إلى الراحل الشاعر حسب الشيخ جعفر
بغداد ـ 1989
يجتاز العتبة ثم يدخل الحانة وهو على عتبة النصف الثاني من العقد الرابع من عمره. برمٌ بالزمن وترهاته، والحياة بمآسيها وملاهيها. غيوم الدخان وموجات الصخب ترتطم في فضاء الحانة الشتوية. لكنه الهادئ الصامت يمشي وئيدا، له وجه إله قديم يستفيق من هدأة الخلود إلى فاجعة الوقت.
سمعته يهمس ذات مرة: «أستيقظ كلّ فجر وأقرأ صفحات من ديوان السيّاب كما يقرأ التلميذ في كتابٍ مقدّس».
لا يريد أن يلتفت إلى أحد ولا يريد أحدا أن يلتفت إليه. يريد أن يغيب، أن يواصل وجوده في عمق كون آخر غير ذلك الصاخب في حانة القردة. يدخل وئيدا. أراه من زاوية بعيدة وأحس بأن الحانة تتحوّل إلى غابة روسيّة. أسمع صوته في ترجماته الفذة وأسمع موسيقاه، إيقاع وجوده في ما ترجمه من أشعار سيرغي يسنين:
«وبي رغبة أن أعلق أجمل ربطة عنق لديَّ
على رقبة أول حصان أراه في الطريق»
أراه يهمس للنادل. كنت أعرف ما يقوله أو كان لي أن أحزر ما تكرّر لمرات عدة. يريد من النادل أن يرفع الكراسي بعيدا عن المائدة، ويترك له كرسيّا واحدا ثم ليدفع مائدته نحو الزاوية، من أجل أن يجلس وحيدا مواجهاً الجدار حيث لا مكان لجليس أو متطفل. يعب الكؤوس متأملا في الجدار ما لا يعرفه سواه.
كانت الحرب تمور بعيدا، والأصدقاء ما عادوا أصدقاءه. ماتوا جميعا أو غادروا. يعرف منهم من وجد في غربته كنزا ومن وجد في بقائه استدرارا لبركات القائد بالمديح البخس. لكنه ليس منهم. إنَّه عميق كبحر ورقيق كفراشة ووحيد كحلم وشاعر كأنه قصيدة عصية على التجلي. يجلس ساكنا ويشرب وحيدا ويفكّر كنبيّ لا كرامة له في حانته.
٭ ٭ ٭
حانة القردة 1990
يوم كان الرئيس يوزع هباته على من يُري ولاءً لا مراء فيه، كان المذيع يصرخ مذعورا في التليفزيون الرسمي يقرأ بيانا حربيا ويهيب بالجموع إلى قتال لا يبقي ولا يذر. الجوع يوشك على أن يؤكد نبوءة السياب «ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع». الحرب على الأبواب. همس الشاعر بصوت لا يُفهم، لكني فهمته أو هكذا أظن: «إذا كان الرئيس يهدي سيّارات للفائزين بكرة قدم فمن المنطقي أن يهدي هذا المذيع طائرة هليكوبتر مكافأة على صراخه المذعور هذا».
أخفيت ضحكتي.. كنا نجلس في حديقة الحانة ومعنا شاعر عربي يعيش على نعمة الحكومة وقائدها. أراد ذلك الشاعر البوق أن يثبت ما هو مفند أصلا، نظر إلى حسب وقال منافحا: «عجيب يا أخي، أسعار الخضروات كلها ارتفعت، لكن سعر اللحم هبط!»
همس الشاعر وسمعت قهقهة مقتضبة ومكتومة تصدر عنه.
سألوه: ماذا؟
هو في العادة يتحدث بصوت لا يكاد يسمع، لكني سمعته جيدا. قال: اللحم رخيص لأن العلف أضحى أغلى من الماشية بعد أن صرنا نحن من يأكل العلف.
٭ ٭ ٭
عمّان 2003
لن أنسى آخر لقائي به. زرته في غرفته الفقيرة في عمان حين وصلت دعوته لي عن طريق ولده الرائع محمد. وحين ردّدت أمامه في تلك الجلسة التي لا تنسى مطلعا من قصيدته:
تتجمّع خمس سنين في قدحٍ مملوءٍ حتى النصف
التفت مندهشا إليّ متسائلا: كيف يمكن أن تتذكر هذا؟
ما كان لي إلا أن أجيب: ليست ذاكرتي، بل كلماتك القمينة بالبقاء في ذاكرة.
أيها العميق كبحر، الرقيق كفراشة، الوحيد كحلم، والإله الذي، وعليّ أن أصحح الآن، غفا عن خلوده لبرهة من الزمن ليعاني كوابيس الفقدان والحروب والوشايات والضجيج العارم في حانة قردة.
عودة إلى عام 1989
يجلس أمام الجدار في حانة القردة. يشرب ويفكر ويكتب أحيانا، ثم يقوم ويمشي وئيدا كأنه يملك الأرض والقدر. لا يلتفت إلى أحد ولا يريد أن يلتفت إليه أحد. يعود إلى عمقه الشخصي الضاج بنخيل الله والطيور الخشبية وجرار بويب وبساتين المشرّح وغابات روسيا وحانات موسكو. يحاور أصدقاءه الراحلين ويعد أسماءهم واحداً واحدا.
أبا نؤاس، يا حسب الشيخ جعفر، أيها الغريب عن دنيا عرفت أنها «حانة قردة». جلست يوما قربك وسمعتك تقرأ الشعر وترفض الخوض في جدال. واسيتني يوما على أخ غائب ورثيت أخا لي مات. عرفت صدقك وروحك الصافية النزيهة الهادئة كفجر في سماء ربيع. أدركت عمقك قبل أن أراك وكنت أردد مع أصدقائي الذين غابوا أيضا «جنان اندحار… جنان انتحار، فكن يا ابن هانئ ما شئت.. كن حجرا أو نديما، المقربَ في المحفل، الببغاءَ، انسحابَ العباءة موحلة في الدروب». عدت الآن الى صحوك الحقيقي بعد غفوة ملتبسة. كأني أراك الآن تدخل الحانة وأنت على عتبة النصف الثاني من العقد الرابع من عمرك، برماً بالزمن وترهاته، والحياة بمآسيها وملاهيها، تمشي وئيدا، لك وجه إله قديم يغفو فيسقط في فاجعة الوقت. أخشى أن اقترب منك أو أن ألقي عليك التحية. ينتهي الصخب ويغادر الآخرون وأنت تحدق في الجدار متأملا ما لا يراه أحد سواك.
كاتب عراقي