شاعر كردي يهجو حزب العمال الكردستاني في ديوانه الجديد!

حجم الخط
0

يَخطُّ على أول القرية
حاجزاً من ورق
وعلى كتفه
بندقية من أغصان الزيتون
يريد أن يوقفني
وأنا أتقصد ألا أمر عليه
هو لا يعرف
لمن أقام الحاجز
ولماذا بندقيته لا تثمر
كما زيتونة عفرين.
هذا مطلع إحدى قصائد ديوان (قيامة الياسمين) للشاعر السوري مروان خورشيد عبد القادر… الصادر مؤخراً عن دار الأدهم في القاهرة، وفي هذه القصيدة التي تحمل عنوان (البندقية اللاوطنية الآبوجية) يهجو الشاعر حزب العمال الكردستاني، الذي يطلق الأكراد على أتباعه لقب (الآبوجية)، ويصل مستوى الهجاء إلى وضع صورة زعيم الحزب المذكور، في مصاف صورة الأسد، فيقول في القصيدة ذاتها:
في عفرين
قبل الثورة
كانت صورة الأسد تشرف على الثقافة
في مركزها الثقافي العربي
بعد الثورة
صورة أوجلان التركي تشرف عليها!
هكذا يدخل ديوان الشاعر الكردي مروان خورشيد تفاصيل السياسة بقوة، لينشد للثورة السورية، ويتبسط في لقطته الشعرية المشار إليها، إلى مستوى الوصف المشهدي لتبدل الصور في المناطق الكردية في الشمال السوري، ليرسم ما يبدو (مفارقة) هجائية ترثي التبعية، وغياب النزعة الاستقلالية عن تقديس الأشخاص، واستيراد واستبدال صورهم!
إلى أي حد يؤثر هذا على شعرية قصائد هذا الديوان؟!
لا يبدو مروان خورشيد مشغولا بهذا السؤال، وهو يتتبع تفاصيل الثورة، ويأتي على ذكر تراجيديا المجازر التي ارتكبت بحق أبنائها، فهو يمضي إلى حالة من التفاعل الحي، المأخوذ بمشهد دام هادر، لكنه ليس مسكوناً بالشعارات الجوفاء، بل بحلم الحرية، والإحساس العميق بالعدالة، والاقتراب من قيمة الإنسان الحر… ولهذا ينجو الشاعر من سطوة السياسي على الشعر، وتحضر صوره الشعرية بعذوبة آسرة، مشحونة بموهبة حقيقية تبدع السهل الممتنع:
لم أعد أطيق الظلام
ولم أعد أكتب شعراً يتوارى عن المعنى
ولا يقول للقاتل
إنك لست المقصود بالكلام
بل سأكتب شعراً خارجاً من حداثة اللغة إلى حداثة الفظاعة
سأكتب عن شاعر
كنت أظنه ثائراً على الشعر
بارعاً في كتابة القصيدة عن المقاومة
ثرثاراً عن القضية
وهو يردد عاش القائد… عاش القائد
القائد الذي باع دمه في البازار.
فاتحة قصائد الديوان (أثر الوردة… أثر الغوطتين) يقف فيها الشاعر في حضرة مجرزة الكيمياوي في غوطتي دمشق، التي راح ضحيتها أكثر من (1400) شهيد، والتي صدر تقرير من الأمم المتحدة يؤكد مسؤولية نظام الأسد عن ارتكابها.
في هذه القصيدة وهي من أجمل قصائد الديوان، يبحث مروان خورشيد في ذاكرة الحجر وفي وجوه الأطفال المختنقين بغاز السارين، يبحث في أحلام المحاصرين جوعاً ثم موتاً عن دمشق وهي ترزح تحت الأسر، لكنها تبقى حلماً للخروج من فضاء العدم والموت، يتساءل بلغة مشحونة بدهشة التراجيديا الغافلة:
ماذا لو تذّكر الحجر كيف كان هذا البيت
ماذا لو تذّكر الخشب كيف كان هذا الباب
ماذا لو تذّكر الرخام كيف كان فناء الدار
أو درجاً يصعد لسطح البيت
ماذا عني وأنا لا أنسى كيف كانوا هؤلاء الأطفال شجر الغوطتين
وكانوا قبل السارين بدقيقتين يحلمون بدمشق.
ولدمشق التي يحمل الديوان إشارة رمزية لها (قيامة الياسمين) حضور بازر في قصائد الألم والثورة والتوق إلى الحرية التي تمتلئ بها صفحات الديوان. ولعل القصيدة التي يحمل الديوان اسمها، تختزل الكثير من حضور دمشق ومن رمزيتها على خارطة الثورة… فهي تسعى لرسم لوحة تاريخية للمدينة ورموزها، لتاريخ من الحب، ومن مرور المسيح، ومن قوافل الحجاج، ومن هذا الاغتسال الحر من وجه العبودية… إلى نهوض الحرية:
دمشق تنهض يا الله
فأعد الحكمة لها من جديد
وأعِر علياك لها لتمسو فوق الأبد
دمشق تنهض يا الله
وفي خلطة ترابها
شقائق نمت فوق الجسد
دمشق تنهض يا الله
فأعد الدروب إليها كي تجيء المدن
تجيء أرياف الدنيا كلها
لإقامة كرنفالات الحرية فوق جثة من ادعى
أنه الأبد!
وفي قصيدته (زينب تنام فوق أكتاف المدن) يحاكي مروان خورشيد دمشق التنوع، ودمشق المفتوحة لكل الطوائف والاثنيات، ودمشق الأم التي تحتضن مدن سورية، وتغدو زينب عنواناً للتسامح، لا مرقداً للتعصب واختلاق الحروب، إنها أم تمسح عن أطفالها غبار القصف والتعب في إدلب، وتهدهد جبل الزاوية على جسر الشغور، وتشدد على كفرنبل ألا تكف عن الحكمة والشغب:
في دمشق
سيشلح الريح على أطراف بردى
ويصرخ على الأزقة أن تعود بكامل أناقتها
في دمشق
سيسترد ‘زينب’ من عبيد سجدوا للأسد
سيلقنها العربية والكوردية والآرامية والآشورية والأرمنية
وسيخلع عنها لهجة الطاغية في أقرب حاوية.
يحكي مروان خورشيد عن شهداء الكورد في الثورة السورية، ويتوقف عند مجزرة التريسمة، ومن قبل عند ذكرى الشهيد حمزة الخطيب أيقونة الثورة السورية، ويطوف في مدن أحبها وعاشها كعفرين واعزاز وحلب ودمشق، بعد أن يهدي ديوانه إلى قريته (جويق) التي يقول عنها: (يا زيتونة أبي التي رحل تحت ظلها لأبديته).
وتبقى قصيدة مروان خورشيد عبد القادر متوهجة، دافئة، بعيدة عن الافتعال الأسلوبي والتعقيد الصوري، قريبة من الحياة التي تبدع فيها الثورة حلم الحرية، ويبدع فيها الشاعر حلم القصيدة النقي… وفي ديوانه الثاني هذا، بعد ديوانه الأول (الغائبون: من أرشيف قمصانك الزرقاء) 2009 ، يضيف مروان خورشيد إلى أدب الثورة السورية الذي لم تتم غربلته بعد، عملاً شعرياً حقيقياً وصادقاً، لا يفرط بمستواه الفني على حساب السياسي أو الثوري، إنه يقدم نفسه ببساطة للقارئ، بعيداً عن الصراخ والشعاراتية، وقريباً جداً من شاعرية الزمان والمكان والحلم بالحرية وبسوريا المستقبل، وطناً حراً لكل مكوناتها وأبنائها، في نسيج حضاري مفتوح الفضاءات، مشبع الأحاسيس، متداخل المرجعيات والرموز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية