من أعرق وسائل الإعلام في العالم لعرض فيلم بهذه الطريقة، وأن توجه أموال دافع الضرائب البريطاني لتلميع صورة إعلام في دولة هي الأخطر على حياة الصحافيين في العالم، وفيها قتل 28 صحفيا في عام 2012 وفقا للجنة حماية الصحافيين، وهذا الرقم لا يشمل الناشطين الإعلاميين السوريين، ويقبع في سجونها صحفيون وناشطون كل جريمتهم كلمة تخالف رأي الحاكم، الذي تسبح بحمده، آناء الليل وأطراف النهار، كل وسائل الإعلام السورية الحكومية منها وشبه الحكومية.فهنيئا للرئيس الذي لم تعد لديه شاشة واحدة، وإنما شاشتان.’ صحفي سوريqmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية