شاعرٌ بلا ديوان كقبرٍ من دون شاهد

حجم الخط
0

طه عدنانحينما اقترحتُ أضمومتي الشعرية الأولى ‘فراشات لأحداق اللهب’ للنشر في مطلع التسعينات على محمد البوزيدي، صاحب ‘مكتبة عليلي’ بمراكش، كنتُ متفائلًا بنجاح الديوان. كنتُ معتدًّا بقصائدَ حارقةٍ كتبتُها بحماسٍ زائدٍ في أجواء الحركة الطلابية نهاية الثمانينات وبداية التسعينات. قصائدُ كنتُ أقرأها أمام حشود الرفاق بأسماعهم المدرَّبة على الشعارات وحناجرهم المتأهِّبة للهتاف وأكُفِّهم الجائعة للتصفيق. كانت وسيلةً إيقاعيةً من وسائل النضال. وكنت مزهوًّا بالاستقبال الحار الذي تحظى به قصائدي في رحاب جامعات مراكش والرباط وفاس. اقترح البوزيدي التريُّث في نشر المجموعة حتى تصدر في إطار منشورات مجلةٍ أدبيةٍ أبدى استعداده لتمويلها. هكذا قدَّمتُ فراشاتي الأولى قربانًا لمجلة ‘أصوات معاصرة’ التي أصدرناها في بداية التسعينات، قبل ‘الغارة الشعرية’ وخراطيشها. فعلتُ ذلك دون عظيم أسف حتى وقد توقّفت ‘أصوات معاصرة’ بعد إصدار عددين منها، إذ ليس من الفحولة في شيءٍ أن تتحوَّل كلُّ نُطَفي إلى أطفال. كما أن قصائدي الأولى مكتوبة ببراءة ثورية جعلتها تبدو لي اليوم مجرّد تمارين ساذجة في كتابة الشعر. ربما حسنًا كان أنّها لم تصدر في ديوان. ولو صدرَتْ كنتُ سأعتزُّ بها حتمًا، فأنا لا أحبُّ الشعراء الذين يتنكَّرون لدواوينهم الأولى.بعد هجرتي إلى بروكسل عام 1996، أصبحتُ أكتبُ وحيدًا على كومبيوتر محايد لتخرج نصوصي منكوشة الشعر كقصائد نثر. ولمّا اقتُرِح عليّ أن أهيِّئ مجموعةً للنشر ضمن ‘سلسلة الكتاب الأول’ التي أطلقتها وزارة الثقافة المغربية بعثتُ خمس قصائد مع طلب خطّي إلى وزير الثقافة، الذي لم يكن سوى الشاعر محمد الأشعري، عنونتُه كالتالي: ‘شاعرٌ بلا ديوان كقبرٍ من دون شاهد’. خمس قصائد انتقيتُها مما تراكم لديَّ من نصوصٍ انتهيتُ إلى أنّ العديد منها يُشاطئ بحر الشعر. الشعر الجيِّد يتطلَّب أفكارًا شعرية وجيهة، وليس مجرّد الجري وراء الاستعارات والتراكيب المدهشة التي قد لا تُدْهِش أحدًا. كما أنني كنتُ قد جاوزتُ الثلاثين، ولم يَعُد هناك مجالٌ للّهو بالقوافي واللّعب بالكلمات.وأنا أترقّب ردَّ الوزارة بصدد ديواني الأول ‘وَلِيَ فيها عناكبُ أخرى’، قرأتُ خبرًا عن ‘جائزة الشارقة للإبداع العربي ـ الإصدار الأول’ بصحيفة لندنية. لم يتطلب منّي الأمر سوى إنجاز بضع نسخ إضافية للمجموعة أرسلتُها إلى دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة بعدما أجريتُ عليها بعض التعديلات الشكلية الطفيفة كان أبرزها العنوان الذي أصبح ‘بهواءٍ كالزّجاج’. إذ وأنا أعيدُ قراءة المجموعة وجدتُ روحَها ضجِرَة وأجواءَها فاترةً باردةً حتى لكأنَّ هواءها متجمدٌّ جارحٌ كالزّجاج! وحدث أن فاز هذا الديوان بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2002 ليصدر ديواني الأول عام 2003 مرّتين وبعنوانين مختلفين فأصير متعدِّد الديوان الأول. صدر أوّلًا عن منشورات وزارة الثقافة المغربية في إطار فعاليات الرباط عاصمة الثقافة العربية قبل أن يصدر بالإمارات. لكن النشر لا ينحصر في الطباعة فقط، فهو لا يكتمل إلّا بالتوزيع. وهذا ما لم يتحقّق كثيرًا مع هذا الديوان، ذي العنوانين، الذي ظلّ رهين المخزنين: مخزن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء ومخزن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة. لذا عندما اقتُرِح عليَّ النشر بدار النهضة العربية ببيروت، لم أجد غضاضةً – أنا الذي أتهيّب أمام الصفحة الفارغة وأعتقد أن كتابة قصيدةٍ أعسرُ، حقًّا لا مجازًا، من قلع ضرس – في إضافة أربعة نصوص جديدة إلى قصائدي الخمس المنشورة في الديوان الأول لأرسلها إلى دار النهضة تحت عنوان ‘أكرَه الحبّ’. وهو العنوان الذي انتقل إلى لغة موليير، عبر ترجمة الشاعرة سهام بوهلال، عن ‘منشورات الفنك’ بالدار البيضاء بعدما كانت دار ‘شجرة الكلام’ ببلجيكا قد نشرت ترجمة الديوان في صيغته الأولى. ‘أكرَه الحبّ’ الذي انتقل بعد ذلك إلى لغة سرفانتس عبر ترجمة أنيقة للإسباني أنطونيو لوبيز بينيا صدرت بكوستاريكا. فيما تشرف يولاندا غواردي، الأستاذة بجامعة ميلانو، على نقله إلى لغة دانتي في ترجمة ستصدر هذه السنة. ‘أكرَه الحبّ’، إنه الديوان الذي أكنُّ له محبة خاصة وأشعر كما لو أنّه كتابي الشعري الأول حقًّا. خاصة وأنه لا يلغي أوّل إصدار لي، بل يستوعبه بكثير من الحدب والحبّ. وما الحبُّ إلاّ للكتاب الأوّل.شهادة حول الكتاب الأدبي الأول منشورة ضمن مؤلف جماعي صادر عن وزارة الثقافة المغربية تحت عنوان ‘المنازل الأولى’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية