شاعرة حيرى وشاعرها

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

هذه الكلمات مُستلّةٌ من قصيدة جميلة للشاعر العربي السوري سليمان أحمد العيسى (1921-2013) أستعيرها للحديث عن الشاعرة الإنكليزية إليزابيث باريت (1806-1861) التي كانت تُحب الشاعر روبرت براوننغ الذي كان يصغرها بستّ سنوات. كانت إليزابيث واحدة من عدد كبير من الأبناء والبنات لأبٍ مُتسلِّط رفض تزويج أحدٍ من أبنائه وبناته، ومنهن إليزابيث (ونتحدّث عن المجتمع الأبوي الذكوري في بعض بلادنا العربية وسلطانه المطلق على أفراد أسرتهّ!).
كتبت الشاعرة إليزابيث 44 غنائية من نمط الغنائية الإيطالية التي قوامها ثُمانيّة، قوافيها أب ب أ  أ ب ب أ تتبعها سدُاسية قوافيها ج د ه-   ج د  ه-  وقالت الشاعرة إنها ترجمة عن اللغة البرتغالية، لكي تموّه على القرّاء لاحقاً أنها تعبيرعن حُبّها للشاعر روبرت براوننغ. كانت تلك الغنائيات تعبيراً عن تردّدها وخوفها الكبير من ترك دار أبيها وأسرتها، ولو أنها بعد ذلك تزوجت من الشاعر بصورة سرية وهربا معا إلى إيطاليا للإقامة فيها. قدّمت الشاعرة تلك الغنائيات هديّة إلى الشاعر روبرت براوننكَ الذي قال إنها أجمل ما كُتب من غنائيات بعد شكسبير.
وأرى من المناسب هنا تقديم القصيدة الأخيرة، رقم 44 لما فيها من تصوير لمشاعرها تجاه الشاعر روبرت:

حبيبي. لقد حَمَلتَ لي زهوراً كثيرة
قطفتَها من الحديقة على امتداد الصيف
والشتاء، ويبدو كأنها قد نمت
في أحضان الغرفة ولم تُعوِزها الشمس، ولا زخّات المطر.
لذا، وباسم ذلك الحب الذي يجمعنا،
إليكَ هذه الأفكار التي تفتّحت هنا كذلك
والتي في أيام الدفء والبرد قد لَملَمتُها
من ساحة فؤادي. والحق أن تلك المرابع والخمائل
قد اعشَوشَبَت بالدَغل والمَرار
وبانتظار اقتلاعها، ولكن فيها النسرين
واللّبلاب! خذها، كما كنتُ أفعل
بزُهورِك، واحتفظ بها حيث لا تذبل
ودرِّب عينيكَ أن تبقي ألوانَها على حالها.
وقُل لروحك إن جذورها بقيت في روحي.

في القرن التاسع عشر في إنكَلترا، عصر الملكة فيكتوريا، لم يكن من السهل على العشاق البوح بمشاعرهم. ولكن الحب الذي جمع شاعراً بارزاً مثل روبرت براوننغ وشاعرةً لا تقل براعة مثل إليزابيث باريت لم يكن ليخضع لتلك القيود. ففي القصيدة رقم 43 من مجموعة «غنائيات من البرتغالية» نجد وصفاً مُفَصّلاً لمشاعر الحب كأنه وصف طريقة تناول دواء، أو كأنه وصف طريق إلى مدينة ما، أو إلى دار تقع في آخر الطريق. والمزاج الذي تصوّره هذه القصائد الغنائية هو روح نسوية متوثّبة، كانت غريبة على ذلك العصر. ففي القصيدة رقم 38 نقرأ:

«عندما قبّلني أول مرة، لم يُقبّل سوى
أصابع هذه اليد التي بها أكتب.
ومنذ ذلك الحين غدت أكثر نظافة وبياضا».

وفي القصيدة رقم 14 نقرأ:
«إذا كان عليك أن تحبني، فليكن ذلك لا لشيءٍ سوى
من أجل الحب وحده.

لا تقُل أحبّها لابتسامتها، أولصورتها
أولطريقة كلامها الناعم….
لأن هذه الأمور، يا حبيبي، قد تتغي
أو تتغير من أجلك، ولكن أحبني من أجل الحب».

هل يحق لنا إن نسأل سؤالاً غريراً: كيف كان هؤلاء الناس يفكِّرون في ذلك العالم الفيكتوري، في القرن التاسع عشر في إنكَلترا؟ أم أنهم ما كانوا يفكرون إلا في الحب؟ بل كيف استطاع هاذان العاشقان الإقدام على الزواج بصورة سرية وهما شاعران معروفان في ذلك المجتمع الفيكتوري الذي كان يموج بالشعراء؟ أم كيف استطاعا الهرب إلى إيطاليا والعيش فيها، ولا نسأل عن ضرورة وجود جوازات سفر في تلك الأيام؟ ولكن من أين استطاعا الحصول على الأموال للسكن والعيش في بلد لا يتكلم لغتهم الإنكَليزية؟
هذه جميعها أسئلةٌ حيوية، ولكنها ضرورية على المستوى البشري. أم أن عالم الشعراء هو غير عالم البشر العاديين؟ وهل نبالغ في الأسئلة ونحاول معرفة ما حلّ بذلك الأب الذي كان مُتَجَبِّراً في معارضة زواج أبنائه وبناته. قد يقول قائلٌ: دعك من هذه الأسئلة وانتبه إلى المشهد الشعري، وبارك لهذين العاشقين اللذَين استطاعا الخروج من قيود المجتمع الفيكتوري واختارا العيش كما يحلو لهما. وقد تختلف أنت وغيرك في تحديد مفهوم الحب الذي يتحدّى كل تعريف منطقي.
تعريف الحب مسألة ثانوية الأهمية عند بعض الفلاسفة، فلماذا تشغل نفسك بسؤال لم يصل إلى جواب عنه كثيرون من أصحاب الفلسفة وعلم النفس، وكثير من العشاق أنفسهم الذين يتحاشون الإجابة ويقولون لك، بتخلّص عجيب: بلى الحب نوع من الجنون!
أما وقد أخفقنا في الحصول على تعريف يرضينا أو يرضي بعضنا عن مفهوم الحب، هل نرجع إلى تساؤلات تبعث فينا الخَدَر ونحن نردد مع «سومة»… حبّ إيه اللي جاي تسأل عليه؟ ونخفق مرة ثانية في الحصول على جواب.
أم نغنّي مع شاعرنا سليمان أحمد العيسى، ونتمايل طربا:

إثنان شاعرةٌ  حيرى وشاعرها
أمّا العيونُ، فقد ذاعت سرائرها
وغُصّ بالدمعة الحرّى مَحاجرُها
لا تسألي شَفَتي نُطقاً، فقد هربا
في خاطرالمَوج يرويه إذا اضطربا.

هل ابتعَدنا كثيراً عن هذين العاشقين، وقد جمع الحُبّ بينهما؟ كلاّ، فقد ساقنا الحديث إلى معنى الحب، فقنعنا من الغنيمة بالإياب إلى تراثنا العربي. فنقرأ عن رواية أن أعرابية كانت معلّقة بأستار الكعبة وتقرأ شعرا في الحب وتستغفر الله وتُنشِد: هل عليّ ويحَكُما/ إن لَهَوتُ من حَرَجِ. فطَمّنها رجل وقور شاعر، كان إلى جانبها، وسألها إن كانت تعرف معنى الحب، فقالت: «جلّ والله عن أن يُرى، فإن أدركتَه أورى، وإن تركتَه توارى» أو كلاما من هذا القبيل، فهذا ما بقي في ذاكرتي منه. وهو في جميع الأحوال جوابٌ لا يفسِّر الكثير.
فلماذا نجهد أنفسنا في بحث لا يعود علينا بفائدة واضحة وتفسير لما نطلب؟ نحن أمام شاعر وشاعرة جمعهما العشق في ظروف صعبة، وحريٌّ بنا أن نتعاطف معهما… وذلك أضعف الإيمان!
ومجموعة الغنائيات هذه بعنوان «غنائيات من اللغة البرتغالية» قد تكون عملاً لا مثيل له في تاريخ الأدب الإنكَليزي، وربما في غيره من الآداب العالمية. فثمة غير قليل من المجموعات الشعرية التي يتغزّل الشاعر فيها بالمحبوبة ويذكر الاسم أو يرمز إليه لكي لا يكشف اسم المحبوب أو المحبوبة. وفي تراثنا الشعري مثال طريف وأكثر براعة في التخفّي، وذلك في قول الشاعر العذري :

أُحبُّ من الأسماء ما شابه اسمها    ووافَقَهُ، أو كان منه مُدانيا
أعُدّ الليالي، ليلةً بعد ليلةٍ        وقد عشتُ دهراً لا أعُدّ اللياليا
فيا ربِّ خلِّ الحُب بيني وبينها  يكون كفافاً، لا عليّ ولا ليا

هذه تغشية كاشفة لأن المحيطين بالعاشِقَين يعرفون المقصود تماماً، ولذلك أرى أن هذا الكلام أكثر بلاغةً وبراعةً.
وبعد كل ما يمكن أن يقال عن هذه المجموعة من الغنائيات، تبقى القصائد مثالا نادراً من التعريفات لمفهوم الحب، بلغة شفافة صادقة، وعلى الرغم من عدم ورود أي ذكر لإسم العاشق أو المعشوقة، تبقى هذه الغنائيات أكبر دعم لسُمعة الشاعرة إليزابيث باريت براونينغ التي كانت الآراء النقدية في حياتها قد رشّحتها خليفةً لمؤسس الرومانسية في الشعر الإنكَليزي وليَم ووردزورث.
والجميل في العلاقة بين الزوجين، الشاعر والشاعرة، عدم وجود أي أثر للغيرة بينهما أو المنافسة في مجال الشعر أو غيره.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية