اللغة دلالة: يمكن أن نقسّم المجموعة الشعرية الموسومة ‘لا يوجد شيء لعرضه’ إلى ثلاثة مستويات تخضع بديهياً إلى معايير مختلفة، لكنّها بالتالي تنتج صورة واحدة ترجع شعريتها تحديداً إلى تقنية اللغة، وفي أغلب الأحوال تكاد تكون المعيار في كلّ المقاطع الشعرية، والحقيقة أنَّ المقصود هنا ليس الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه، ولو تقودنا الفكرة إلى نفس الإطار، وهذا أمر طبيعي يسمح لنا بإبداء الرأي في النماذج الشعرية حسب العنوانات:
1 ـ الأُسلوبية المتطرّفة
2 ـ العفوية الناضجة
3 ـ التكثيف والثراء اللغوي
المستوى الأول: ينحو باتجاه أُسلوبية متطرّفة، ما تؤدي إلى اختلال في التوازن بسبب وجود انزياح مستقل يلغي جمالية اللغة، في حين لا يدحضها كمادة أو كبنية، من هنا يصبح التطرّف غير ضروري يمكن تلافيه في أيّة لحظة، على اعتباره انحرافاً أسلوبياً، والانحراف بالتحديد لا يمكن أن يُفهم كعائق، بل نعزو سببه في حالات كثيرة إلى التشظّي في وحداته الدلالية ولو افتراضاً، فتغدو التراكيب معقّدة تخلو من أيّ تحوّل بنيوي عميق، فبعضها مثلاً لا يدلّ على مكان أو معنى محدّدين كما سيتضح، لكن مع ذلك يبقى الخيال معياراً لصور تخيلية تحمل في حقيقتها المعاني الدلالية على رغم فوضى الكلمات كما تؤوّل الشاعرة:
‘أظنّ الأزواج قروروا جادين أن يعلوا’ ص12
أو
‘أحتفظ بكفك اليمنى بين راحتي
وكدجاجة أم ترقد عليهم كفك اليسرى’ ص163
أو
‘ماذا تركتَ للإنسان إنسانك المذبذب!
تنكرُ سيلان شهوته يوم تعثر باقتحام؟’ ص184
ليس صحيحاً أن يكون التطرّف اللغوي مقياساً، فكلّ الصيَغ المضافة لا تعدو تامّة، لكنها بديهياً لا تخرج عن سياق المعنى، وفضلاً عن ذلك يجب التسليم بوجود الثغرات التي تعدُّ نقصاً، وهي ما تؤدي إلى إضعاف الشفرة التأويلية أو ضياع وظيفتها والحق أنّ هذه الثغرات قد تغدو طبيعية، ليس هدفها كما نعلم هدم اللغة:
‘سيّدُ السترةِ الحمراء استصرخ فينا بنوتنا،
فتحنا أفواهنا فاغرين في اللحن وملائمة الرقصة ص105
‘قريتي الحبيبة كما في صغري ضميتني’ ص60
ولكي نفهم الشعر علينا أن نكتب انطلاقاً من حساسية اللغة، لأنّه لا يوجد في الواقع شعرٌ من دون تجلٍّ لغوي يضع الفن داخل سياق أُسلوبيته وشروطه الصارمة.
لا يمكن أن نقرأ النصوص من دون أن نرمز إلى الفكرة بمعنى من المعاني، أو نبدأ بتفكيك الجمل من أجل إعادة انتاجها، نحن هنا نعالج بنية تقتضي إشراك القارئ في تفكيكها، وانتاج معانيها الدلالية لتظلّ دوماً متراصّة، كما هو الشأن في عملية الانتاج الأدبي.
‘لو أن النور الذي كان أبصرهم،
لضم الراسيات بلا تمهل’ ص112
ليس من الضروري تفسير كل ّما هو خارج محيط إدراكنا، إذا لم نتوفّر على معرفة كاملة تساعدنا على التأويل، ولا نسعى هنا إلى شرح نصوص غير مفهومة يكون معيارها نقص اللغة، إلاّ في حال كوننا نريد أن ندرس علماً أو نظريّة بطريقة مميّزة:
‘ممتلئاً بوهج الأفواه
شفاهك فيما بين طفل وببغاء’ ص133
لا شك في أنَّ فكرة تجسيد ذاتية النص بغية تفسيره ـ بصورة طبيعية من دون الأخذ بعين الاعتبار التأويل ـ إنما تمثّل حالة سابقة على صيرورة اللغة، فماذا نصنع والحالة هذه إذا استعصى علينا استنباط المعنى؟ ففي ذلك مبالغة لو قلنا إنَّ كلّ نص قابل للفهم، ولا نستطيع أن نُوهم أنفسنا أنّنا قادرون كليّة على فهم أشياء غير ملمّين بصحّتها، لأنّنا في هذه الحالة سنقوم بتفسير ما هو ناقص في اللغة بطريقة آليّة، وليس تأويل ما هو دلالي تمثّله اللغة، ولا تصبح القراءات مفيدة من دون تكوين فكرة أولى عن ميكانيزم التحكم.
نحن نعلم أنَّ كلّ عبارة تتضمّن بنية خاصة تحتفظ بالمعنى الدلالي، وهو أمر طبيعي دائماً سواء أكان مبطناً أم ظاهراً، والحقيقة أنّ ضياع المعنى أيّ معنى كان في الجملة، هو عادة ما يحصل من نقص في اللغة يمكن أن يؤدي إلى تصدّع البناء المعماري، ولتقريب الأمر نقرأ هذين المثالين:
‘كما لو أنك زحل حفتك الوجوه’ ص134
أو
‘الخيط في يدي/ ضبابيتي قطعة معدنية
يرشحان الخطوات’ص187
فالغموض هنا هو المعيار، وليس الدلالة بفضل تعابير لغوية، غير أنَّ ذلك ليس حكماً ثابتاً دائماً، فإذا كان غياب الشعر يرجع سببه إلى الانحراف اللغوي، فإننا لا نتردّد من وجهة النظر النقدية أن نعتبر الصور الشعرية غير معبّرة نتيجة هيمنة الكلام على التعبير:
‘كيف لا تغص أمنا الأرض، ونحن نستعيرُ أرحاماً سواها
كل القرى انفصامية بخلاف أسلافها’ ص50
أو
(حتى لا يجد الغبار لنفسه سانحة) ص38
سمة ضرورية من سمات الشعر أن يكون جوهره مطابقاً لتمظهراته. إنَّ الدقة في التصوير تسهّل استنباط المعاني وتجعلها أكثر دلالة، حيث لا تكون هناك خيارات أفضل، وإنما يتحدّد ذلك بتطور اللغة السياقية، وقد سبق أن عالجنا الموضوع في دراسة خاصة، فلا بدّ من أن تتنوّع المعاني بدل أن تخرج عن السياق الصائب.. إنّنا نستطيع أن نقول إنَّ الشعر في جميع الأحوال يقبل التأويل بفضل نوعية النمط التي تمثلها الدلالة.
‘ولكن القول إنَّ كلّ شيء تأويل لا يعني أنّ كلّ التآويل متساوية’ (1) فليس هناك قراءات متشابهة لتأويل النص الشعري أو إعادة انتاجه على مستوى المعاني، ما لم تكن هناك آليّة تصوّرُ اللغة تجليّاً لفضائه الشعري، لا بدّ من الاعتراف باللغة وليس (بالنص) وحدَه، إذا نحن فهمناه على أنّه شعر، بل يمكن القول إنَّ اللغة تظلّ لصيقة بفضاء النص رغم اختلاف الصيَغ. إنَّ ما ندعوه بالهنات النحوية لا تمعننا من قراءة الوحدات النصيّة.
المستوى الثاني: يقوم في حقيقته على حشد الألفاظ والعفوية، فهاتان الصيغتان تضعفان الخيال والمعنى معاً، فكلّ منّا يعلم أنَّ الشعر انعكاس محض لظواهر عامة تنبثق معانيها من الواقع، كما تنبثق من الخيال، فكلّ جملة تحمل مما هو بحوزتها من معاني دلالية مستنبطة تنتظم في محتوين متباينين في المعنى واللغة السياقية.
الأول: نمطي خارج عن سمات بنيته الشعرية
‘هاتفها ذات ليلة سائلاً إياها أن تجد له عروساً’ ص83
أو
‘تعلمنا في المدرسة كيفية الصلاة أول مرة،
أمي منذ السادسة تنهرني..
صوت الآذان/ الجيران/ الناس في الأماكن العامة،
يذكروني بالصلاة. تمنيتُ لو أن أحدهم أخبرني لماذا نصلي’ ص84
أو
‘رأيتُك تبتسمُ/ داخلك يضج: كاذبة’ ص181
أو
‘لذا هذه ورقة صغيرة لك مكتوب فيها،
ـ لا تربطنا علاقة حب ثنائية إنما كونية ـ’ ص193
أو
‘حتى نحن الفتيات لا يغرينا الزواج بشاب نعرفه’ ص29
والثاني: غرائبي/ دلالاته هي ما تكوّن نواةً لبنية ناضجة..
ونحن تلافياً للإطالة فلن نسعى هنا إلى الشرح الكثير، بيد أنّ المطلوب هنا أيضاً الوقوف عند المقاطع من الدرجة الأهم، ولو بالاِشارة في حقل دراستنا كما في الفقرات المذكورة:
‘لماذا وشيت بالدودة كانت تقدرك؟’ ص157
أو
‘أظن أن الله يعاقبني بقطع الكهرباء عن قلبي’ ص31
أو
‘هي لا تظن الشتاء سافراً غير أن الربيع يدير لها ظهره’ ص119
أو
‘قريتي الثرية قليلة الكلام تدلق لي حكاياتي’ ص56
أو
‘عندما يضع بشر نفسه مكان عصفور، فمن حق العصفور أن يعرف.
في الغياب لا نشعرُ بالوحشة لأنه عصفور وأنا دودة، هو يعرف عميقاً كم أنا دودة لأنه عصفور جداً’ ص150/151/152
أو
‘وكعادتي لن أبذر أظفاري أو راحة أطرافي’ ص167
‘وعليه فإنّ العفوية لم تعد هنا مقياساً كافياً، فالواقع أن لا أحد يكتب بعفوية، فالكتابة تتضمّن حدّاً أدنى من الجهد والإعداد، فبمجرّد ما نشرع ولو في كتابة رسالة بسيطة، فإنّنا نهتمّ ولو قليلاً بالأُسلوب، وكلّ لغة مكتوبة تنزع بمعنى من المعاني إلى أن تكون (مكتوباً) وللمعنى الاستعاري الذي تكسبه هذه الكلمة بعدُ، دلالة ظاهرة'(2)
‘وإن كنتُ عقلانية تراني، فأنا أنثى. وغير ذلك أنا شاعرة’ ص139
‘وكان واضحا في مشيتها الثقة’ ص155
‘طوال سنوات شبابي ونضجي كنتُ أباهي بمائيتي،
لا تسلبيها’ ص162
ولهذا يمكن أن نلاحظ سلسلة من الجُمل الشعرية قد تناقض القاعدة النحوية
‘آه ما أحلاني على صدرك،
عيني تبرقان/ شفتاي في سُكر
تمسحني بعينيك وابتسم للعدسة’ ص142/143
(الحب منتصراً(
‘قال: كذا عدد من المنجمين
حدثوني عن يدي المبسوطة/ الممتدة.
كأن ذراعيّ مطاطيان’ ص161
(مؤلف مائي(
‘وجدتُ حتى الجاكت الأسود يرتب نفسه’ ص67
(سقوط بلا مرآة(
بهذه النصوص تخرج الشاعرة من نمطية التعقيد إلى نمطية التقليد، في حين يبقى الشعر محافظاً على إطاره مما يستعيد انسيابيته من تغيير الشكل، وليس من تغيير المعنى المترتّب عن الغموض. إنّها إنسيابية سرديّة تأخذ طابعاً وجدانياً.
‘النهايات السعيدة في المسلسلات لم تكن كذلك العام المنصرم’ ص 101
‘إضحك نعم أعلى و تمتم (سوسه، دوده(
إفعل ما شئت ما دمت مختبئاً’ ص154
مع ما نعرف أنه ليس ثمّة نص جوهري خالص، غير أنَّ ذلك لا يمنعنا مطلقاً من القيام بقراءة تأويلية لتحليل ما هو شعري، وهي في نفس الوقت عملية جدليّة لتقويم الشعر في جميع مستوياته.
‘لا تغلق الباب وحدك دعنا نفعل ذلك معاً’ ص177
‘كنا ننظر إلى المارّة للآخرين على طاولاتهم عندما يلحظوننا نسحب أيدينا’ ص36
‘سنترك قاعة الاحتفالات ببهجتها
الفتيات يرقصن للأمهات، عائلاتنا تجامل بعضها’ ص99
‘شعري مسدل، عطري أنيق برائحة الفتنة’ص100
‘أشتهي نَفَسك يعض شحمة أذني، مُمرراً لهبك’ ص94
‘لذاكرتي خزانة حجمها معقول بلا درف
فيها طفولة (بهذلها) مرض/ أم عامل/ أب ميت’ ص168
إذ انَّ اللغة هي ما تهمّنا، وليس السرد نفسه هو المعيار، والدليل إنَّ ‘اللغة دلالة’ بمفهوم (جان كوهن) وهذا ما يسهّل علينا تصنيف ما هو شعري تتحقّق شعريته بفعل الدلالة، وما هو غير شعري من صنف ما سبق من الأمثلة الواردة، وما بعد ذلك كلّه حشو(3) لا يمكن ضبط سياقاته، ولربما كان الانفعال سبباً في سلاسة الصياغة على الرغم من رصانتها، إلاّ أنَّ هذه الأمثلة تصوّر غالباً الانفعالات الوجدانية المعبّرة.
أمّا المستوى الثالث: فأنّه يقوم على التكثيف والثراء اللغوي، وهو معيارنا في هذه الدراسة.
‘عنقي لا تحيد عن خطة القدر، القدر الذي ينحر حصونهم’ ص110
‘أمتطي فراشتي ألجأ إلى سريري متحجرة’ ص122
فليس الشعر كتابة آليّة كما نلاحظ في الخطابات المجانية، وإنّما هو عملية ابتكار فرديّة تقوم على تقنيات نظميّة مختلفة، والشعر رغم أنّه صعب، إلاّ أنه ممكن الفهم إذا قمنا بتفكيك كلّ ما هو ملغزٌ وجعلنا اللغة هي أساس تأويلنا ‘ولكي تحقّق القصيدة شعريتها ينبغي أن تكون دلالتها مفقودة أولاً ثم يتم العثور عليها، وذلك كلّه في وعي القارئ'(4)
‘تسألني نفسي الغائبة:
متى يجتمع الشمل متى تردين لروحك عائلتها؟’ ص132
‘هكذا تركنا له الصورة في صحةٍ جيدة’ ص137
إنَّ بلاغة التصوير تولد غالباً المعنى، نفهم أنَّ اللغة تنمو بحذر شديد وسط ركام من الصور الشعرية التي تكون في الأغلب الأعمّ عصيّة على الفهم، لكنها موحية، فلا توجد لغة معينة مستنبطة من قوانين عامة، فالنص إجمالاً لا تصنعه نبرةٌ لغويّة محدّدة، إنّما تصنعه الوحدات الشعريّة التي تصبح تجليّاً لبنى متعدّدة تدخل في صناعتها عناصر مشتركة:
‘تقولون لا تؤولي الأمر قبل أن تظهر سمة برجك الخاصة
ربما ميتك كنس قلبكِ الأخير’ ص96/97
لذلك فليس للواقعية مكانٌ في الفن الشعري، ما دام لم يكن للشعر قوانين مطلقة تحكمه بمعنى من المعاني، انطلاقاً من هذا المفهوم تعيد اللغة الغرائبية النص إلى فضائه المدهش. ‘فالشعر برغم ما قال عنه أدغار الان بو ليس مسكوناً بروح السلب، فإنه لا ينقض البناء إلاّ ليُعيد بناءه، ليست العملية في مجموعها كما هو واضح عدماً. إنها الثمن الذي ينبغي دفعه مقابل وضوح من طبيعة أخرى’: (5)
‘كل الصغار حزمة واحدة والمسارب تحفظُ الحكايات’ ص53
إزدهار قصيدة النثر:
لم يعرفِ الشعر ازدهاراً إلاّ في السنوات الأخيرة على يد شعراء من أنماط أدونيس، أو سعدي يوسف، أو محمد الماغوط، أو أنسي الحاج، أو شوقي أبي شقرا، وكان لهؤلاء النصيب الأوفر في وضع اللمسات الأولى على الشعر العربي، مع العلم أنّه ليست هناك (قراءة تامّة) تُوحّد الآراء وتنصف الشعراء، وهذا ما ينطبق أيضاً على شعراء قصيدة النثر الجُدد الذين أثبتوا دون جدل إمكانات كتابتها، فما عاد هناك هدفٌ موحّد يجمعهم في سياق واحد، إلاّ أنّنا نقرأ بين الحين والحين نقوداً مهمّة تتناول تجارب بعضهم.
لم يمتِ الشعر كجنس أدبي، ولم يتخلّ الشاعر العربي عن قصيدته، مهما قلّت درجات التلقي، وتغيّرت ذائقة القارئ، وتعدّ الشاعرة هدى ياسر من الأسماء النسوية الجريئة التي واظبت على كتابة قصيدة النثر العربية شأنها شأن مثيلاتها دون أن تثبطها العقبات مهما كانت جسامتها:
‘الله الكامن في العبارة
أنتَ المتآمر على جثته داخل القميص’ ص123
‘الشتاء مقبرةُ القرية’ ص49
ولربما كان السبب الجوهري الذي أدّى إلى عدم انخراطها الكامل في المشهد الشعري هو نتيجة طبيعية لكلِّ امرأة تعيش في مجتمع منغلق على نفسه، ويظهر أنَّ الشاعرة ظلّت متماسكة رصينة لا تنساق وراء شعرية تقليدية، تبدو في نظرنا سهلة، لا تشغل حيّزاً كبيراً في ثقافتنا المعرفية، لقد وجدت (هدى) نفسها في وضع يسمح لها بالخوض في غمار الكتابة الحديثة، حيث لا بدّ من التقدّم إلى الأمام، ولم يعد من جدل لخرق التقليد الشعري.
‘الصبيان والفتيات أقلام ألوان، والأمهات لا يخطر ببالهن زيف الأفكار
انطوى ذاك الشغف’ ص56/57
لم يكن نص الشاعرة ستاتيكيّاً بمعنى أو بآخر، وهذا ليس مدحاً، بدليل أنَّ شعرها ليس نمطياً أو ثابتاً، وسأكتفي بالإشارة إلى تطوّر البنى الشعرية في بعض المواقع التي لا تني تعود بالأساس إلى استعمال الاستعارة والمجاز كأمثلة تركيبية، فكلّ تطوّر بنيوي يسبقه تجلّ لغوي:
‘تزيل المرأة الشعر عن جسدها،
حتى لا تلتصق بها جرائم الرجل’ ص77
وقد تكون بعض الصيَغ ذاتية لكنّها تحتفط ضمناً بجوهرها الدلالي:
‘أهدابي تلعق الغيم
أمي الأرملة نفسها نسخة الأب تلحظ المطر يسقط،
ولا تيأس من تسليط شمس المجتمع’ ص109
وهذا من الطبيعي ما يجعل النص الشعري في نظرنا قابلاً للفهم، ويتوفّر على معنى، غير أن هذا الاعتبار يخضع لتأويلات لغوية، إذا ما اعتبرنا الشعر جنساً ملتبساً دائم الصيرورة:
‘هل ما زال على أحدنا أن يضع صخرة؟’ ص198
‘الغصن جسدي، الريح رجل لا أعرف برجه’ ص86
ونظراً لكون التراكيب الايروتيكية محظورة في مجتمعات معينة، إلاّ أنّها تعدّ واقعية، فهي ليست شاذّة أو خارجة عن سياقها الطبيعي، ذلك لأنّها تعلن عن بنية جمالية تسمح بالانزياح عن البنى التقليدية دون أن تقوّض مقوّمات وجودها، وليس من باب المصادفة أن تصبح الكتابة الايروسية أُسلوباً للتعبير عن حاجة داخلية: (6)
‘جدتي الصغيرة العروس كانت تلعب في النهار وتُنكح في الليل’ ص51
أو
‘لا رجل أملس أشاركه الشارع/ المقعد وحتى السرير
فأتزحلق معافاة من حمى شهوته’ ص64
أو
‘طفلة كنتُ لا تغريها الدمى بل ابن عمها’ ص75
‘أشتهي نَفَسك يعض شحمة أذني، أشتهي الخضوع لجموح الفارس’ ص94/95
أو
‘أريد رجلاً أتقاسم معه بالتساوي عيال وجداني،
أريد رجلاً يروّض قلبي الذي يجعلني أدور كلبؤة’ ص139/140
البحث عن الأمل في طيات لغة شعرية:
لكي نفهم أنَّ الشعر قضيّة جوهرية، فإنّ الشاعرة اعتمدت في استدلالها على تأكيد المعاني الدلالية قبل كلّ شيء، لأنَّ السمات الشعرية تكون غالباً متجسّدة في اللغة، وليس في تقنية الأسلوب فقط، وفي هذه خاصيّة صياغية، فمثل هذه السطوة لا تلغي موضوع الشعرية داخل النص الشعري، ما دامت هي تبحث عن قضايا المعاني، لذلك ‘لا وجود لمعنى أو فكرة ليست من إنتاج صورة ملحوظة’ كما يقول (فاليري).
‘كلما ألح طيفك على تجسيدك،
هرع حناني إلى تعطيل قلبي
ويقول: أعني حناني ـ إياك من تكرارك) ص197
الهوامش:
(1) جان كوهن، بنية اللغة الشعرية
(2) نفس المصدر السابق
(3) سحر الوردة الخاص أنموذجاً ص135
(4) جان كوهن: بنية اللغة الشعرية
(5) المصدر السابق
(6) نماذج تتطابق مع المعنى: ص124/ 127/128 / 129 /ص138/ ص142 /143/ص156 /ص157/201/ ص178 139/140